النهاية

النهاية

20 0

أتاني الفضول، والكثير من القلق، وذات النغزة في قلبي.

لكن فضولي وقلقي كان قوياً جداً لدرجة أني لم أستطع السؤال.

فكيف أفضح قلبي بعدما ستره الله لأكثر مِن عامٍ ونِصف!!

في الحقيقة لم أُكلّف نفسي بالسؤال، فأصدقائي فعلْن ذلك، بعدما زاد فضولهن بعد بِضع ركعات.

ماذا؟!!

مهلًا!!

أرفع دعاءه في الوتر بأن تكون إحداهن له، علنًا؟؟

" كانت هذه صدمتي بعدما سألَتْ صديقتي إحدى المصلين "

مَن هي؟ مَن تكون؟ مَا اسمها؟ ولِمَ؟؟

لِمَ يُعلِن رغبته في الزواج من إحداهن علنًا والمسجد مليء بالناس؟ أيُعقل أنه أحبها لدرجة أنه يريد من مِئات الأشخاص ترديد (آمين) خلفه!!

لم أشعر بنفسي، إذ وبها أختي تُخبرني: "لِمَ تبكين؟"

ماذا؟؟

أبكي؟؟؟

مهلًا... أنا حقًا أبكي!

نظر لي الجميع، لأنه أمر غريب أن تبكي فتاة فجأة والجميع يتكلم عن الإمام الذي يُحب إحداهن ويدعو بها في صلاة الوتر علنًا.. ليؤمِّن خلفه مئات الأشخاص!!

لقد فُضِحت حتمًا... لقد خذلتني دموعي وفضحتني!!!

خرجت مسرعة إلى دورة المياه أمسح وجهي، ولكن لا فائدة، فكلما مسحت وجهي زادت دموعي!!

أخبر نفسي: بـلا بأس، لا بأس. لربما ليس به أي خير... لرُبما لم يكن لي منذ البداية... لرُبما كتب الله لي شيئًا أفضل.

أخبر نفسي: لعله خير!!

دخلت خلفي صديقتي قائلة: "سنكمل التهجد، هيا تبقّت لنا ركعتان وسنصلي الوتر ونذهب".

أشرت لها بأني آتية، أتظاهر بأنها ماء وليست دموع.

وعلى أية حال... ما الفرق بين دموعي والماء؟؟

نظرت للمرآة لأتمالك نفسي، فسأكمل الصلاة مع إمام قلبي... وكاسرِه!

ذهبتُ أكتم بداخلي الكثير. أخبرتُ أمي :

" الغبار دخل في عيني لذا أدمعت".

أتعمد أن يعلو صوتي لكي لا يشك أحداً بي، وكأن بكائي جريمه..

بدأت الصلاة، وعند السجود دائمًا ما تتسارع دموعي بالنزول، لكنها تتمالك نفسها عند الوقوف، رغم صوته الذي يُردد كلِمات الله..

لرُبما... لأني اعتدت رَمِي كُل حَملِّي في سجادتي؟

انتهينا وبدأنا بثلاث ركعات وتر.

مرت الركعة الأولى ويدي ترتعش.

الثانية وقلبي يرتجف.

حتى أتت الثالثة...

عند الدعاء دق قلبي بخوف. قلقي وخوفي يفوقان العنان.

ماذا إن دعا الليلة كذلك؟ ماذا إن سَمِعتهُ أُذُنِي تلك المرة؟؟

بدأ بصلاته على النبي ﷺ (صلوا عليه💗)،

ثم دعا للمسلمين والمسلمات.

ثم أتت تلك الدعوة التي هزّت جوفي!!

"اللهم ارزق كل عازب الزوجة الصالحة...

"آميـن"

(صمت لثوانٍ لكنها كانت كالدقائق بالنسبة لي، كأن الوقت يمر ببطء وهو يرددها)

اللهم وأرزقني بها وبكل ما يُعينُنِي لتوفير حياة كريمة لها."

والجميع يُردد: "آميــن"

هنا اهتزت الكرة الأرضية بأكملها معي.

لم أعد أشعر بأي شيءٍ من حولي.

مرت ثوانٍ، وإذ بي أفتح عيني أجد نفسي في المنزل!!

ماذا؟؟ أكان حُلمًا؟؟

وقفت أخرج أتسائل: ماذا حدث؟

إذ بها أختي تقول:

"أثناء صلاة الوتر فقدتِ وعيك، والجميع ألتفَّ حولك وأخذوكِ للمنزل!"

شعرت بالإحراج الشديد..

لم يكن حُلمًا.. لله الحمد.

مهلًا... لم يكن حلمًا، لقد دعا بفتاةٍ ما!! مَن تكون؟؟

لقد لفتُّ الانتباه دون عمد مرةٍ أخرى. لقد كُشف قلبي. لقد فُضِح أمري... ورُبما هذه المرة لن أستطيع الإنكار!

كم الساعة؟

ماذا؟؟ إنها الثانية بعد الظهر!! لم أتسحر!!

قالت لي أختي أنهم حاولوا إيقاظي ولكن لم أستيقظ، وحين أتى الجيران بطبيب أخبرهم أني أُغمي عليّ بسبب ضغط وصدمة وسأستيقظ بمفردي.

استغربت قليلًا بأن الجيران هم من جلبوا لي الطبيب... ولكني لم أُكلّف نفسي بالسؤال.

شعرتُ بالجوع ولكنني تحمّلت.

أخبرت نفسي: مهما حدث لن أصلي في ذلك المسجد مرة أخرى.

ذهبت أمي وإخوتي وأصدقائي للمسجد، لكني رفضت رفضًا تامًا.

ذهبتُ لمسجد آخر، صليتُ وانتهيت.

وإذ بي أجد أمي وأختي وصديقتي يبتسمن وينظرن باتجاهي، مُتجمعين حولي عندما عدت للمنزل.

كأنهم يعرفون شيء لا أعرفه..

استغربت... ولكن كعادتي... لا أسأل.

ظلوا يخبروني: "إذا أردتِ شيئًا، أخبرينا."

مرت دقائق ثم قالت أمي وكأن الأمر محسوم :

" آخر يوم لصلاة التهجد يجب أن تأتي للصلاة معنا في ذات المسجد".

رفضت بأقسى ما عندي.

ولكن... مَن ذا الذي يرفُض أمام أمه وأخته وصديقته؟

في الحقيقة... لم أكن لأذهب حتى لو أصرّوا وفعلوا كل شيء.

لكن... عندما جاء والدي بنفسه يُخبرني بأنه يجب عليّ الذهاب، لأن الجميع سيذهب حتى هو، لم أستطع الأعتراض.

ولكني استغربت جدًا:

لِمَ يصرّون عليّ هكذا؟ ما السبب؟

لكني...كعادتي لا أسأل.

ولرُبما حتى لو سألت لن يكن ليخبرني أحد بما سيحدث..

---

مرّت الأيام حتى أتى آخر يوم. والجميع أصرَّ أن أذهب رغم أني ظننت أنهم تناسوا الأمر.

ذهبتُ رغمًا عني.

صليتُ مع إمامي جميع الركعات حتى أتت صلاة الوتر.

تظاهرت بأني مُتعبة ولكن الغريب أنه لم يصدقني أحد.

بل وأصروا أن أصلي معهم الوتر.

ولكن... في صلاة الوتر حدث شيءٌ عجيب!

لم يدعُ بذات الدعاء، بل ولم يأتِ بتلك السيرة (الدعاء بالزواج) حتى وإن كان دُعاءً عامًا!

ولما انتهينا، استغربتُ أكثر أن الجميع كان يريد مني الذهاب معهم للصلاة معه.

لكنني بررت ذلك بأنه رُبما يحبون صوته كما أفعل، ويريدوني معهم لا أكثر.

لم أفكر ولو لمرة أن هذا قد يحدث قط...

فهي آخر تهجد... وليلة عيد الفطر!

سمعت صوتًا يصدر مِن مكبر الصوت.

صوت ليس بغريبٍ عليّ.

صوت لطالما اعتدت أن أسمعه.

صوت يُرتل دائمًا: حيّ على الصلاة..

إنه هو! إنه يتحدث!

ما الذي يحدث؟

ما الذي سيقولّه؟؟

دقات قلبي تتسارع...

يا تُرى ما الذي سيدفعه للكلام هذه الليلة أمام مِئات المصلين؟ أهو سرٌّ دفين.. أم اعتراف سيُقلب الموازين ؟

وقف المؤذن أمام المصلّين مُبتسمًا ثم قال:

ـ "السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات، أستأذِنكُم سألقي بعض الكلمات التي لن تأخذ منكم بِضع دقائق... منذ العشر الأواخر مِن رمضان وأنا أكرر دعاءً أثار الكثير مِن التساؤلات، ألا وهي : اللهم وأرزقني بها. (ابتسم بلطف).

لن أنكر أني كنت أتعمد أن أدعوا بها أثناء صلاة الوتر ليؤمِّن الجميع معي.

ولكن تلك الليلة لم أقل ذلك الدعاء.. لأنها تُصلي معنا الآن وهي تسمعني أيضاً!!

أحببتها حبًّا عفيفاً طاهراً خاليًا من المحرمات.

لم أجرؤ أن ألوثه بكلِمة أو بنظرة مُحرمة.

لم أخدش حياءها يومًا، ولم أُزين لها كلامًا زائلًا لا يُرضي الله.

لم يكن بوسعي الزواج وقتها، لذا اكتفيت بالدعاء.

ولكن الله فتح لي باب الرزق وهيأ لي السُبل، وأبشركم بأن دعوات كل من قال "آمين" في طريقها للاستجابة.

كنتُ أعلم أنها لا تُصلي هنا عادةً، حتى جاء ذلك اليوم وفقدت وعيها...

1

لذا توقفت عن الدعاء علنًا.

واليوم، أمام الله وأمامكم جميعًا، أسمحوا لي أن أطلب يدها في الحلال.

أنا عَبدُاللَّه بن يُوسف، أتشرف بطلب يد أبنتك حليمة عَبدالإله على سنَّة الله ورسوله."

---

تعالت أصوات التصفيق.

وأخذ هو يُسلَّم على والدي بحرارة.

أما أنا... فقد غبتُ عن الوعي من هول الصدمة.

ولولا أن أختي سجّلت الموقف لظننتُ أني أحلم!

استمعت للتسجيل وأنا بين الذهول والسعادة، دموعي تنهمر.

كيف يعرفني؟ ومنذ متى ؟ ولماذا أنا؟!

لكن في قلب الصدمة كانت هناك فرحة عظيمة:

دعواتي به تحققت.. لم تُهدر دموعي، ولم يُخذل قلبي.

مرّ كل شيء كـلَمحِ البصر.. وتزوجنا!

وفي ليلتنا الأولى لم أستطع أن أمنع نفسي من السؤال، فسألته عن كل ما حيَّرَني، وقبل أن يُجيبني..

ابتسم بلطف وبذات ملامح الهدوء التي تُسكنه قال:

- "منذ متى تعرفيني؟"

ابتسمت بخجل :

"منذ أن إنتقلتُ لهذا الحي"

قال مبتسماً يُكمل:

ـ "أي مُنذ أكثر مِن عامٍ ونِصف أليس كذلك؟"

ابتسمت ثم أكمل كلامه بهدوء:

"أما أنا أعرفك مُنذ أكثر مِن ثلاثة أعوام ونِصف!! "

تمتمت بإبتسامة مُتعجبة:

أكثر مِن ثلاثة أعوام ونِصف !!!

أكملت قائلة:

يالله، رغم أن اسمي حليمه إلا وأنّي لم أرى احداً مثلك في حِلمك يا أيها الحليم!

كان من المُفترض أن يُسمّوك حليم ولستُ انا..

ضحك بخفةٍ هادئة، ثم نظر إليّ بعينين يملؤهما الصفاء وقال:

"ولِمَ لستِ أنتِ؟

سنكون ثنائيًّا فريدًا حينها... "حليمة وحليم"!

تخيّلي فقط كمّ الصبر الذي سيحتمله هذا العالم إن اجتمعنا سويًّا."

ضحكنا ونحن نتبادل النظر بِمحبه قلت:

أكمل أكمل، لقد زدتني حماسًا لِمعرفة القصه مِن جهتك..

اكمل قائلا بابتسامة وكأنه يتذكرني ليلة أمس:

"كنتُ أراكِ في الجامعة فتاة بِنقابها.. يُعجبني نقابك وخَفضك لِبصرك.

لم تنظري إليَّ ولو لِمرةٍ واحدة، وكنتُ أقول في نفسي: لابد أنها لا تعرف بوجودي.

أُعجبت بأخلاقك قبل شكلك، وحدّثتُ أمي عنكِ كثيرًا، وكنتُ أرى عينك التي لا ترتفع فلا تعلمين مَن الذي يمرُّ أمامِك.

أحببتكِ حبًّا عفيفاً طاهراً.

كُنتِ تمرّين من أمامي في الجامعة وعيني تتبعُكِ، بينما عينك لم تكن ترتفع من الأرض؛ وتُخجليني، وفي ذات الوقت يزيد يقيني بأنكِ هي من أُريد!

أعتذر لأني لم أغض البصر عنكِ، ولكن يشهد الله أني لم أُطلقه على غيركِ!!

مرَّ عامين، وتخرَّجنا مِن الجامعة، وظننت أن الأمر انتهى وأني لن أراكِ ثانيةً، رغم أني كُنتُ أدعو بكِ في صلواتي.

حتى جئتِ وأنتقلتِ بجوارنا.

وهنا تشبثت بكِ أكثر، فسبحان من ساقكِ إليّ..

لم أرَ وجهك قط، لكني أحببتك بعفَّتُكِ وحيائك.

ولكن كيف سأتقدم لكِ وأنا لست مؤهلاً بعد؟ فظروفي كانت لا تسمح.

كُنت ألاحظ تجنبكِ من المرور أمام المسجد الذي أؤذن فيه، ولكني توقعت أنكِ تخشين الفتنة.

أمي وجدت فرصة أكبر للتعرف عليكِ وعلى أهلك حين انتقلتم، وبالفعل كنتم خيراً مما تمنيت، وتعرفت على اسمك وعلى والدك.

أما عن نظرتي لكِ في المسجد...

فأنا نظرتُ لكِ عندما سمعتُ اسمك "حليمة"

رَفعتُ عيني مُتعجبًا، فأنتِ لا تُصلّين في هذا المسجد.

ولكني تفاجأت أكثر من شيئين:

الأول هو أنكِ تبادليني النظر رغم أنكِ تغضين بصرك دائماً.

والثاني هو أنكِ دون نقاب، لذا رأيت وجهكِ لأول مرة.

ولكِني سريعاً ما صَرفتُ عيني عنكِ، لم أتعمد النظر سوى أن عيني خانتني وأعترف بخطأي!

طُلب مني أن أؤذن، لكني رفضت بعدما شعرتُ بأني خدشت حياءكِ دون عمد.

لذا قررت أن أعتزل الأذان لفترة.

ثم عدتُ لأني اشتقت لذلك، فأنا أؤذن منذ أعوام.

ولكن صدّقيني، لم تَمُر ثانية لم أكُن ألوم فيها نفسي بتلك النظرة، خصوصاً أنها نظرتِنا الأولى المتبادلة، فأنا أيضاً أردتها حلالاً.

(أمسك يدي ينظر في عيني قائلاً)

لذا الآن أقولها لكِ يا حليمة: سامحيني.. ها نحن اليوم في حلال الله."

---

كان صوته يرتجف وهو يتابع:

ـ "أما عن الطبيب، فأنا من أرسلتُه لكِ.

أعتذر... لم أكن أعلم أنكِ ستُصلِّين معنا ذلك اليوم.

في الغد مباشرةً فتح الله عليَّ برزقٍ لم أتوقعه، قررت أني لن أضيع الفرصة.

خصوصاً أني كنت أشعر بأنكِ تُبادليني المشاعر، وزاد يقيني عندما سألتُ أمي فقالت إنكِ فقدت وعيك تحديداً أثناء الدعاء في أخر ركعة!

ففهمت أنها بسبب تلك الدعوة، التي دعوتها أمام مِئات الأشخاص، والتي يتكلم عنها جميع المُصلين ويشعرون بالفضول نحوها.

مَن هذه التي أخذت قلبَ الإمام؟

أخبرتُ والدكِ بأني أريد طلب يَدُكِ أمام الجميع، ليُسعَد قلبُكِ كما أُحزنتِ وفقدتِ وعيك أمام العلنْ.

أصررت أن أُعلن أمام الجميع ليلة العيد... لأجعل فرحتكِ فرحتين."

ابتسمتُ ثم سبَّحتُ الله كثيرا، وسبَّح معي.

انهمرت دموعي وأنا أهمس في نفسي:

"كان يعرفني قبل أن أعرفه. أحبني قبل أن أُحبه. وكل طرفٍ يشعر أنه المُحب الوحيد؛ ما أجمل تدابيرك يا الله."

لك الحمد إلهي على أقدارك وحكمتك وتدابيرك."

نِعم العوض.

تركنا الحرام فأتانا الحلال مهرولاً!!

ابتعدت عن كل حرام قد يجمعني به:

حيث كنت أتعمد عدم الصلاة في ذات المسجد، عدم المشي في شارع يمشي فيه.

كانت عيني تتبعه أينما كان من شُباك غرفتي فقط... وكُلي يقين أنه لا يعرفني.

وها أنا أكتشف الآن أنه يعرفني منذ الجامعة.

مِن طرفي كنت أُحدَّث الله عنه كثيرا، وكان يفعل ذلك قبلي بعامين.

ها نحن في ذات الغرفة وذات الباب الذي ندخُل ونخرُج منه.

سبحانك يا الله.

---

حلَّت فترة من الصمت، قبل أن يرفع رأسه ويقول:

ـ "واليوم أقولها لكِ يا حليمة في حلال الله:

حليمة...

نظرتُ في عينيه بخجل

مدَّ يده يُمسك بيدي برفق، وعيناه تبرقان بخجلٍ لم أرَه من قبل، قال:

كنتِ آيةً من كتاب الله في حياتي، وصدقًا إنكِ سكني ومودتي ورحمتي..

أحمرت خدودي خجلاً وكأني أعرف لِما يُمهد،

أتبَع بهدوء :

إنٌّي أُحبُّك."

1

ارتجف جسدي وابتسمت عيني، ورددت بخجل :

ـ "وأنا أيضًا...

وانا أيضاً أحبك يا إمام قلبي."

وأخيراً اجتمعنا في حلال الله.

لم تمر سوا بِضع أيام..

وذهبنا لزيارة أهلنا ، أما انا فأصررت على أن يأتي لغُرفتي لأريه بأي شُباكٍ تبعتهُ عيني ليل نهار، ومِن اي مكان سَمِعتهُ أذني وأحبّه قلبي.

أصبحت أتلو عليه بضع من المشاهد التي رأيته بها من خلال الشُباك وضحكنا سويا وجلس يمزح معي،

وكانت مِن أسعد ايام حياتي.

وأدركت أخيراً أنه لم يكن وهماً صنعته انا، بل مُنذ إنتقالي للحيّ وكل ما عشته ما كانت إلا بداية لإستجابة دعواته قبل دعواتي..

وبعد لحظة استرجاع الذكريات معه أخبرته مبتسمه بأن يتلو علي بضعٍ من آيات الله بهذا الصوت العذب..

ابتسم وهو يضع رأسه على حجري، يتلو بعضًا من آيات الله بخشوعٍ يذيب السكون، ثم ارتل بصوتٍ دافئ:

"بِسـم الله الرحمن الرحيم

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]."

صدق الواحد الأحد... فما الزواج إلا سكنٌ تطمئن فيه القلوب بعد تيهٍ طويل، ورحمةٌ تداوي جراح الأيام، ومودّةٌ تُنعش الأرواح.

وما بيني وبينه لم يكن محض صدفة، ولا فصلاً عابرًا في كتاب العمر، بل كان آيةً من آيات الله، قدرًا مكتوبًا منذ الأزل، ختمه الخالق بالمودّة، وزيّنه بالرحمة، فصار حبًّا لا يذبل، وسكنًا لا ينهار.

هكذا أدركت أن الحكاية التي بدأت بهمسة، انتهت في حضن آية، لتظلّ ما بيننا حياةً يباركها الله، وحبًّا لا ينطفئ مهما تغيّر الزمان."

بعدما أنهى ترتيله، أضحى يعدّل من جلسته، ينظر إليّ بعينين تفيض بالحنان، يمسك بيدي ويقول بصوتٍ خافت: «إني رُزقتُ حبّها»...

ابتسمتُ، أتذكر أن هذا كان قول الرسول ﷺ في عائشة، فأدركتُ أن الحب رزق، رزقٌ يسوقه الله لمن يشاء، رحمةً وسكنًا، وآيةً من آياته لا يخطئها قلبٌ صادق.

وصدقًا، ما عرفت للحب طعمًا صادقًا إلا بعد أن جمعنا الله في الحلال،

فالحب لا يُزهر إلا حين يُسقى بطاعة، ولا يكتمل إلا حين يُظلله الرضا، وكل ما قبله لا يكون إلا مِن تزين الشيطان ليوقعنا فيما حرّم الله..

ولله الحمد، أذاقني وأذاقه لذّةً لا يعرفها إلا من صبر عن الحرام، فجازاه الله بالحلال.

♥️وهكذا.. بدأت حكايتي مِن شُباك غُرفتي.♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من شباك غرفتي

المؤلف ♡أزهار عبدالله♡
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة