هدوئها المُفاجِئ لم يُريحُني..
قلت لها بقلق وبصوتٍ مهتز:
«ما بك يا هناء؟ هل...هل تعرفينه؟»
عقدة حواجبها انعقدت وملامح غريبه احتلتها قائلة:
ـــ " حليمة.. هذا الشاب مُلتحي!! "
ابتسمتُ مُتناسية كل شيء :
«نعم، وهذا أفضل ما فيه»
هناء توقفت لحظة، ثم قالت بقلق واضح:
- "ولكن كل الملتحين مُخيفون، الإعلام كل يوم يُخرج قصص عنهم... كـمشاكل وتشدد! "
التفتُّ إليها بحزن مما يُريهم الإعلام، واقتربتُ منها أقول مُسرعه أنفي كلامُها:
- «لا يا هناء، ليس الجميع مثلما تشاهدين في التلفاز... الكثير منهم - بل الصادقين مِنهم فقط - مَن سلَّم نفسه لله بصدق دون تصنُّع! يكونُ قلبه أصفى بكثير من اي شخص قد تقابليه في حياتك.»
هناء بإستغراب: "لماذا تُدافعين عنهم هكذا؟ حليمة ..حتى في المسلسلات، دائماً ما يكون وجههم عابس وغاضبين وأخلاقهم سيئة."
سكتُّ لحظة، ثم قادتني قدماي إلى النافذة مرة أخرى، كأنها تدفعني :
- «هذا الملتحي من انقى ما قد تجدين في حياتك، لم أره يوماً - منذ أن انتقلت إلى هذا الحي - عابس ابداً، بل كان الناس هم من يعبسون في وجهه وكان وجهه دائماً ما يكون مُبتسماً أمام الغريب قبل القريب.»
جاءت هناء بجانبي، وبصوتي المتردّد الذي يحمل شيئًا من الرجاء قلت:
- « لا تصدقي كل ما يقوله المسلسلات والإعلام،
يريدون تشويه سمعة الملتزمين وإبعاد الناس عن الدين - إلا من رحم ربي- والحقيقة أنكِ لن تُشاهدي أنقى مِنهم في حياتك يا هناء»
أشرتُ إلى المؤذن الذي كان خارجاً مِن منزله بيده أكل للقطط يضعها بالجانب كما أعتاد أن يفعل..
نظرت هناء:
- "ولكن! هذه اللحية تغطي وجهه بالكامل! في ماذا يعجبك؟"
لم أستطع أن أخفي احمرار وجهي، فابتسمت بخجل وأنا أقول:
- "كيف أخبرك... في كل مرة أسمع صوته في الأذان... أشعر قلبي يرتاح بطريقة غريبة."
هناء (ترفع حاجبها بدهشة):
- "أتمزحين يا حليمة؟ لا استطيع تصديقك! "
قلتُ بهدوء لم أتوقعه من نفسي:
- «الإعلام لا يُظهر غير الوجه الذي يريد إظهاره يا هناء. لكن الحقيقة أحيانًا تكون مختلفة... لرُبما أراد الله أن يجعل قلوبنا ترى ما لا يراه الناس.»
هناء ظلّت صامتة لدقائق، ثم قالت بِمكرها المعتاد وهي تحاول أن تغيّر الموضوع:
- "حقاً... حليمة، ألهذا السبب كنتِ طوال اليوم عند النافذة؟"
ارتبكتُ أغلق الستائر بسرعة، وأدرت ظهري لها مُتناسيه ما تحدثنا فيه لدقائق:
- «لا تُكبري الموضوع..كل ما في الأمر أن قلبي يهوى الوقوف عند النافذة.»
ابتسمت بخبث: "يهوى الوقوف عند النافذة؟ أم يهوى رؤية المؤذن!"
ضحكت هناء بصوت عالٍ بعدما رميتُها بالوسادة وهي ترتمي على السرير:
- "حسناً حسناً، لن أخبر أحد... ولكن يبدو أنك واقعة حقاً في الحب." تغمز لي
جلست على الكرسي بهدوء، أما هناء لم يبدو كلامي أقنعها مئة بالمئة، بل يبدو أن جزءاً منها لا يُصدق سوى التلفاز والمسلسلات..
---
مرت الأيام وانا وابنة خالتي نتبادل الضحكات والمرح سوياً
وفي إحدى الأيام أثبتت لي هناء أن كلامي لم يزل دون فائدة وأنه أثّر بها قليلاً..
كانت الساعة قد تجاوزت مُنتصف الليل، والبيت يغطّ في سكونٍ عميق إلا من همساتنا نحن الاثنتين. جلست هناء على السرير تمدّ ساقيها وقد أسندت رأسها إلى الوسادة، بينما بقيتُ أنا قرب النافذة، عيناي متعلقتان بذلك المكان الذي ما زال ضوء المسجد يضيئه.
قالت هناء وهي تُراقبني بمكرها المعهود:
-"استظلين هكذا ، تنتظرين حبيب القلب"
رميت عليها وسادة كانت بجانبي ضحكت هناء ثم قالت بعد دقائق تنظر لي بتنهيدة:
- "والله يا حليمة، لولا أنكِ أيضاً مُنتقبة...و ابنة خالتي وأعرفكِ جيداً، لظننتُك من هؤلاء الذين يتحدث عنهم الإعلام ليل نهار. صدقيني... أحيانًا أشعر أن النقاب وسيلة للتخفّي، حتى لا يُعرف وجه من يرتكبون الجرائم."
أحسستُ بحرارة كلِمتها تخترقني، لكني لم أنفعل، بل التفتُّ إليها بهدوء، وجلست بجوارها. وضعت يدي على يدها وقلت بصوتٍ خافت لكنه مفعم باليقين:
- «وهذا بالضبط ما أردت أن أفهمك إيّاه يا هناء. ليس كل ما يُقال حقيقة. أنا أمامك... عشتُ معكم طفولتي، تعرفينني كما أعرفك. هل ترين في ما يقولون؟ هل أنا حقًا مُخادعة متخفّية؟»
سكتت هناء لحظة، ارتبكت عيناها، ثم همست:
- "لا طبعًا... لكنهم يرددون هذا الكلام في القنوات وكأنه ليس لديهم حديثاً غيره."
ابتسمتُ ابتسامة حزينة وقلت:
- «ألم يخطر ببالك أن هذه الصورة أرادوا ترسيخها؟ الإعلام والمسلسلات يستطيعون أن يحوّلوا الأبيض أسودًا والأسود أبيضًا متى شاءوا. لكن قلوبنا هي التي تُميّز الحقيقة، ومع ذلك يا هناء المظهر ليس مقياس للحكم ابداً.»
أكملت:
- «أنظري لنا، أنا وعائلتي أكبر مثال. أبي... ملتحٍ منذ صباه. لم يترك صلاة ولا فريضة، ومع ذلك قلبه من أرقّ القلوب، ولسانه لا يعرف إلا قول الخير. لو جلستِ معه ساعة لرأيتِ الحياء في عينيه قبل أن تسمعيه في كلماته.
ولكن رجلاً أخر لا يفقه في الدين شيئاً وجهه عابس لم تُقابله الأخلاق يوماً ولا يعرف كيف يُصلي حتى.. يُطلق اللحية فقط، هذا لا يعني أنه يمس الملتزمين بِصله، لأن إطلاقها بمفردها لا تكفي..بل أخلاقه وأسلوب حياته هم من يحددون ذلك، رغم أني أُجزم أنه لا يوجد ملتحٍ بتلك الصفات إلا من أراد بِهم سوء وتصنع أنه مِنهم لتشويه صورتِهم فقط..
أو حتى سيدة ارتدت النقاب فقط لتفعل ما يحلو لها دون أن يعرفها أحد ولا تفقه في الدين كَلِمه، هؤلاء الأشخاص نسبتهم لا تتعدى الأثنان بالمئة، وإن تعدّت فصدقيني هم لا يمثلوننا ابداً..
وهؤلاء هم المنافقون.. الذين يتظاهرون أنهم مِنا،
مَن يتظاهر بالإيمان وهو حاقد وكاره للمؤمن، مَن هو غرضه الفتنه بين الناس وحسب...
(صمتُ لثواني لألتقط انفاسي)
ولكن يا هناء عيشي مع المتدينين الحقيقين الذين يعرفون دينهم وقلوبهم وحياتهم كلها لله.. وانظري إلى هدوء حياتهم وطيبة قلوبهم وستعلمين جيداً عن ما أتحدث»
تسمرت هناء في مكانها، كأن كلماتي أيقظت شيئًا غافيًا في قلبها. نظرت إليّ بدهشة وقالت:
- " انتي تقصدين أن نسبة الذين نراهم من خلال الإعلام قليلة جداً، وأن أهل الدين الحقيقين دوناً عن من يتصنّع هم حقاً أهل الأخلاق؟"
أجبتُها وأنا أضم كفي إلى صدري:
- «تمامًا. فمن عرف الله حق المعرفه بأي وجه يُخالف رسوله الذي كان يُكثر التبسم والتي أجرها كأجر صدقة..
لِمَ سيظل عابسًا - كما تشاهدون في المسلسلات - ويفرّط بتلك الحسنات؟
أتّبّع الرسول في إطلاق اللحيه أسيُخالفه في التبسم؟
فاللحية يا هناء هي تَشبُّه بأفضل الخلق.. الرسول ﷺ،
ألا يكفي لِـكل ملتحٍ شرف التشبه بأفضل الخلق.
والنقاب زيادة سُتر وعفه وحياء وتَشبُّه بِـزوجات الرسول ﷺ، ألا يكفيهم ذلك الشرف وكل تلك الحسنات؟
ولكن أعلمي يا هناء أن قيمة النقاب واللحية لا تظهر إلا إذا كان القلب سليماً وممتلئًا بالإيمان.
كـأبي، لحيتُه ما زادته إلا نورًا ووقارًا، وحياءه يسبق خُطاه. لم أرى منه يومًا إلا الرحمة، حتى مع من أساؤوا إليه، فقط لأن ما بِـباطنه ظهر عليه.»
ساد الصمت لثوانٍ، ثم انفرجت شفتا هناء بتنهيدة طويلة:
- "غريب... الإعلام جعلني أصدّق أن كل ملتحٍ متشدد، وكل مُنتقبة متخفيّة! لكن كلامكِ... لا أدري لماذا دخل قلبي قبل عقلي."
وضعتُ رأسي على كتفها، وهمستُ قائلة:
- "لأن القلب هو الذي يُميّز الصدق من المزيف يا هناء. ولأن الحقيقة لا يطمسها التشويه مهما علت الأصوات."
ثم رفعت بصري إلى النافذة، فرأيت المسجد وقد أُطفئت أنواره إلا من مصباح خافت على بابه. كان المكان ساكنًا، لكن داخلي لم يكن ساكنًا... كان قلبي يلهج بتمني أن يكون هو ذاك الزوج المكتوب من نصيبي.
احتضنتني هناء قائلة :
"شكرا لك يا حليمة لقد أنرتِ بصيرتي ، من اليوم لن أصدق كل ما أراه في المسلسلات والتلفاز."
ابتسمت لها ابادلها الحضن، ثم ذهبت الغرفه المجاورة لتنام.
في الصباح وجدت امي تتكلم في الهاتف وهي تقف امامي أنا وهناء ونحن نفطر قائلة:
"الحمدلله على سلامتكم يا أُختي، هي ستكون عندكم خلال ساعتين لا تقلقي"
نظرت لنا امي بعدما أقفلت الخط قائلة:
"حبيبتي هناء تجهزي امك واباك عادوا من العمره"
ابتسمت هناء بحزن لم تكن تريد وداعي وانا أيضاً فقد استمتعت معها كثيراً، وذكّرتني بما كدت أن انسى، لرُبما أرسلها الله لي لتُذكّرني..
تُذكرني بأن هذا الذي أحبُّه قلبي ليس بِمُزيف، بل حقيقي..
ليس بِمُتصنع ولا بِـمُنافق ..
فهو لا ينتظر من أحدٍ أن يراه وهو يفعل الخير..
دائما ما يُضحي بنفسه لأجل غيره.. بينما غالبية الناس هم من يردّو الخير بالإساءه ، خصوصاً حقدهم على من يلتزم بأوامر الله - إلا من رحم ربي - وهذا اجمل ما به، أنه مهما عامله الناس، سيظل المصلح في الأرض إن أفسدوا.
لأنه لا يتخذ بمبدأ عامل الناس كما يعاملوك..
بل يتخلَّق بخُلق الرسول ﷺ ويعامل الناس بالحسنى حتى وإن أساؤوا..
أتساءل عن هؤلاء الحاقدين..
كيف يكنّون الكره والحقد لأشخاص يتشبهون بالرسول ﷺ ... بأفضل الخلق؟!
نسأل الله الثبات والعافية
---
مرت الأيام حتى أتى أحبُّ الشهور لقلبي، شهر القرآن والصيام!
لطالما كُنت أحب سماع صوته في التراويح وهو يُرتل القرآن!
ففي كل ليلة أتسلل إلى النافذة فقط لأسمع ترتيله الذي يلامس روحي قبل أُذُنِي.
لا أحد يعلم أن نافذتي وحدها تشهد على دموعي وأنا أصغي إليه.
حتى قالت لي أختي ذات يوم وكأنها لأول مره تُلاحظني:
«يا تُرى ما حكايتك مع تلك النافذة ؟ طوال الوقت تقفين هناك!»
قلت : "اتأمل الشارع."
اختي (بمزاح): «طوال حياتي لم أرَ أحدًا يتأمل الشارع وهو يبتسم!»
قلت (أُخفي ابتسامتي): "ليس صحيحًا، لرُبما تتوهمين."
لم أتعمد الكذب هكذا نطق لِساني دون وعي حين شعر أنه سيُفضح..
دائما ما تأخذني قدمي خلف الستائر لأستمع لجمال آيات الله بأحبُّ الأصوات إلى قلبي، ومع ذلك، ظل في داخلي صوت خافت يهمس:
هل لنا نصيب.. هل كل هذا مجرد حُلم يتمناه قلبي، أم أنه سيُصبح حقيقة ذات يوم..
كنتُ امشي بخطوات هادئة أحمل كيسًا صغيرًا مِن الخضار، والشمس تُلامس أطراف الطريق. الهواء خفيف، والهدوء يعُم المكان إلا تلك الاصوات البعيدة للأطفال يلعبون في صباح رمضان.
> فجأة توقفت أمام بائعة ورد على الرصيف؛ مدّدتُ يدي ألمس وردة بيضاء،
وكأني أسرق لحظة جمال صغيرة في وسط زحمة الحياة.
صاحبة الورد سيدة عجوزة تقول بابتسامة:
"وردة جميلة مثلكِ تماماً، أتريديها؟"
قلت بخجل: "لا شكراً... أنا فقط أشتري طلبات المنزل."
العجوز: "وإن كان، لِما لا تأخذيها ستخفف عليكِ مشقات الحياة كلما نظرتِ إليها في غرفتك."
قلت (ألوّح بيدي): "جزاكِ الله خيراً ، لا شكراً."
وفي اللحظة التي رفعتُ فيها عيني عن الوردة، لمحته.
كان واقفًا بالجهة المقابلة، خرج للتو من المسجد بعد صلاة العصر، عيناه وقعتا علي بلا عمد، وكأن الزمن توقّف.
السيدة العجوز (تضحك تلاحظ ارتباكي):
"لعلك مشغولة بشيء أهم من الورد."
قلت (مرتبكه، احاول الهروب): "عن أذنك."
سرت بسرعة وانا أحاول تدارك أنفاسي، وكيس الخضار يتأرجح بين يدي.
فتحت باب البيت بخفة، وضعت الكيس على الطاولة، خلعت نقابي ثم جلست على الكرسي وكأن رحلة طويلة أنهكتني.
ابتسمت بلا وعي، ثم أسرعت أغطي ابتسامتي بيدي حتى لا تراها أختي.
أختي (تطل من الغرفة بدهشة): "ما الذي يُسعدكِ هكذا؟ أيُعقل أن كيس الطماطم مَن رسمت تلك الابتسامة!"
قلت (وانا أحاول التهرب): "لقد قالت لي عجوز كلمة لطيفة."
اختي (تغمز مازحة):
"حقاً؟ العجوز من جعلت خدودك تحتويها اللون الأحمر؟"
قلت (مرتبكه، أمسك حقيبتي كأنها درع):
" سأدخل غرفتي."
أغلقتُ الباب خلفي.
مرت ثوانٍ حتى قالت امي بصوت مرتفع لأسمعها:
"حليمه ، لم تشتري الأرز ، ما الذي شغل بالك لتتساهي عنه هكذا؟"
اختي (تضحك وهي تلمح): "لرُبما الطماطم، فقد أخذت عقلها تماماً."
امي:
"نعم صحيح الطماطم، يالي من بلهاء، كيف لم أفكر أن الطماطم تُفقد العقل، ابنتي انتي عبقرية كيف لم أُلاحظ."
دفعتها امي بخفة
ثم أكملت قائلة بصوتٍ غاضب :
"اللهم إني صائمة ، هيا إلى غُرفتك ، ينقصني أن أجن بسببكِ الآن. "
مع مرور الأيام وفي العشر الأواخر مِن رمضان حيث التهجد والتراويح،
فرضت عليَّ أمي وإخوتي وأصدقائي أن أذهب لذات المسجد، فالجميع يُحب صوته ودائمًا ما يكون مُزدحمًا دونًا عن باقي المساجد، خصوصًا في صلاة التراويح والتهجد.
رفضت في البداية، ولكني لم أجد تبريرًا أبرّره لهم للرفض، لذا اضطررت للذهاب. وكانت أول مرة منذ عامٍ ونصف أصلي معه في حياتي!!
والمرة الثانية التي ادخل فيها المسجد.
قلبي تتسارع دقاته كلما اقتربت من ذلك المسجد. أتذكر تلك النظرة..
كم أنها احزنت قلبي وقتها لأني لم أكن بِنقابي وكم أنها تركت لي أثرًا كبيرًا في قلبي.
صعدنا لمُصلى السيدات، وإذ به مُمتلئ،
والجميع يتحدث عن سعيدة الحظ التي ستتزوجه!
لم أفهم، أَهُم يمدحونه أم أنَّه أعلن زواجه؟؟
كلمة واحدة تسللت إلى أذني وسط الهمسات... كلمة قلبت كياني: " العريس"
♡أزهار عبدالله♡