لم يزل صدى الأذان يملأ قلبي من الليلة السابقة، لكن مع إشراقة الصباح بدا البيت هادئًا على غير العادة.
كنتُ في المطبخ أرتّب الأواني حين سمعت أبي يتأفّف بصوتٍ متعب آتٍ من السلم:
- «آه... ظهري لم يعد كما كان، وهذه الأنبوبة تحتاج مَن يحرّكها، ياسين.. أين أنت؟»
ينادي أخي الصغير، رغم صِغر سنه، لكنه في نظر أبي "رجل البيت" بعده.
كان أبي يحاول جرّ أسطوانة الغاز إلى الداخل، يتصبب عرقًا من جهده. أرهفتُ السمع، وقبل أن أتحرك، سمعت صوت سالم عند الباب يقول بودٍّ:
- «دعني أحملها عنك يا عمي»
خرجتُ بخطواتٍ حذرة إلى الممر، أُطلّ من وراء الباب نصف المفتوح.
رأيته يقف بجوار أبي، يمسك بأنبوبة الغاز الثقيلة، يرفعها بثبات، وكأنّه اعتاد أن يكون عونًا لا عبئًا.
أبي تنفّس بارتياح، وابتسامةُ رضا ارتسمت على وجهه، ثم ربت على كتفه قائلاً:
- «بارك الله فيك، كأنّي أرى فيك رجلاً يُسند بيته ويحمي أهله.»
كلماته اخترقتني...
مهلاً، هل يقصدني أنا؟ هل لمح في سالم ذاك السند الذي يتمنّاه لابنته؟
قلبي انقبض، بين خوفٍ لا أُسميه ورفضٍ لا أُعلنه.
فالقوة الحقيقية... لا تُقاس باليد التي ترفع، بل بالقلب الذي يصدق.
بينما كان سالم يلتقط أنفاسه، لمحته يبتسم ابتسامة جانبية خاطفة، كأنها انتصار خفيّ لا يعرف أبي معناه.
تراجعتُ إلى الوراء بسرعة، كي لا يراني أحد.
دخل أبي ثم دخل خلفه سالم وهو يضع أنبوبة الغاز. بعد أن تبادلا بضع كلمات قصيرة، سلّم على أبي وأغلق الباب خلفه.
لم يكد الوقت يمرّ حتى جلس أبي مبتسمًا، ثم احتلت ملامحه الأنزعاج قائلاً:
- «يالله، لقد نسيت أن أشتري دواء الضغط»
دخلت عليه سريعًا، فقال لي:
- «حليمة حبيبتي، هل يمكنك أن تنزلي سريعًا لشراء دواء الضغط من الصيدلية؟ فلقد تساهيت عنها حين اشتريت ذلك الأنبوب.»
ابتسمتُ، وكيف أرفض طلب أبي؟
ارتديتُ نقابي على عجل، كأنني أخشى أن يسبقني الوقت، وهممتُ بالنزول إلى السلم.
وما إن خطوت أولى الدرجات، حتى سمعت وقع أقدامٍ متأنية تسبقني نزولًا...
رفعتُ بصري بفضول، فإذا هو سالم.
كأنّه تعمّد أن يبطئ في خطواته، وكأن نزوله لم يكن مجرد مغادرة، بل إعلان حضور أراد أن يُسمعه للعمارة بأكملها.
بينما أنظر إليه من الأعلى، لمحتُ سيدة عجوز تصعد الدرج، تحمل أكياسًا ثقيلة تكاد تنحني تحت وطأتها.
لمحتُ سالم يراها، عيناه مرت عليها ببرود، ثم تابع نزوله متظاهرًا بالانشغال وكأنه لم يرَها، كأنّه تعمّد أن لا يُظهر قوته إلا أمام أبي فقط.
كتمتُ أنفاسي، كدتُ أركض لأساعدها، لكن قبل أن أخطو، جاء صوت مألوف من خلف العجوز:
- «ألم أخبركِ يا سيدتي أن تتركي لي هذه الأكياس لِحملها!»
كان هو المؤذن. أسرع نحوها، يلتقط الحِمل عنها كأنه ابن بارّ لا غريب... التقطها بلهفةٍ حانية، وكأنّ الأمر جزءٌ من مسؤوليته، لا فضلًا يمنّ به.
توقفتُ في مكاني، أتابع المشهد بصمت.
لم أكن أتوقع أن يتقاطع دربي به على هذا القرب...
عيناي -رغم محاولتي غضّهما- شعرتا بمروره كضوءٍ يترك أثره حتى وهو عابر.
وقفتُ ملاصقةً للجدار، أزيح جسدي قليلًا لأفسح لهم الطريق.
ولأول مرة أراه عن قربٍ هكذا؛ خطواته تهزّ السلم بثبات، صوته قريبٌ حتى شعرتُ أنّه يخاطبني لا العجوز وحدها.
مرّ بجواري وهو يحمل الأكياس بخفة، يشيع حوله هيبة وطمأنينة اجتمعتا معًا بطريقة غريبة.
لمّا مرّ بمحاذاتي، تجرّأت عيناي -على خجلٍ شديد- أن تسرق لحظةً للنظر.
كان وجهه مغمورًا بهدوءٍ يبعث الطمأنينة، كأنّ السكينة قد اختارت ملامحه وطنًا لها.
لحيته البنية، المرتبة بعناية، أضافت عليه وقارًا يُجبر القلب على الاحترام قبل الإعجاب.
وبشرته الصافية، المضيئة بنقاءٍ فطري.
لكن أكثر ما شدّني... ذلك الغضّ الحييّ في عينيه، لم يتجاوزني بطرف، بل أسرع يغضّ بصره كأنّه اعتاد أن يحرس قلبه قبل أن يحرس نظره.
في كل حركة، في طريقة حمله للأكياس عن العجوز، في صوته الخافت وهو يُحدّث العجوز، كنتُ ألمح لطفًا لا يحتاج إلى تصنّع، قوّةً ممزوجة برحمة...
وتمنّيت -للمرة الأولى- أن يطول الممرّ الضيّق بيننا.
أما عن قلبي، فكان يطرق كأنه يريد أن يسبق خطاه.
ولكني تساءلت:
- "لماذا سالم دائمًا يظهر أمام أبي بالقوة، لكن عندما يغيب أبي يغيب فعله؟ ... بينما هذا المؤذن لا ينتظر ليراه أحد ليُساعد غيره ويفيض لطفًا؟"
عدتُ إلى البيت بعد أن وضعت الدواء على الطاولة، جلستُ للحظة كأنني أريد أن ألتقط أنفاسي... لكن أنفاسي لم تهدأ.
لم يزل المشهد يلاحقني: ذلك الهدوء المطمئن في صوته، ونظرته الحيية التي لم تلامسني لكنها لامست قلبي.
كم كان الممر ضيقًا، ومع ذلك شعرتُ أنه وسّع الدنيا كلها.
- «حليمة!»
انتفضتُ بصوت أبي الذي قطع تيار أفكاري.
دخلتُ عليه أحمل الدواء بكوب الماء، فوجدته جالسًا متكئًا على الأريكة، ابتسامةُ رضا لا تزال عالقة على وجهه، وهو يقول:
- «بارك الله في سالم، ما شاء الله عليه... شابّ قويّ، يعرف كيف يُسند أهل بيته. ليت ياسين يكبُر ليكون مثله.»
تجمدتُ للحظة... كلمات أبي غرست شيئًا في صدري لا أستطيع وصفه؛ خليطًا من غصّةٍ وخوف.
لم أعلّق، ابتسمتُ له ابتسامةً واهنة، وأنا أُخفي اضطرابي.
ففي ذاكرتي لم يكن سالم ولا قوته، بل صورةٌ أخرى ما زالت حاضرة بقوة...
أخذ الدواء مني يبتلعه مع الماء.
أشحتُ بوجهي، أُخبّئ ارتباكي في ترتيب الأكياس.
ولم أملك إلّا استحضار صورته... المؤذن.
كيف أزاح الأكياس عن يد العجوز بلهفةٍ كأنها أمّه، وكيف غَضَّ بصره عني بحياءٍ كأنه اعتاد أن يحرس عينيه من الزلل.
هل يُعقل أن لحظة قصيرة كهذه تترك أثرًا أعمق من موقفٍ كامل أمام أبي؟
لماذا ظلّ صوته القريب يرنّ في أذني، وهيئته الواثقة لا تفارق بصري، بينما كلمات أبي عن سالم لم تتجاوز مسامعي؟
أدركتُ في داخلي أنّ أبي ربما يرى في سالم سندًا...
أما أنا، فقلبي كان يهمس لي بشيء آخر:
أن السند الحقيقي قد يمرّ هادئًا، لا يستعرض قوته أمام أحد، لكنه يترك في الروح أثرًا لا يُمحى.
-----
وجدتُ نفسي ممزقة بين عالمين:
عالمٌ يفرضه أبي... وآخر يطرق قلبي دون استئذان.
♡أزهار عبدالله♡