غرفة قديمة فارغة أشبه بقبو، دماء تنزف، شاب يرتعد خوفا، ثم... كل شيء بدا مشوشا، لا شيء مفهوما، همهمات، شهقات، تعالت ثم سكنت عندما فتح عِمران عينيه على مصرعيهما فزعا!
تجولت عيناه في المكان؛ غرفة برائحة المعقمات، سرير طبي تحته، باقة زهور على طاولة صغيرة جانبه، صوت شخص يقترب شيئا فشيئا حتى دخل الغرفة راسما ابتسامة مطمئة، كأنه يخبر مريضه أنه بخير، ألا يقلق، أن كل شيء سيكون على ما يرام حتى وإن لم يبدو كذلك.
اقترب من الشاب المضجع على السرير وقد بدا عليه التشنج والفزع ففهم الطبيب أنه كان يرى كابوسا عكر عليه مزاجه.
جلس على الكرسي جانبه وقبل أن يقول أي شيء سأله عمران في محاولة السيطرة على ملامحه واستبدالها بالجدية والبرود لكن دون جدوى:
_كيف وصلت إلى هنا؟
أجابه الآخر بحرص يزن كلماته كي لا يزيد الأمر سوءا:
_وجدناك مغشيا عليك قرب سيارتك يا بني... هل يمكنك إخباري بما جرى؟ فقد أجرين لك كل الإجراءات اللازمة ولم يظهر أنك تعاني من أي مرض جسدي.
نظر له عمران بملامح تعلوها الدهشة وسأله:
_كم بقيت فاقدا الوعي؟
_عشر ساعات يا بني.
اتسعت حدقتا الآخر متذكرا أمرا مهما له وإن لم يظهره فسأله بانفعال:
_أين هاتفي؟
أشار الطبيب قرب المزهرية ليلتقط عمران هاتفه قلقا ليجد ما كان يخشاه، أكثر من عشر مكالمات من شقيقته ووالداته، وعدة مكالمة من لادن والمفتش نبيه.
وقبل أن يفعل شيئا أتاه اتصال جديد من لادن ليرد دون تفكير وكأنه شعر بنوع من الطمأنينة تزوره بعد فزعه من ذاك الكابوس، صحيح أنه لم يعد لادن صديقا له يوما، لكنه يراه زميلا مهتما، صادقا، مضحيا إن لزم الأمر.
ما إن فتح الخط حتى سمع صوت لادن الذي لم يحتوي إلا على القلق:
_عمران، أين أنت؟
كاد الطبيب يأخذ الهاتف ويجيب بدلا عنه فصحة مريضه هي الأهم الآن وعليه أن يرتاح فقط، لكن عمران نظر له بنظرة جدية كانت تعني بكل وضوح «أنا بخير».
_في المشفى
أجابه بتلك النبرة الباردة المعتادة لكن لم يخفى على لادن أن هذه النبرة ليس صادقة بل موارية عن أمر أكبر لذا سأله بنبرة جادة ليست كالتي عُهدت عليه من قبل:
_في أي مشفى؟
زفر الآخر بضيق وقد بدأ يستعيد رباط جأشه:
_إنه مشفى ****، لا داعي لقدومك، أنا بخير.
تحدث الآخر متهكما دون وعي منه:
_أوه حقا؟ أنا في ذات شارع المشفى، ثلاث دقائق وأكون لديك.
أغلق الخط دون انتظار رد عمران ليقول الطبيب مبتسما:
_من الجميل أن تملك أخا يقلق عليك.
تساءل الآخر في نفسه: «أخ؟»
وقف الطبيب مغادرا وهو يقول:
_سيصل أخوك قريبا، سأتركك معه قليلا علك ترتاح أكثر بوجوده، ثم سنتحدث.
أوقفه قائلا:
_ليس أخي!
ابتسم الآخر والتفت إليه:
_أيا كانت منزلته، إنه أخوك في الإسلام قبل كل شيء.(غادر)
راقبه وهو يغادر...
أمسك رأسه عندما شعر بصداع قوي ينتابه مجددا وكأن صدمة كهربائية تسللت لعقله فجأة، ثم اختفى الألم إلا بعضه بقي ليؤكد له أن ما يجري معه هو حقيقة بحتة وليس وهما أو كابوسا جديدا!
انتشله من عاصفة عقله صوت طرق على الباب ثم صوت خطوات تقترب، رفع نظره تجاه الزائر فإذا به لادن قد أتى بالفعل.
وقف أمامه وأخذ يحملق فيه دون قول شيء مما أثار استغرابه وسأله بنبرته الباردة:
_ما بال عيناك تكادان تثقباني؟
تجاهل كلماته وسأله بنبرة حادة وعينان بدت عليهما الجدية إلا أن بريق الحزن بدا واضحا لشخص كمحقق:
_لم تتظاهر؟
_أنا؟ (سأله مستنكرا)
انفعل مجيبا:
_نعم، أنت! عمران كم مرة عرضت نفسك للخطر؟ أنسيت أن لديك عائلة لا تحتمل فراقك؟
لم يترك له سبيلا للإجابة واستطرد قابضا على يديه بحزن وغضب:
_ألا تدري كم أبكيتهما؟ ألا تدري كم أقلقتنا بتصرفاتك المتهورة؟ أنت ذكي ولا غبار على هذا، تكشف المجرم قبل الجميع، لكن هذا ليس دافعا لتواجه المجرمين وحدك!
أخذ نفسا وتابع بنبرة أقل حدة:
_لا أعرف دوافعك، ولا ماضيك، ولا أعلم أي شيء يخصك، ولكن، أنت زميلي، علي مساعدتك، شئت أم أبيت، أتفهم هذا؟ أنا بجانك سواء أردت ذلك أم لم ترد!
كان سيكمل ويخرج كل ما في جعبته، كل ما كبته لوقت طويل، لولا دخول بعض الممرضين الذين سمعوا علو صوته فأرادوا إخراجه كي لا يزعج المريض ليقول عمران بحدة ناهرا إياهم:
_دعوه، هذا بيني وبينه، أنا بخير.
ترددوا قليلا لكن دخل ذاك الطبيب مجددا وأمرهم ففعلوا ليخرج هو بدوره.
تحدث عمران بنبرة تخللتها بعض السخرية:
_هل خمد بركانك؟
زفر الآخر بضيق وقد عاد له هدوؤه:
_داخلي براكين يا عمران.
رفع حاجبه مستنكرا:
_لم تهتم؟
مرر لادن يده بين خصلات شعره السوداء قائلا بهدوء محاولا ضبط أعصابه:
_لأنك أخي في الله!
صدم الآخر لوهلة، وقبل أن ينطق بشيء داهمه ألم شديدة في رأسه كصدمة كهربائية تلتها ذات عبارة لادن «لأنك أخي في الله».
أمسك رأسه بقوة وقد اصفر وجهه مما أقلق لادن وأخذ يهزه قائلا:
_عمران، عمران! هل أنت بخير؟
قاوم الآخر وأومأ برأسه دون قول حرف فلم يرتح لادن لهذا واستدعى الطبيب على الفور.
جلس الطبيب قرب مريضه ينتظر منه إشارة توحي بأن الألم زال قليلا، وما إن لاحظ ارتخاء يديه وابتعادهما عن رأسه حتى تحدث بنبرة حازمة:
_بني، أخبرني بما تشعر به!
نظر له عمران لوهلة ثم ألقى بنظرة خاطفة تجاه لادن قبل أن يقول وعادت عيناه تركزان على وجه الطبيب:
_ألم شديد في رأسي كلما حاولت تذكر شيء ما، شيء حدث في الماضي، شخص أعرفه لكن لا أعرف أين التقيته، صوت رصاص يتردد في عقلي، همهمات، دماء صورتها تقفز في ذهني فجأة، أكاد أجن!
كان يتحدث بتلقائية، لم يستطع كبت هذا، شعر أن عليه الإفضاء به إن أراد أن يرتاح قليلا.
لم يهتم لنظرات لادن المصدومة، تلك النظرات التي تقسم أنها لم تشهده بهذه الحالة يوما؛ لم يرَ عمران بهذا الضعف قط، لم يره يومها مهموها ولا مكسورا هكذا.
اكتفى الطبيب بتربيتة على ظهر عمران وهو يقول:
_تعاني من فقدان ذاكرة جزئي إثر صدمة ما، هون عليك كل شيء سيكون على ما يرام.
لم يعلق عمران واكتفى بالصمت، أسخطه الجواب، كان كجرعة داء أخرى، لكن الدواء لم يكن عند الطبيب بل لدى الشخص الذي سبب الألم؛ جهاد!
استطرد الطبيب متنهدا:
_لا حل غير استعادة ذاكرتك تدريجيا وتقبل الأمر.
شكره بصوت لا يكاد يسمع فاستأذن الطبيب وغادر داعيا له الله أن يريحه ومخبرا إياه أنه سيتفقده بين الفينة والأخرى.
جلس لادن قربه وسأله بتوجس خوفا من زيادة الأمر عليه:
_هل الشخص الذي تقصده هو والدي؟
نظر له مصدوما:
_كيف عرفت؟
_هذا واضح، تغير حالك منذ رؤيته.
أرخى بجسده وحملق في السقف:
_لا أعرف أين رأيته، لكن... صورته، صوته، مرتبطان بشيء لا أستطيع تذكره أو بمعنى أدق عقلي يرفض ذلك...شيء داخلي يخبرني أن للأمر علاقة بوالدي!
نظر له لادن بعدم فهم لكنه سأله بهدوء ونبرة لينة:
_ما رأيك أن نتحدث مع أبي؟ علك تجد دواءك عنده.
أوجس عمران من نفسه خيفة، وكأنه يخشى دخول الذكرى المحضورة داخل عقله، لكنه استجمع قواه ونظر للادن محاولا إعادة نظرته الثابتة وملامحه الباردة قائلا بصوت هادئ لكنه جدي:
_لا مانع.
ابتسم لادن بهدوء:
_حسنا سأستأذن الطبيب في مغادرتك.
خرج لادن تراكا الآخر شاردا في أفكاره، حائرا في ما عليه فعله، أمر الذكريات يضيق عليه حتى أثر على ملامحه.
بحرص شديد عدل نفسه جالسا وانتظر قدوم زميله...
«عمران»
الصداع يزيد وينقص تدريجياً، كصراع يقبل فيه ثم يدبر، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، كر وفر، هذا حالي الآن؛ أنا والصداع في معركة ضروس!
(تنهد)
ذكرى وفاة والدي، الخوف من استخدام المسدسات، المفتش جهاد، شيء ما يربطهم... لكن تذكره يؤذيني!
...
أوه... صوت أقدام، ها هو لادن يدخل، أعجب لمزاجه المتقلب، قبل دقائق كان يصرخ في وجهي غاضبا ثم الآن هادئ جدا (تهكم على نفسه) ليس وكأنني لست من كان باردا فجأة ثم أمسك رأسه من الألم!
•••٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠•••
ابتسم لادن وهو يمد له يده قائلة بهدوء:
_لنذهب.
_هل أخذت إذن الخروج؟
أومأ مبتسما:
_نعم، طلب منك الراحة جيدا.
تمتم عمران:
_فهمت.
نهض من الفراش بمساعدة لادن ثم استند عليه ولشدة صداع رأسه الذي ينتابه بين الحين والآخر، سارا بروية خارجين بصمت، حتى وصلا سيارة لادن ليقول عمران باستغراب:
_أين سيارتي؟
في طريق قدومي إلى هنا أخبرت والدي أن يأتي لأخذها، إنها في منزلك الآن.
_شكرا لك. (همس بها)
ابتسم الآخر:
_على الرحب.
ركبا السيارة وانطلقا نحو المنزل.
•••٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠•••
من جهة أخرى...
بعد أن ساعدت لين صديقتها في أخذ الأم المقعدة إلى الصلاة وأضجعتاها على الأريكة؛ جلست أم لين معها تحدثها وتتعرف عليها، فابنيهما زميلين، وابنتيهما صديقتين، وزوجيهما أصدقاء وزملاء سابقا؛ أما الفتاتان فذهبتا لغرفة رنيم لتتحدثا بأرياحية:
_لين ألا تخفين عني شيئا؟
عبست لين بتذمر:
_ماذا قد أخفي عليك؟
_هل أصاب عمران مكروه ما؟(تمتمت بصعوبة)
لم تنفي الأخرى أو تؤكد واكتفت بقول:
_كما قلت لك، هو ولادن مشغولان فقط وسيعودان قـ...
قبل أن تكمل جملتها أتتها رسالة فتفقدتها فإذا فحواها (أنا وعمران في طريقنا عندكم)
شقت البسمة وجهها، شعرت بالراحة أن صديقتها سترتاح كذلك.
تبسمت مردفة وهي تريها الرسالة:
_سيصلان قريبا، أخبرتك!
تعابير مرتاحة حلت على وجه رنيم وقد شعرت بنبضات قلبها تعود لدقاتها المعتادة، لكن... شيء ما لا زال يقلقها، فبعد اتصالها الأول بلين اتصلت بشقيقها عدة مرات ولم يجب لذا هي قلقة أنه قد أصابه مكروه منعه من الرد.
ذهبت الفتاتان للصالة حيث والدتيهما يتسامران وقالتا معا بنبرة حملت السرور في طياتها مغلفا بالهدوء:
_سيصل لادن وعمران قريبا.
تنفست أم رنيم الصعداء وحمدت الله كثيرا وقد فعلت أم لين الأمر ذاته سعيدة بعودة ابنها سالما وأيضا بسلامة عمران.
خارج المنزل...
_هل أنت متأكد أنك تريد التحدث مع عمران بشأن تلك الحادثة؟
_نعم يا نبيه، فيبدو أنه لم يتذكرني، أظن أنه قد فقد جزءا من ذاكرته نتيجة الصدمة.
تنهد الآخر بحزن:
_المسكين!
هز جهاد رأسه بأسى ثم ابتسم وهو ينظر للسيارة التي وصلت لتوها:
_لقد وصلا.
نزل الشابان من السيارة وفعل المفتشان الأمر ذاته، اقتربوا من بعضهم وحمد المفتاش لعمران سلامته فشكرهما بهدوء، وقبل أن يقولا شيئا آخر، نظر عمران للمفتش جهاد قائلا بنبرة جدية محاولا مُدارات الألم الذي زاد عن حده فعلا:
_سيد جهاد، ما علاقتك بوالدي؟
ـــــــــــــــــ
وهكذا انتهى الفصل الثالث🔥
فصل نُسج بالألم والمشاعر الصادقة
ما رأيكم بتطور علاقة الزميلين لادن وعمران؟
أتظنون عمرانا قد يعترف بلادن صديقا له؟ 🤭
وما ردة فعل عائلة عمران يا ترى عندما يلقاهم؟
ماذا عن علاقة جهاد بوالد عمران؟
وما قصة فوبيا المسدس🤭؟
ستكشف الستارة قريبا🔥
البروء