لم أنم كنتُ أعدُّ دقات قلبي على مخدّتي، أترقّب صوته كما يترقّب العطشان قطرة الماء.
"الـلَّـه أكبر ، الـلَّـه أكبر
الـلَّـه أكبر ، الـلَّـه أكبر
أشهد أن لا إلـه إلا الـلـه .."
لقد كان أذان الفجر .
انتفضتُ جالسة، وقلبي تتسارع دقاته...
مهلاً إنه هو!
لرُبما كنت أُبالغ في أنه كَرِه ملاقاة الأعيُن، أو بـأن تلك النظرة أثَّرَت به حتى!
لربما بالغتُ وكانت مجرد نظرة عابرة كأي نظرة عابرة دون تعمد!!
لرُبَّما أنشغل اليوم، لذا أذن الفجر فقط.
كم اشتقت لسماع صوته بعد غيابه طوال اليوم!
على أية حال، لك الحمد إلهي أنه لم يُفَوَّت نصيبه من الأذان اليوم،
أو سماعي لصوته العذب وهو يرتل الله أكبر، وحي على الصلاة!
ذهبت لأتوضئ، ولازال قلبي به ذات النغزة، ولأن الأمر مُهلك جداً فرشت سجادتي، وصليت سنَّة الفجر ، لم أشعر بمرور الوقت ابداً، ولكن كنت أردد في سجودي:
"بــيارب... هو عبدك، لا أعرف عنه حتى اسمه، لكنك تعلم خفاياه."
تذكرت صوته وهو يلاطف الأطفال في الحارة... وضحكات الأطفال تملاء المكان، قلبي ازداد خفقانًا.
"ربي، قلبي دق له.. لا من أول نظرة، بل بعد مراتٍ متفرقة من نافذتي.. ذاك الصوت الذي أسرني..
اطلب عفوك مِن إطلاق بصري ولو من بعيد، أنت أعلم أني لم أسعَ ابداً لفتنته ولا لِلفت انتباهه، بل كنتُ أخفيه في دعائي، كأنه سرّ بيني وبينك."
وكأن هيأته تتسلل إلى ذاكرتي...
ارتسمت ملامحه بين دموعي، فبكيت بحرقة وأكملت دعائي:
"ربي، إني أحببته وكفى به سكنًا لقلبي، اللهم إن كان فيه خير لي فاجعله نصيبي، وإن لم يكن، فاربط على قلبي وارزقني خيرًا منه..."
أتُراها مجرد أمنية؟
أم أن القدر يخبئ لي شيئًا لا أعلمه؟
سلَّمتُ مِن الصلاة إذ ووجدت أنه تبقَّا على الشروق بضع دقائق، لا أعرف أَأُسْرِعَ الوقت أم تساهيتُ عنه؟
صليت الفجر ورددت دعواتي المعتادة، منذ عامٍ ونِصف، ولازال لساني يَذكُرُه دائما رغم جهلي بأسمه.
لم يسمعني أحدٌ مِن أهل الأرض وانا أتكلم عنه يوماً؛ ولكن الله سَمع أحاديثي الدائمة عنه أثناء سجودي.
---
مرَّ اليوم وانا كعادتي.. أتجنب أن أمشي بذات الشارع الذي دائما ما يمشي به، أو حتى بأن أمرَّ أمام المسجد الذي يؤذن به.
كنت أحياناً أُسجل صوته خفية وهو يُرتل حي على الصلاة، حي على الفلاح!
كم صوته عذب..
وكم خُلُقِه أعذب.
لازلتُ أتذكر عندما علا صوتُ أحدِهم عليه، كيف خفَض صوته محاولاً تهدئته وإرضائه ،
عندما التفَّ حوله الأطفال لِحُبهم له، وهو يلاعبهم كأنه واحد منهم.
لازلت أتذكر عدم تكبره على الصغير أو الكبير.. الأقل منه في عمله أو ماله، فهو يتخلَّق بخُلق الرسول ﷺ،
أتذكره وهو يساعد عجوزًا يتكئ على عصاه...
حين انحنى ليمسح على قطة صغيرة جائعة.
حتى مع المخلوقات الضعيفة، كان قلبه أحن من أن يُهملها.
عندما ابتسم لعابس،
وأضحَكْ حَزِين..
لطالما شاهدته وهو يُساعد ويُسعِد، كل ذلك فقط من شُباك غُرفتي!
ولطالما اقتحم صوتُه أُذُنِي وهو يرتل
"الـلَّـه أكبر ، الـلَّـه أكبر"
ولرُبَما لم تكن نيَّتُه أقتحام قلبي.
----
في إحدى الأمسيات، طرقت الجارة "أم سالم" بابنا وهي تحمل طبقًا من الكعك. أستقبلتها بإبتسامة..
جلسنا في الصالون.
وبين رنّة الملاعق ورشفة الشاي،
قالت بصوتٍ مرتفع:
"صدقاً يا أم حليمة، ابني سالم شاب طيب وحسن الخلق... فلِمَ لا نقرّب المسافات؟"
كدتُ أختنق بالشاي مِن أثر كلماتها!
رفعتُ بصري مرتبكة، بينما أمي تبتسم بخفة.
تابعت الجارة بثقة وكأن الأمر محسوم:
«سالم يعمل في شركة محترمة، وراتبه يكفي بيتًا صغيرًا...
وأرى أنّ ابنتكِ ستكون له خير زوجة.»
ارتبكتُ، فقلتُ بتلعثم:
«لكن يا خالتي.. أنا.. لا أفكّر في الزواج حاليًا.»
ابتسمت بدهاء:
«فكّري حبيبتي. الزواج رزق... وسالم شاب محترم تتمناه أي فتاة.»
أحسستُ بوجنتيّ تشتعلان، ليس خجلاً بل أرتباكاً ، كيف أرفض بلطف ؟
خرجت الجارة أخيرًا ، بعدما حاصرتني بنظراتها ونظرات أمي.
قالت أختي بعد أن أغلقتُ الباب، وهي تضحك:
" يبدو أنّكِ مطلوبة في السوق!"
رميتها بالوسادة بخفه .
بعد خروج الجارة، ظللتُ جالسةً في مكاني متجمدة، بينما أمي واختي تضحكان، وتزيدانني حرجًا.
قلتُ بحدة مصطنعة:
"وهل يُعقل أن أتزوج سالم؟! لا أشعر أن دروبنا تسير في اتجاه واحد."
ابتسمت أمي أردفت مازحة:
"نعم رُبما تُفضّلين أحدًا... صوته رزين، وجهه هادئ... ويقف على المنبر!"
تسارعت نبضاتي حتى كدت أسمعها، فصرختُ:
"أمّي! توقفي لا اعرف عن ماذا تتكلمين.. !"
ضحكت أكثر، وقالت:
"يا حليمة... انا فقط أمزح. ولكنّكي تتوترين سريعاً، وهذا وحده يُشعرني أن كلامي ليس مجرد مُزاح !."
هززت رأسي نافية، وحملت الطبق الفارغ لأخبئ ارتباكي في المطبخ.
دخل أخي الصغير الذي لم يتجاوز الثانيةَ عشرة من عمره، يقول وهو يضحك:
«سمعتُ كل شيء... سالم عريس ممتاز، وأنا موافق!»
«ومنذ متى لك رأي في زواجي؟!»
حدّقت فيه بغضب.
ردّ بمكر:
«منذ أن عرفتُ أن قلبك يرفرف وقت الأذان!
..لكن نصيحتي سالم أفضل»
شهقتُ: «توقّف!»
اقترب مني وهمس متصنّعًا:
"أعترفي فأنا رأيتك... تبتسمين وقت الأذان.. وتتسللين خلف النافذة !"
همست بداخلي : "أحقاً الأمر بذلك الوضوح؟؟"
أردتُ رميه بالطبق لولا وجود أمي
ضحكت أمي بصوت عالٍ:
«دعوا أختكم وشأنها، يكفي مُزاحًا.»
هربتُ بسرعة إلى غرفتي، بينما صوت الضحكات يطاردني.
وفي داخلي صدى لا يهدأ :
"حتى لو كان سالم شابًا طيبًا... فأنا لا أريده.
رُبما أمي مُحِقّة... انا حقًا أتمنى ذلك الملتحي زوجًا لي.
صوته... خُلقه... كل شيء فيه يشدّني.
يكفي ذلك الصوت الذي يهز كياني... وأنا حتى أجهل اسمه! "
🌷" بينما يتسلل سالم إلى حياتها برسمية،
يا تُرى هل كُتب لها المؤذن أم أنه سيبقى حُلمًا عالقًا خلف شُباك غُرفتها..؟"
ومع كل ذلك...
إلى أي فريق سينحاز القدر؟
برأيك #فريق_سالم أم #فريق_المؤذن؟
♡أزهار عبدالله♡