"لم يصمد القناع طويلاً"

"لم يصمد القناع طويلاً"

18 0

。⁠◕⁠‿⁠◕⁠。⁩

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عند منتصف السلم وقفتُ متسمّرة ، أستعيد في داخلي صورةً لم أرغب أن تفلت من ذاكرتي.

ذلك الهدوء المشرق على ملامحه، النظرة الحييّة التي لم تجرؤ عيناي أن تثبت أمامه طويلًا، وكيف غمرني شعورٌ غريب وأنا أتنحّى للجدار ليعبر..

صوت أبي اخترق شرودي فجأة:

- «حليمة... ألا زلتِ واقفة؟! أسرعي يا ابنتي.»

انتفضتُ كمن أُمسكتْ متلبسة، أسرعتُ أنزل خلفه. كان يتحرك بخطوات بطيئة، لكن صوته ظلّ يعلو في السلم بحكايات عن السوق والناس...

أما أنا، فكلما خطوتُ، لم أسمع إلا صدى صوتٍ آخر... ذاك الذي لم يزل يطرق قلبي.

- «هيا يا حليمة، تعالي بجانبي... أحتاج أن نشتري الخبز قبل أن يزدحم المخبز.» قال أبي مبتسمًا.

ذهبت مع أبي واشترينا بعض المشتريات قابلنا سالم في طريقنا لم أكن أريد الوقوف لولا أبي الذي أخذ يُسلم عليه بحرارة وكأنه لم يره منذ زمن..

عندما ذهب سالم بعدما سأل ابي لو يحتاج مُساعده، ظل ابي يتحدث عن حُسن خلقه وجمال تربيته..

كنت مُجبرة على سماع اشياء يتصنع بها سالم امام ابي.. لذا لم استطع النطق..

وما إن عُدنا إلى البيت... حتى جاءنا الطارق

---

في المساء، طرقت الباب أم سالم. امرأة حازمة الملامح، دخلت وجلست بثقة، لتتحدث عن تفاصيل "الخطبة".

- "نحن أُناس واضحين وجئنا بالفعل لطلب ابنتك في الحلال. سالم جاهز وكل شيء ميسر، وأتمنى أن نستمع لخبر يفرحنا في القريب العاجل، ورجاءً لا تتأخروا علينا، نريد سماع رد في خلال اسبوع لنبداء في الخطوات التالية"

بدت أمي راضية تخبرها أن الرد سيصلهم في أقرب وقت ، بينما جلستُ صامتة كأني غريبة وسط بيتي، كل كلمة كانت كالسهم في صدري، وكل نظرة تزداد بها حيرتي.

---

وما إن غادرت أم سالم، حتى وقفت عند نافذتي، ابحث عن هواء يعيدني إلى نفسي. وإذا بي أرى :

المؤذن في الطريق المقابل، يمشي بهدوء ويُمسك بيده كيس اسود صغير به متطلبات منزله ..

كان المشهد بسيطًا... ولكنه كان الأقرب إلى قلبي من بين كل التصنعات، لم استطع أن امنع نفسي من المقارنة:

بينما سالم الذي يراه الجميع "مناسبًا"...

أرى المؤذن هو الاقرب إلى روحي والأنسب لقلبي.

---

عدت إلى غرفتي، وأمامي على المكتب صورة لسالم تركتها امي منذ ايامٍ قِلال..

أمسكت الورقة بيد مرتجفة، وانا احاول أن أنكر تلك النظرة الساخرة التي برزت من عين سالم للمؤذن نظرة استهزاء وحقد واستعلاء.. لربما كنت اتوهم..

لربما حقاً لم يرى سالم العجوز ولم ينتبه لِما تحملُه في يدها وكل تلك مجرد أوهام اتوهمها فقط لأجد سبباً للرفض..

لرُبما هو حقاً مُناسب كما يقول الجميع ..

أسدلت ستارة نافذتي... لكن قلبي بقي مفتوحًا على أسئلة لا تنتهي.

---

في تلك الليلة، لم أستطع النوم. ظللتُ أُقلب غطائي بين يديّ، أسمع وقع خطوات أبي في الصالة، ثم صوت حفيف الباب يُغلق. كان يجلس وحده في الهدوء، يسبّح بأصابعه. جمعتُ شجاعتي، وخرجت إليه بخطواتٍ مترددة.

رفع بصره إليّ مبتسمًا:

- "أما زلتِ مستيقظة يا حليمة؟"

جلستُ إلى جواره، مترددة في الكلام. حاولتُ أن أبدو هادئة، لكن ارتباكي فضحني.

قلتُ بصوتٍ خافت:

- "أبي... هل حقاً انت جاد مع سالم وتراه مناسباً؟"

وضع يده على كتفي، وقال برِفق:

- "ابنتي، أنا لا أفرض شيئًا عليكِ... لكنّي أب مسؤول عنك، ولا أريد أن أضيّعك. سالم جاء البيت من بابه، وطلبك بالحلال، وهذا وحده يجعلني أنظر إليه بعين التقدير."

أطرقتُ برأسي، والدمع يثقل عيني.

- "لكنّي يا أبي... لا أجد قلبي مطمئنًا نحوه."

تنهد أبي بعمق، ثم قال:

- "يا حليمة، الزواج ليس كلّه قلب. القلب جزء، لكن هناك عِشرة، وهناك دين، وهناك مسؤولية. اليوم يُعجبك مظهره... غدًا ستحتاجين من يساندك وقت الضيق، من يكون سندًا لا عبئًا."

رفعتُ عيني إليه، وقد اختنق صوتي:

- "وهل يُجبر القلب يا أبي؟ أيمكن للعين أن لا ترفض مظهراً لا يمس المسلمين؟"

ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:

- "أنا لا أجبر قلبك، ولا أريد لكِ شقاءً. لكنّي أخاف أن تنخدعي بالصورة، الشكل ليس كل شيء. سالم أمامي شاب له عمل، وله مستقبل، ويُظهر الاحترام وإن كان كذلك فما المانع للرفض؟"

أطرقتُ، وصوت المؤذّن يرنّ في داخلي رغم صمتي.

تمتمتُ ادافع عن مشاعري:

- " لكن قلبي لا يثق في كلمات سالم أبدا، وأشعر بإستحالة توافقنا."

ظلّ أبي صامتًا لحظة طويلة، يرمقني بنظرة عميقة. ثم قال بنبرةٍ تحمل الحزم والرحمة معًا:

- "إذن صلّي يا ابنتي... واسألي الله أن يختار لك الخير، فليس لي إلا أن أدعو لك. فإن كان سالم نصيبك سييسّره الله، وإن لم يكن فسيبعده عنك. أما أنا... فلن أجبرك على من لا تريدينه."

اندفعتُ أبكي بين يديه، وأبي يربت على كتفي بهدوء، وهو يردد:

- "القلب بيد الله يا حليمة... فارفعي الأمر إليه، ودعيه يختار لك."

حملت رجلي وتوجهت لصلاة الاستخارة وايقنت أن اي شيء سيحدث بعدها هو خير لا محالة، فالخير دائما في اختيار الله.

---

لم تكن الليلة سهلة على حليمة. جلست في صدر الغرفة، تتأمل خيوط الضوء المتسربة من نافذتها كأنها تبحث فيها عن جواب. كان قلبها مضطربًا، وكلمات أبيها لا تزال عالقة في ذهنها...

وبينما كانت حليمة لا تزال معلّقة بين ما تراه في المؤذن وما يُعرض عليها من سالم، جاءت الصدمة التي لم تكن تتوقعها.

خرجت من بيتها لتأخذ بعض الهواء بعد غروب الشمس ولتشتري لأخيها الصغير الحلوى وبعض الطلبات، فرأت سالم واقفًا عند زاوية الطريق يتحدث مع أحد أصدقائه دون أن يُلاحظها.

كانت تظنه ذلك الشاب الوقور الذي رأته في بيتهم، وأن كل الخطب بها وأنه حقاً مُناسب كما يقول الجميع، فإذا بصوته يرتفع ساخرًا:

- "هل ترى هذا المتدين؟"

وأشار إلى المؤذن الخارج من المسجد.

"هل يظن أن لحيته تلك ستدخله الجنة؟!"

ضحك صديقه بصوت عالٍ..

ثم أضاف سالم مستهزئًا:

- "أمثال هؤلاء متخلفين... يظنون أننا نعيش بالعصر الحجري..ويقتلوا متعة الحياة "

قال صديقة مستغرباً:

"إذاً لماذا طلبت يد فتاة متدينة وليست كأي متدينة، بل ترتدي النقاب!!"

قال سالم :

"أمي تريد مني الزواج مِنها ،ثم إنه لِمَ لا ؟ فتاة لم يرها أحد وسأكون اول من يراها أليس هذا ممتعاً؟"

شهقات ضحك تصدر من سالم وإعجاب من صديقة بتفكيره

ثم أكمل سالم بملل:

"ولكن أمامهم يجب أن أتقمص دور الملتزم ، لتوافق علي! ."

ضحك صديقة قائلاً:

"وياليتك تعرف أتجاه القبلة حتى !! "

تجمدت خطواتي، قلبي يكاد يخرج من صدري.

إذن... لم يكن وهماً ولا خيالًا في رأسي، فقد سمِعتُه بأُذني، وبدت حقيقته كالشمس لا غبار عليها.

كل ما رآه أبي وأمي من وقارٍ وصلاح... لم يكن سوى قناعٍ هشّ.

لم تكن مجرد نظرة استهزاء عابرة، بل كان حقدًا دفينًا على من يضع في أول أولوياته "الدين".

أيعقل أن يسخر من رجلٍ يتشبّه بالأنبياء؟!

أيُعقل أن يستهزئ بمن يُكثر من النوافل ويجتهد في طاعة ربّه؟!

أيُظنّ أن سخرية لسانه هي التي ستدخله الجنّة؟

يكفي لهذا المؤذن شرف التشبه بأفضل الخلق.

ترددت في قلبي آيةٌ من كتاب الله:

﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: 110]

وإن نزلت في الكافرين، إلا أنني شعرتُها تصفه بدقة... فما أشبه حاله بالمنافقين.

ثم خطرت ببالي آية أخرى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾.

آياتٌ تحذّرنا أن السخرية من المؤمنين خُلق الكافرين، ومن تشبّه بهم فهو أقرب إليهم.

أتسخر ممّن يرفعون راية الصلاة، وأنت لا تعرف حتى إلى أي اتجاه القبلة؟!

بأي فخرٍ تتباهى وأنت تهدم ركن الدين؟

ألم يقل رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»؟

إن كان ترك الصلاة كفرًا... فأي فخرٍ يعلوك؟ وأي جُرأة تحملها بين يديك؟

تركُها أعظم مِن أكبر الكبائر ، بل تركها كفر!!

عجباً.. اي فعلٍ فعلت ليكره الله لقائك!

كدت أن أصدق أنك الأنسب لي بسبب إصرار الجميع رغم رفض قلبي، ولله الحمد أن قلبي لم ينخدع بك منذ البداية..

لن ارضى بك زوجاً أبدا ولو أجبرني العالم بأسره..

أسرعت عائدة إلى غرفتي، أغلقت النافذة بعنف، وجلست على طرف السرير أتنفس بصعوبة.

سمعت صوت أمي يعلو من خارج غرفتي:

" ما بك لما ترطمين النافذة بقوة هكذا واين الطلبات التي طلبتها منكِ؟؟"

لم استطع النطق، نظرت على مكتبي نظرة عابرة وجدت ذات الصوره التي تركتها أمي.

لكن هذه المرة مزّقتُها دون تردد، وانا اهمس في نفسي:

- "ربي، لقد أريتني الحقيقة... والآن لن أختار إلا من ترضاه أنت."

وأسدل الليل الدامس ستاره على حليمة، لكن قلبها بدأ يستعد لمرحلة جديدة... مرحلة تعرف فيها أن الطريق لن يكون سهلًا، وأن الصراع الحقيقي قد بدأ.

---

مرّت الأيام التالية بطيئة، وسالم يتردد على بيتنا أكثر من مرة. أمام أبي، كان في غاية الاحترام، لا يتحدث إلا بما يُرضي الله، ويعرض خططه المستقبلية كأنه رجلٌ مسؤول.

لكن في كل مرة كنت أراه فيها بعيدًا عن أعين أبي، كان يسقط منه قناعٌ صغير:

فلا زال سالم يسخر من المؤذن حين مرّ بجواره قائلًا باستهزاء:

- «ماذا أيها الشيخ، ألن تتوقف عن الادّعاء أنك من الملائكة؟»

ولأن المؤذّن ذو خلق.. لم يرُد عليه ولم يلتفت اكتفى بتجاهله يُكمل طريقه ثابت الخطى، كأنّ شيئًا لم يُقال.

حينها وجدتُ قلبي يهمس بآيات الله:

﴿..وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾

نعم، لقد كان "سلامًا" بصمته وهيبته، لا بكلمةٍ منطوقة.

وفي أخرى اتذكره، بابتسامتة الصفراء حين تكلّم أبي عن الدين، كأنه يستهزئ بداخله.

كنت أجمع هذه الخيوط بصمت، وأشعر أنها تتراكم كحجارة على صدري. لكن لم يكن بوسعي أن أقول شيئًا دون دليلٍ يراه أبي بعينيه.

حتى جاء ذلك المساء... حين دخل سالم وأطلق جملةً جارحة عن المتدينين أمام أبي بالخطأ. كان ذلك أول شرخ حقيقي في صورته أمام والدي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من شباك غرفتي

المؤلف ♡أزهار عبدالله♡
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة