مرّت الأيام وكانت فلوريا تكبر بين أحضان مربيتها "نجد"، والتي كان لها بنت في مثل سن فلوريا تُدعى "مانيسا".
كان زهر الدين يتابع أخبار حبيبة قلبه فلوريا دائمًا، ويطمئن على أحوالها من نجد، فهو كان يثق في نجد كثيرًا، ويعلم مدى ولائها له ولفقيدة قلبه نرجس، فهي كانت وصيفتها وبئر أسرارها ومثل أختها، وكان متأكدًا من عدم تفرقة نجد في المعاملة بين مانيسا وفلوريا.
كانت فلوريا جميلة ورقيقة وحنونة رغم صغر سنها، فهي كانت ما زالت في الثالثة من عمرها، ولكنها كانت تحنو على جميع من في القصر وتساعدهم، ولم يكن فيها أي خبث أو كره تجاه أحد… إلا شُكران؛ فهي لم تكن تحبها أبدًا، وكأنها تُثبت بذلك مقولة "أن من القلب للقلب رسول".
فهي كانت تشعر بنظرات شُكران وكاميليا غير المريحة لها، فتتجنبهم.
وفي يوم من الأيام وجدت نجد فلوريا تبكي في زاوية من حديقة القصر، فهرولت نحوها متسائلة عن سبب بكائها، فربتت بيدها الحنونة على ذراعها وأخذتها في حضنها الحاني في محاولة لتهدئتها.
فأجابتها فلوريا بعد أن هدأت قائلة:
ــ لا شيء مهم… لا تقلقي يا خالتي.
نظرت لها نجد بعمق، فهي تفهمها كثيرًا، وقالت:
ــ لا تنكري يا فلوريا، فأنا أعلمك جيدًا… ماذا هناك؟ هيا تحدّثي.
أجابتها فلوريا بعد إلحاح وهي تبكي:
ــ عندما كنت ألعب مع كاميليا… حاولت إسقاطي من على الدرج.
فهمت نجد حينها ما تُخطط له كاميليا وأمها، وأنهما ما زالتا مستمرتين في محاولتهما التخلص من فلوريا.
كانت تشك في نواياهما من البداية، ولكنها لم تكن تستطيع أن تتحدث، خاصة أنها لا تملك دليلًا عليهما.
ولكي تجعل فلوريا تهدأ، حاولت أن تكذب وتقنعها أن أختها كاميليا تحبها، وبالتأكيد لم تكن تقصد مضايقتها أو أذيتها، ولابد أنها كانت غير متعمدة ذلك.
كانت فلوريا طيبة، فصدقت كلام نجد، وقامت لتُكمل لهوها مع أختها "بنت مربيتها" مانيسا.
أما بالنسبة لنجد، فقررت أن تُمسك دليلًا على شُكران وخططها الخبيثة، خاصة بعدما حاولت أن تؤذي فلوريا. فهي لن تسمح بأن تقف مكتوفة الأيدي مرة أخرى؛ يكفي أنها خسرت حبيبتها نرجس بسبب خوفها من أن تتكلم ولا يصدقها أحد، فهي كانت لا تملك الدليل.
لم تيأس شُكران بعد فشل محاولتها الأخيرة، وظلت مستمرة في محاولاتها للتخلص من فلوريا على مدار تسع سنوات أخرى، حتى أصبحت فلوريا في الثانية عشرة من عمرها، وبدأت تميز ما يدور حولها، وتعلم من معها ومن ضدها، ومن يحبها بصدق ومن يُوهمها بذلك.
كانت فلوريا ضعيفة البنية، ولكنها قوية وشجاعة ولا تخشى أحدًا. كانت عندما تنزل ساحة القتال يهابها الجميع رغم صغر سنها، وليس لأنها الأميرة فقط، ولكنها كانت تملك نظرة ثاقبة يهابها فرسان لم يهتز لهم جفن من أقوى الرجال.
كانت ليليا قريبة منها وتحبها بصدق، ولا يعجبها أفعال أمها وأختها، فهي كانت لا تعلم لماذا تكن شُكران كل هذا الكره لفلوريا وأمها نرجس.
كانت تحاول أن تستمع لكلام أمها وتنفضه عن أذنيها بعد ذلك، فهي كانت لا تتأثر بتحريض شُكران لها، فهي تحب فلوريا بصدق ولن تؤذيها مهما حاولت أمها.
في يومٍ ما، عندما انتهت فلوريا من تدريبها، كانت في طريقها لغرفتها، وعند مرورها أمام غرفة شُكران سمعتها تهمس مع أحد قائلة:
"إذا كنتِ مستعدة لخسارة ابنتكِ إلى الأبد… تفوّهي بحرف واحد."
في نفس اللحظة التي كانت تقترب فيها فلوريا من الباب لتستمع للحديث جيدًا، شعرت بأحد يفتح الباب، فهرولت واختبأت، لتجدها نجد.
فلماذا تهددها شُكران؟ وما الذي تعلمه نجد وتخبئه عنها؟ وما هو السر الذي تخاف شُكران أن ينكشف؟
#يتبع
Mâhâ Zâyêd