\"حين أسرني صوت المؤذن\"

\"حين أسرني صوت المؤذن\"

17 0

صوتاً عذباً يتردد في الأنحاء، مصدره ذلك المسجد الذي هو إطلالة منزِلها.

"الـلَّـه أكبر ، الـلَّـه أكبر..."

رددت بصوتٍ خافت :

يالله ، ما أجمل هذا الصوت ..اللهم زوجاً صالحاً يردد الآذان بصوتٍ عذب كهذا المؤذن..

رُبما تفاجاءت بصوته لأنه يومها الأول في هذا الحي.. فهي انتقلت حديثاً،

أما جيرانها فهم معتادون على هذا الصوت العذب..

مرت الأيام ومعظم الصلوات يؤذنها هذا المؤذن الذي يُريح بها القلوب ويُحييها..

وفي إحدى المرات وهي تنظر من نافذتها، رأت شاباً مُلتحياً يمُّر بأتجاه المسجد ..

تجاهلت الأمر، ولكنها كانت تتكرر كل صلاة.

كانت تظنه مجرد شخص يُحافظ على صلواته في المسجد، حتى سَمِعت من جيرانِها أنه المؤذن وإمام هذا المسجد.

يا الله.. أهو صاحب هذا الصوتُ العذب؟

لم يُصبح تَسَللُي خلف نافذتي صدفة، بل أصبَحت عمداً.

أتسلل كل يوم قبل كل آذان إلى شُباك غُرفتي.. لأراه يمُّر ذاهاباً عائداً من المسجد..

أراهُ ليلاً نهاراً من نافذتي، أراقبه كل يوم وأستمع لذلك الصوت العذب.

أتساءل: أيجب أن أظهر أمامه لعله يأخذ خطوة نحوي؟

ولكن تالله لن أفعل، لكي لا أوقعه في الفتن.

اكتشفت حديثاً أنه أيضاً جارنا.

كم أُحب صوته عند الأذان!

بل كم أحببت الأذان بسببه..

كُنت خجوله حييه، متدينه، أطيع ربي.

ولكن قلبي أصبح يُحبه، بعدما كان مجرد صوت، ونافذة أنظر منها، أصبحت مشاعر، وقلب يخفق له كلما أراه وأسمعه.

فما أستطاعت عيني من النزول عليه وكل هذا مِن خلال شُباك غرفتي فقط.

كُنت أخجل من المرور أمام المسجد، مِن أن أراه مِن قُرب أو أن يراني..

كنت أخشى عليه من الفتن.. فقط أراقبه من بعيد.

تمر الأيام حتى مرَّ عامٍ ونِصف منذ انتقالنا لهذا الحي ، ولازلت أكرر حركاتي دون ملل، ولازلتُ أحبُّ سماع صوته عند الأذان والإقامة...

---

حتى أتت تلك الليلة التي أجبرتني فيها صديقتِي للذهاب إلى ذات المسجد لأول مرة منذ عامٍ ونِصف.

أخذتني صديقتِي، ولأني فتاة منتقبة، فداخل المسجد أخلع نقابي وأجلس بحجابي.

كُنت أخشى مِن أن يراني أو مِن أن أراه عندما أمُّر مِن أمام المسجد.

كان الخجل يُربك خطواتي كُلما اقتربت من المسجد.

ذهبنا، ولكنني لم أره.

اطمئننت قليلاً .. لعله مشغول اليوم ولن يؤذن تلك المرة.

ذهبتُ مع صديقتي، وجلستُ متوترة أنظر يمينًا ويسارًا.

قالت وهي تهمس لي مستغربة:

"هل أنتِ بخير؟ أشعر انكِ لستِ مِرتاحه!"

تنفست ببطء وأجبتها:

"لا شيء.. ولكن هل تظنين أن المؤذن الذي يُحب صوته الجميع ، سيُؤذن اليوم؟."

ضحكت صديقتي بخفة:

"لا يُهم من المؤذن، المهم اننا اتينا لنُصلي."

ابتسمت وحاولت عدم إظهار شيء ولكن فجأة...

أرتعش قلبي وبدأ في التسارع..

بسبب ذلك الصوت الذي يتردد في جميع الأنحاء.

فقد ارتفع الصوت الذي كنت أخشاه وأتمناه معًا:

"الـلَّـه أكبر... الـلَّـه أكبر..

أشهد أن لا إله إلا اللـه..."

نعم إنه صوته!

ولأن مصلى السيدات بالأعلى، نَظرت الفتيات يتحدثن عن جمال صوته، وكم أنه فتى أحلام أي متدينة.

شعرتُ ببعض الغيرة والحزن، وفي ذات الوقت أخذني فضولي للنظر.

نظرت، وكان واقفاً بظهره، ولأول مره أراه وهو يؤذن.

دمعت عيني، فأنا أتمناه أيضاً، ولكني تركته لله، فما لي مِن السعي سوى الدعاء.

انتهى من الأذان، وأخذ يُسلِّم على أحدهم، بينما كنتُ أتتبعه بعيني دون وعي.

نادَتني إحدى الفتيات فجأة بصوتٍ مرتفع:

"هيّا يا حَليمة، تعالي"

انتبه المؤذن للصوت، ورَفع رأسه، فارتفعت عيناي في ذات اللحظة إلى عينيه ..

وتلاقت الأعين لأول مره!

أنتفضتُ مِن مكاني، مخضوضة، أرتجف..

وقلبي يخفق بلا توقف

تراجعتُ خطوة للوراء.

قالت صديقتي هامسة وهي تمسك بيدي:

"وجهك.. إنكِ بلا نقاب!، انتبهي"

لم أستطع الرد، كنت كالمشلولة..

وهو، كأن الزمن توقف عنده لثواني، قبل أن يَخفض بَصره سريعًا.

خرجت مسرعة، أسمع صديقتي تُناديني خلفي:

"انتظري! إلى أين؟"

لكنني لم أُجبها، فـكل ما افكر به أن الأعين ألتقت.. ولكن ليست وكأي لقاء.. بل وبدون نِقابي!

خرجت مِن المسجد، وأحسستُ بأن نقابي قد تبلل.

نعم إنها دموع!! تسيل مني دون إذني.

عندما عُدت بدأتُ أبكي بغزارة.

كم أردت أن يُلاحظني!

وكم كَرِهت تلك الملاحظة!!!

كم أني تمنَّيتُ أن يراني بطريقة حلال، دون رؤية وجهي، وهو ليس حلالي بعد.

تألم قلبي، لأكثر من سبب، وأولهم طريقة ملاقاة الأعين.

بكيتُ بِحُرقَه حتى خلدت للنوم.

---

في يومي التالي شَعرت بوغزة في قلبي مِن كثرة بُكائي ليلة أمس.

لا يزال جسدِي ينتفض من مكانه عندما أتذكر عيناه التي التقت مع عيِنَي.

لِما نظر لي أنا دوناً عن الكثير من الفتيات اللاتي كانوا ينظرن له؟

وكأنّه يعلم أنَّي صاحبةُ الأسم!!

وعند أذان الظهر، وقفتُ كعادتي أنظر من نافذتي لأراه.

فلطالما كان قَلبِي يَهوى رؤياه من بعيد.

ولكن تلك المره لم أره..

لرُبما تأخرتُ وذهبَ مبكراً.

ولكن عندما سمعت صوت المؤذن، لم يكن صوته الذي اعتدت أن أسمعه.

ما الذي يحدث؟

-----

لرُبما لن يؤذن الظهر كما أعتاد..

ولكن لا شك بأنه سيؤذن العصر.

كنت أنتظر العصر بفارغ الصبر، حتى أتيت قبل الآذان بدقائق أنظر.

ولكن لم أرَه يمرّ أبداً كما اعتدت!

بل ولم يكن صوته أيضاً..

بدأ يحتويني بعضٌ مِن القلق..

مرَّت اختي بجانبي تقول :

"أين المؤذن الذي صوته جميل وعذب؟"

قلت أحاول إخفاء قلقي، وعيني لا تزال تبحث عنه آمله أن تراه صدفة مِن شُباك غُرفتي :

"مِن الممكن أن يكون مشغولاً."

قالت اختي : "نعم من الممكن..

(مرَّت ثواني وهي تنظر لي ثم قالت)

ولكن مهلاً لماذا يبدو عليكِ الحزن والقلق وكأنكِ تنتظرين شيئاً ؟"

قلت مُسرعه أنظر لها : "لا، لستُ كذلك ، لرُبما لأن الجو حار !"

كانت سترُد حتى أسرعتُ قائلة : "أمي ، إنها تُناديكي"

واخيرا ذَهَبَتْ قبل أن تَكشفني !!

فهذا الأمر سرٌ بيني وبين ربي..

مرت الساعات ..وأتت صلاة المغرب والعشاء ولم يكن هو أيضاً.

أحقاً تَرك المكان بأكمَلِه بسبب نظرة؟

أم أيُعقل أنه تَسَاهى على أن يؤذن لجميع الصلوات؟

وإن كان يَفوتَه بعض الصلوات بأن يؤذنها، ولكنه لم يَفوته على الأقل آذان واحد في اليوم مُنذ عامٍ ونِصف..

ماذا حدث؟

أهو بخير؟

أكرِه وجودي؟

أشَعَرَ بشيء في قلبه تجاهي عِندما رآني، لِذا أبتَعد لأنه خشي الفتنة؟

أم تَسَاهى عن إحياء القلوب في كل آذانٍ يؤذنه؟

هكذا كُنت أفكر طوال ليلي على السرير، بينما كان يظن الجميع بأني نائمه.

وكلي أمل أن صوته لن يغيب طويلاً ، على مخدتي، أترقب صوته كما يترقب العطشان قطرات الماء...

"تُرى.. لِماذا اختفى؟ وأين؟ وهل كان غيابُه بسببها؟"

📌 "أنا هُنا أشارككم اول منشور لي 💕

لا أدري هل لامس شيئًا في قلوبكم كما لامسني؟

1

أخبروني... هل تستحق روايتي أن تُروى حتى نهايتها؟"

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من شباك غرفتي

المؤلف ♡أزهار عبدالله♡
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة