كانت الأيام تمضي متثاقلة، وسالم يتردّد بين الحين والآخر إلى بيتنا، يجلس مع أبي طويلًا، ويتحدثان عن العمل والمستقبل. كان يبدو أمام الجميع شابًّا هادئًا، يُحسن اختيار كلماته، ويُظهر من اللطف ما يكفي ليكسب ودّ الحاضرين.
غير أنّ قلبي، في كلّ لقاء، كان يلتقط تفاصيل صغيرة تُطفئ بريقه داخلي... ضحكة فيها سخرية حين يُذكر الدين، أو نظرة ضيق يرمق بها المؤذّن عند مروره للمسجد.
كنتُ أُحاول أن أبرّر لنفسي: "لعلّي أتوهّم... لعلّي أظلمه.. لعلي أساءت فهمه." لكن مشهده مع صديقه كان كافياً ليزيل كل التبريرات ..
حتى جاء ذلك المساء.
كنتُ أرتّب المطبخ بعدما قدّمت الشاي، بينما أصواتهم تصلني واضحة من الصالون. كان أبي يتحدث بفرحٍ عن رجلٍ من الجيران يعلّم أبناءه القرآن ويُحفظهم إيّاه رغم صغر أعمارهم.
ضحك سالم ضحكةً قصيرة، ثم قال على غفلة:
- "يا عمي، هؤلاء المتديّنون يجعلون الحياة ثقيلة... لماذا طفل بـعمر الخمس سنوات يَحفظ القرآن.. يصعبون الحياة حتى على الأطفال."
تجمّدت يداي فوق المائدة، كأنّ الأرض سُحبت من تحت قدمي.
يصعبون الحياة ؟؟ وهل للحياةِ مَشقة إلا على تارك القرآن؟
هل حِفظ كلِمات الخالق أصبحت تصعيب حياة؟
ولكن حفظ كلمات الاغاني أمر مُسلّي ويُنمي العقل؟
معظم اطفال اليوم -إلا من رحم ربي- إن سألتهم في اي أغنية سيتلونها عليك حرفاً حرفاً...
ولكن نأتي إلى كلِمات الرحمن ولا يعرفون بها سوى سورة الإخلاص إن وجد حتى..
كأنهم ولدوا لغايةٍ غير عبادة خالقهم!
قال تعالى :
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56]
لأمثالك يا سالم أُنزلت سورة المنافقون..
لأعداء الدين والمسلمين.. حقاً أتُسمي نفسك مسلم؟
كيف وانت لا تُسلِم لِخالقك وتُسلِّم حياتك له؟
الحمدلله الذي أذل لِسانك أمام أبي ليرى حقيقتك..
ويُمحى عنك قناعِك..
رأيتُ في عين أبي صدمةً عابرة، كأنّه لم يصدق ما سمع.
بعدما أدرك سالم ما قاله التفت بسرعة، محاولًا إصلاح كلِماته، لكن صوته بدا مرتبكًا:
- "أقصد... ليسوا جميعًا بالطبع! هناك أناس طيّبون... لكن... أعني... بعضهم فقط يتشددون..."
كلماته تهاوت في الهواء بلا معنى، وبدا تصنّعه أوضح من أن يُخفى.
ظلّ أبي صامتًا ينظر إليه مطوّلًا، نظرةً لم أفهمها، لكنني شعرت أنّها ثقيلة.
أما أنا... فقد أيقنت في تلك اللحظة، يقينًا لا يتزعزع، أنّ قلبي لم يُخطئ يومًا. سالم... ليس لي، ولن يكون.
---
كانت الليلة أثقل من أن تُحتمَل.
جلس أبي في الصالون بعدما ودّع سالم، وقد تغيّر وجهه، وكأن ظلالًا سوداء حلّت مكان ملامحه الهادئة. جلس طويلًا صامتًا، يعبث بمسبحته بين يديه، وعيناه شارِدتان لا تستقرّان في مكان.
ترددتُ قليلًا عند باب الصالون، ثم تقدّمتُ بخطوات خافتة.
- "أبي..."
رفع رأسه ببطء، وحاول أن يرسم ابتسامة، لكن التعب كان واضحًا في عينيه.
قال بصوتٍ مبحوح:
- "تفضّلي يا حليمة... اجلسي."
جلستُ قربه، وأنا أراقب يديه المرتجفتين قليلًا وهو يقبض على المسبحة. قلتُ بخفوت:
- "أبي... لقد سٓمعتُ ما قالهُ سالم."
تنفّس أبي بعمق وأسند ظهره إلى المقعد، كأنما أزاح عن صدره حملًا ثقيلاً، ثم قال بمزيجٍ من الأسى واليقين:
- « أوصانا الرسول ﷺ في أمر الزواج بـأن نرضى في الرجل بدينه وخلقه، وأنا والله لا أرضى لكِ دينًا يُشوبه ما يُشوبه، ولا خُلقًا يلوّثه الغيبة والاستهزاء بالمتدينين.
كنتُ أظنّه شابًا صالحًا، حسبتُ أنني وجدتُ لكِ رجلًا يحميك ويصونك... فإذا بالحقائق تكشف عن قلبٍ غير ما ادّعى.
الحمد لله الذي أرانا حقيقته قبل أن نمضي، فسبحان من لا تخفى عليه خافية.»
خفض رأسه وكأنه يلوم نفسه أنه لم ينتبه من قبل..
اقتربتُ منه أكثر، وقلت:
- "لا تلُم نفسك يا أبي. نحن لا نرى القلوب، ولكن الله أظهره لنا. ووالله... قلبي لم يرتَح له منذ البداية."
أطرق أبي رأسه لحظة، ثم نظر إليّ نظرةً غلبها الحنان:
- "كنتُ أريدكِ في كنف رجلٍ يذكّرك بالله، لا أن يجرّك بعيدًا عنه. وها أنتِ تُثبتين لي أن قلبكِ أنقى من أن يُخدع بسهولة."
ابتسمتُ بخجل، ووضعتُ يدي على يده أقبّلها:
- "يكفيني أن ترضى عني يا أبي. والله يعلم أنني لن أختار إلا ما يُرضيه أولًا، ثم يُرضيك."
أغمض عينيه قليلًا، ثم قال بهدوء:
- "لا تقلقي، يا ابنتي... الرزق بيد الله، والنصيب لا يُخطئ صاحبه. دعينا نترك الأمر بين يديه، وهو سيختار لكِ الخير."
في تلك اللحظة شعرتُ بسكينةٍ تنساب في قلبي، كأنّ الله بعث إليّ رسالةً مطمئنة: أن سالم ما كان إلا ابتلاءً قصيرًا، ليُظهر لي الطريق بوضوح أكبر...
سلّمتُ الدواء إلى أبي، فابتسم شاكرًا، ثم أطرق رأسه طويلًا كأنّه يراجع نفسه.
أما أنا... فكنت أستعيد كل ما مرّ في هذا اليوم: ابتسامة سالم المصطنعة، وطمأنينة الكلمات التي رددها أبي في أذني.
رفعتُ بصري إلى نافذة غرفتي، فإذا صدى الأذان ينساب من المسجد القريب... صوت مألوف لكنه هذه المرّة كان أعمق وقعًا في قلبي.
كأنّ الله يذكّرني أن السند الحقيقي لا يُقاس بالعضلات ولا بالكلام، بل بالصدق الذي يفيض من القلب.
في يومي التالي، كنتُ عائدة مِن السوق مع أمي حين دوّى صُراخ طفل في الحارة.
التفتُّ فإذا بطفل صغير يركض وراء كرة تدحرجت إلى منتصف الطريق، والسيارة تقترب بسرعة!
تجمدت قدماي في مكاني، وارتفع صياح الناس من حولي، لحظة لا تكفي لالتقاط أنفاسنا...
وفجأة، اندفع هو!
ذلك الملتحي... المؤذن.
ركض بخطوات ثابتة، وذراعه تمتد في اللحظة الأخيرة ليحمل الطفل قبل أن تلامسه السيارة.
ارتفع غبار الطريق، وتجمّع الناس حوله، والطفل بين يديه يرتجف باكيًا، بينما صوته يربّت عليه مطمئنًا:
"لا تخف يا صغير ، لقد مرّ بفضل الله... فلتحذر في المره القادمه."
أحسستُ دموعي تسيل دون إرادة، كأن قلبي انفجر بدقات متلاحقة، خصوصاً بعد هذا المشهد.. بعدما كاد أن يُضحي بحياته لأجل طفل لا يعرفه..
لم يكن الأمر شجاعة فقط... كان نورًا يلفّه، طمأنينة تُغشي المكان.
نظرتُ إليه... وجهه هادئ رغم الخطر، صوته ما زال رخيمًا، يحمل ذات الرجفة التي تهز كياني في الأذان.
كان يُحاول الحفاظ على ثباته لكي لا يبكي الطفل ولا يتزعزع بخوف..
في تلك اللحظة أيقنت... أنّ قلبي لم يخطئ حين اختاره من بين كل الناس.
مرت الأيام بعدما أخبر والدي أهل سالم بالرفض..
واخيرا انتهيت من هذا الشاب الذي اقتحم حياتي فجأة، ولرُبما كان ينوي أقتحامها للأبد .
لله الحمد أن قناعة لم يصمد طويلاً قبل أن يُخطئ أبي ويزوجني لشخصٍ لا أتمناه لألد أعدائي، ما أدراني كيف سيكون بعد الزواج، شاباً سيء الخلق مع ربه كيف سيُحسن الخلق مع زوجته؟؟
وأعجب أكثر من بعض العائلات التي ترضى بعريسٍ لا يُصلي!
بل ويدّعّون أنه حسِن الخلق..
"لا يُصلي ولكنه حسِن الخلق"
الحقيقة أنه يكفيه سوء خُلقه مع ربه!
إن كان قد أساء خُلقه مع خالقه!!
فكيف بالمخلوقات؟
عافانا الله وإياكم
لازلت بذات الحال مُنذ أول يوم نُقلت فيه إلى هذا الحيّ، ما بين :
" الله أكبر ..وحي على الصلاة"
كان البيت يعجّ بالحركة منذ الصباح؛ أمي تجهّز الغرفة الصغيرة بجوار غرفتي، وتُفرش الأغطية النظيفة، وهي تقول:
- "غداً ستأتي ابنة خالتك هناء، ستجلس عندنا لأسبوع أو أكثر إلى أن يعود أهلها من العمره."
ابتسمتُ بِفَرح، ابنة خالتي لم ارها منذ زمن، أخر مره كانت قبل أن انتقل لهذا الحي اي قبل عامٍ ونصف.
وصلت هناء بعد العصر، بشعرٍ يطلّ من تحت حجاب قصير، وبنطال جينز أزرق ضيّق، وحقيبة ملوّنة على كتفها. ورائحة عطر تفوح منها بغزارة، عانقتني بحرارة وهي تقول بمرحها المعتاد:
- "اشتقت لك يا حليمة! وأخيرًا سأجلس عندكم من دون رقيب."
ابتسمت ابادلها الحضن.
ضحكت أمي وهي تدخل الحقيبة إلى الغرفة:
- "الله يستر من رقيبك يا ابنة أختي."
في الليل، جلسنا معًا في غرفتي قبل العشاء. هناء تثرثر عن صديقاتها وعن مواقع التواصل، بينما أنا أستمع لها كان نصف قلبي الآخر يركّز على النافذة الصغيرة التي تطلّ على المسجد.
وفجأة، رفع المؤذن صوته بأذان العشاء.
دقات قلبي تتسارع، بينما لاحظت هناء ابتسامتي وتسارُع نبضاتي..
نظرت لي بإستغراب قائلة : "ما بكِ أأنت بخير؟"
حاولتُ اخفاء ابتسامتي والإنكار، ولكن من ذا الذي سيُنكر أمام هناء ؟
اقتربت هناء مني تضع هاتفها جانباً تنظر لي بحماس قائلة:
"انا اعلم ذلك الوجه جيداً، لن تستطيعي الإنكار..
(صمتت لثواني تنظر بخبث تكمل)
أنتِ واقعه في الحب أليس كذلك؟؟"
همستُ بداخلي :
"بالفعل لن أستطيع الإنكار أمامك يا هناء ولكني سأحاول.."
قلت أخفي ملامح الخجل: «لا لست كذلك»
ــ"حقاً؟؟ ولكني رأيت ابتسامة على وجهك واحمرار خدودك فجأة " قالتها هناء بابتسامة تحاول أن تُخرج مني الأعتراف..
« لعلكِ تتوهمين فقط»
ابتسمت هناء تخبرني:
"حقاً اتظنين أن هذا سينطلي عليّ، حبيبتي حليمة؛ كلامك هذا سيصدقة الجميع إلا انا... رغم أنكِ بالفعل لستِ مُقنعه بتاتاً "
ضحكت هناء، ثم استسلمتُ قائلة :
«حسناً حسنا ، انا حقاً معجبة بأحدهم..»
احمرت خدودي خجلاً خصوصاً أنها مرتي الأولى التي أفصح فيها لأحد عن تلك المشاعر التي خبأتها وجعلتها سرٌ بيني وبين خالقي.
انتفضت هناء بمرح ترفع يدها انتصاراً قائلة:
"نعم كنت أعرف، أخبرتك أنه يستحيل أن تخفي علي شيئاً"
أكملت هناء وهي تخفض يدها تنظر لي
" هيا أريني صورته، من يكون هذا الشاب الذي اوقعكِ في حبه، فهذه المره الأولى التي اراكِ فيها هكذا.."
ابتسمت أنظر للنافذة أخبرها :
«بعد الإقامة والصلاة أنتظري لأريكي إياه»
ابتسمت تقترب من خلفي تنظر للنافذة:
"إذن هو يُصلي في هذا المسجد ..اممم"
ابتسمتُ بخجل أدفعها بخفه ثم أكملت هناء بالتصفح على هاتفها بينما ذهبت انا لأتوضى واصلي العشاء..
بعدما انتهيت وانتهى المصلين وبدأوا بمغادرة المسجد كنت أنا وهناء ننظر من النافذة لأريها من سرق مني قلبي..
هناء تشاور بمرح : "هذا الشاب، أليس كذلك!"
قلت ابتسم : «لا ليس هو»
قالت هناء وهي لازالت تبحث بعينيها: "إذن هذا !!"
صمتُّ قليلاً ثم ضحكت..
قالت هناء : " إذن هذا الذي يُمسك بيد أخيه الصغير! "
قلتُ لها وانا اضحك :« هذا ليس أخيه هذا ابنه يا مجنونه! »
ضحكت هناء ثم قالت :
"إذن من يكون؟ لقد أثرتِ فضولي عن هذا الذي أخذ منكِ قلبك لأول مره في حياتك بأكملها."
قلت لها مبتسمه : «انتظري سيخرج بعد شيخ المسجد فهو يخرج أخر واحد بينهم.»
قالت هناء :
" ألهذه الدرجة تراقبينه.. والله لستِ بهيّنه يا ابنة خالتي "
ضحكنا حتى خرج أخيراً بذات الملامح الهادئة على وجهه قلت لها مسرعه بابتسامة خجل :
«هذا هو يا هناء.. هذا هو مَن سرق قلبي بلا استئذان »
صمتت لثواني تتفقد ملامحه من الطابق الثالث وكان صمتُها غريباً، لم يكن من عادتِها الصمت، نظرتُ لها بعدما غاب ظلّ المؤذن
ابتسم قائلة: « هل ارتحتِ صغيرتي، لقد رأيته..»
لم أرى على وجهها أية ملامح فكانت أقرب للإنزعاج..
لم افهم سبب تلك الملامح وأخشى من ألف فكره اقتحمتني حينما رأيت ملامحها ، ياتُرى أتعرفه من قبل، أسيكون كـسالم يرتدي القناع، ام أني فقط أُبالغ والأمر مختلف تماماً...
♡أزهار عبدالله♡