كان صباح اليوم التالي بارداً بنسيمٍ مبلولٍ برائحة الندى والطحلب. امتطى الأمير ويليام جواده الأشقر وقد ارتدى ثياب الصيد الجلدية التي تلائم جسده الفارع. كانت سترته من جلدٍ بنّي قاتم، تلتصق بخصره بحزامٍ فضيّ عريض، وتعلو كتفيه طبقة من الجلد المدبوغ بلون الكستناء الداكن، يقيه البرد ورذاذ الصباح. أما حذاؤه العالي فكان من جلدٍ متين، مرنٍ في حركته، تُصدر خطاه على التراب الرطب صوتاً خافتاً كهمسٍ متكرر. وعلى كتفه استقر قوسٌ منحوت بعنايةٍ ملكية، يلمع على حافته نقوشٌ فضية باهتة، وفي جعبته سهامٌ رشيقة برؤوسٍ من الفولاذ المصقول.
كان إلى جانبه الأمير فيليب، يرتدي معطفاً أخضر زيتياً وقبعةٍ من فرو الثعالب، يتحدث بخفةٍ وروحٍ صافية. رافقهم البارون أدريان كالفوس بدعوة من الامير، فكان رجلًا في الثلاثين من عمره، وسيمًا بطريقته الهادئة، شعره البنيّ مربوطٌ بخيطٍ جلديٍّ أسود، وصوته يحمل نغمةً من التهذيب المختلط بالتحفّظ.
انطلقت المجموعة في الغابة، يتبعهم عددٌ من الخدم والصيادين، وكلٌّ يحمل عتاده على كتفه. كانت الخيول تخترق الممرات الترابية بين أشجار البلوط والصنوبر، تتطاير الأوراق اليابسة تحت سنابكها كأنها شررٌ ذهبيّ في ضوء الصباح.
— "أراهنك يا ويليام أنني سأصيب أول غزالٍ نراه،" قال فيليب مبتسمًا وهو يشدّ قوسه بنشوة التحدّي.
— "أوه، وهل نسيتَ يا فيليب ما حدث في المرة الماضية؟ لقد أفزعتَ نصف الغابة بصيحتك حين أخطأت الهدف!"
ضحك ويليام وهو يطلق نظرة جانبية نحو صديقه.
— "ذلك الغزال كان خبيثًا! انحرف في آخر لحظة!"
ضحك البارون كالفوس بخفوت، وقال بلطف:
— "لو سمح لي سموّكما، فالرهان ينبغي أن يكون على من يبقى صامتًا أكثر أثناء الصيد، لا على من يصيب أولاً."
أجابه ويليام وهو يبتسم بمكر:
— "هاه! هذا يعني أنّك تراهن ضدّ الأمير فيليب."
— "بل أراهن مع الصيد ذاته، فهو يختار من يريده أن يقترب منه."
ارتفعت ضحكاتهم بين الأشجار، لتختلط بصوت خرير الماء القادم من بعيد. تابعوا طريقهم حتى وصلوا إلى بحيرةٍ واسعةٍ تحيط بها الصفصافات، انعكس عليها الضوء الفضيّ كمرآةٍ تهتزّ كلّما مرّت نسمة. كانت أسراب الأوزّ تعوم بهدوء في منتصفها، تُصدر أصواتًا متقطعة كأنها تحادث نفسها.
قال فيليب وهو يترجل عن جواده:
— "بحيرة جميلة."
— "سننصب كميننا هنا، الريح مواتية."
أشار البارون كالفوس إلى الجهة الشرقية، بينما بدأ الصيادون يجهزون الأقواس والشباك.
غير أنّ ويليام، ما إن وقع بصره على صفحة الماء، حتى شعر بوخزةٍ غريبة في صدره. خُيّل إليه أنه رأى تلك الصورة من قبل. بحيرة أخرى، بعيدة، تحيط بها أشجار الزيزفون... وصوت أنثويّ رخيم يقول له: "خلف الغابة، ثمة بحيرة لا يزورها أحد، أجد فيها راحتي حين يضيق عليّ القصر."
توقف في مكانه، عيناه معلقتان بالماء اللامع، والريح تمرّ بخصلات شعره كأنها تنفض غبار الذكرى.
ناداه فيليب وهو يضع يده على كتفه.
— "ويليام؟"
انتبه الأمير، رمش مرتين، كمن أفاق من حلمٍ قصير:
— "لا شيء... ظننت أنني رأيت مكانًا يشبه هذا من قبل."
— "لا عجب، الطبيعة في كل مكان تسرق القلوب نفسها."
ابتسم ويليام بخفة، لكنه في داخله لم يبتسم.
لقد تركت البحيرة في نفسه شيئًا لم يعرف له اسمًا. مزيج من الحنين والدهشة، كأنه سمع صدى صوتها يناديه عبر المسافة.
ثم فجأة، صرخ أحد الخدم:
— "هناك! عند الضفة الشرقية!"
انطلقت مجموعة من الأوزّ في الهواء دفعةً واحدة، فرفع ويليام قوسه بسرعة وأطلق سهماً اخترق الريح واصطدم بالماء، فارتفع الرذاذ كنجمةٍ من الفضة.
صاح فيليب بفرح، وارتفعت الهتافات. عاد الأمير إلى صمته بعدها، يراقب السماء التي امتلأت بالطيور، والريح تهمس في أذنه كأنها تعيد ما نسيه منذ زمن بعيد.
في تلك الأثناء، كانت الملكة صوفيا في جناحها الخاص داخل قصر سكالفيا، تجلس أمام مكتبتها الخشبية العريقة، وأمامها تقارير يومية وأوراقٌ كثيرة تنتظر توقيعها. كانت ضوء المصباح الذهبيّ ينعكس على سطح الطاولة المصقول، حين طرق أحد الحُجّاب الباب بخفة.
— "مولاتي، رسالة عاجلة وصلت من مملكة صولاريا، تحمل ختم الملكة ميريدا ستراس."
رفعت صوفيا رأسها ببطء، وبنظرةٍ متزنةٍ تشير له بالتقدّم. أخذت الرسالة، لاحظت الختم الملكي الممهور بالشمع الأحمر، فابتسمت بخفة، وقالت بصوتٍ منخفض:
— "من ميريدا نفسها إذًا… لم أستلم منها رسالة منذ آخر مجلسٍ بيننا."
فتحت الغلاف بعناية، ونشرت الورقة على الطاولة أمامها. ما إن وقعت عيناها على السطور الأولى حتى بدا في ملامحها اهتمامٌ حقيقيّ، ولكن من دون مفاجأة.
"إلى جلالة الملكة صوفيا، سيدة سكالفيا... أكتب إليك اليوم لأشاركك أمرًا جللًا..."
تابعت القراءة بهدوءٍ واهتمامٍ متزايد، عيناها تتنقلان بين الأسطر بخبرة من اعتادت قراءة المراسلات الملكية التي تحمل أكثر مما تقول. كانت تعرف معنى هذه الرسالة: اقتراح رسميّ لتعجيل خطوبة الأمير ويليام من الأميرة ألكساندرا، خطوة طال انتظارها، لكنها الآن تأتي في توقيتٍ بالغ الحساسية.
وضعت الورقة على الطاولة ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، ثم قالت لنفسها:
— "الملكة ميريدا تريد أن تُقرّب الموعد... حسنًا، يبدو أنها استعجلت الأمور قبل أي سابق انذار."
ظلت صامتة للحظات، تنظر نحو النافذة العالية التي ينساب منها ضوء الغروب، ثم تابعت بصوتٍ منخفضٍ مفعمٍ بالتفكير:
— "الأمر منطقي... فالعلاقات بين المملكتين لم تكن أكثر استقرارًا من الآن، والرباط بين ويليام وألكساندرا سيكون التتويج الطبيعي لهذا الهدوء."
نهضت من مكانها بخفةٍ ملكيّة، وتقدمت نحو الخزانة، حيث وضعت الرسالة على الطاولة الجانبية، ثم قالت لوصيفتها الواقفة قرب الباب:
— "أخبري الحاجب أنني سألتقي الملك بعد قليل، وأريد أن يُستدعى الأمير ويليام أيضًا. أريد أن أسمع رأيه بنفسه."
ثم نظرت نحو الستائر المتراقصة، والابتسامة تعود إلى وجهها بهدوء:
— "لقد كبرت يا ويليام... والآن حان الوقت لتبدأ حياتك كما يليق بوريث العرش."
رفعت الرسالة من جديد، نظرت إلى ختمها بتفكير، كأنها ترى فيه ظلّ وجه ميريدا البعيد، وقالت بصوتٍ خافتٍ مطمئن:
— "ليكن إذًا... سنرى كيف يمكن أن نُقيم هذا الرباط كما يليق بالملكتين."
غادرت الملكة صوفيا جناحها بخطواتٍ رصينة، والمصابيح تشتعل واحدًا تلو الآخر على طول الممر الرخاميّ الذي يقود إلى قاعة العرش الصغيرة في الجناح الملكي. كانت تفكر في الطريقة الأنسب لطرح الموضوع على الملك، فهي تعلم أن توقيت الخطوبة مفاجئ، لكنه في الوقت نفسه خطوة لا يمكن تجاهلها.
حين دخلت القاعة، وجدت الملك ريشارد يجلس أمام الخريطة الكبيرة التي تغطي الجدار، يتفحّص حدود سكالفيا الجنوبية بعينٍ حذرة. رفع رأسه حال دخولها، ورسم ابتسامة خفيفة:
— "صوفيا، تبدين منشغلة الفكر، هل من أمر جديد؟"
تقدمت نحوه بهدوء، وأشارت للحاجب بأن يتركهما. جلست مقابلة له، ثم وضعت الرسالة الملكية على الطاولة بينهما، وقالت بصوتٍ منخفضٍ يحمل نغمة الجِدّ:
— "رسالة من الملكة ميريدا ستراس، وصلت قبل قليل من صولاريا. أرى أنّ علينا مناقشتها حالًا."
رفع ريشارد حاجبيه بدهشة طفيفة، ثم أخذ الرسالة بيده وبدأ بقراءتها بعناية. ظلّ صامتًا لدقائق، حتى انتهى من آخر سطرٍ فيها، ثم قال ببطء:
— "تعجيل الخطوبة؟ هكذا فجأة؟"
أومأت الملكة، وبدت في ملامحها مزيج من الحذر والتفكير:
— "نعم، يبدو أن سمو الملكة ميريدا ترغب بتثبيت التحالف قبل الشتاء القادم، ربما خشية أن تتقلّب الظروف. من الحكمة أن نناقش الموعد المقترح معها، لكن… يجب أن نخبر ويليام أولًا."
ضحك الملك ضحكة قصيرة خافتة وقال وهو يسند ذقنه على يده:
— "ويليام… سيُصدم بلا شك. لم يكد يعود من رحلته حتى يجد نفسه على أبواب الخطوبة الرسمية."
ابتسمت صوفيا بخفة:
— "هو يعلم منذ فترة أن هذا الزواج كان مقررًا، لكن لم يتوقّع أن يكون قريبًا لهذه الدرجة."
ثم التفتت إلى الحاجب الواقف قرب الباب وأمرت: — "استدعوا الأمير ويليام حالًا."
كان ويليام ما يزال في ساحة القصر الخلفية، عائما من رحلة الصيد الطويلة التي أنهكته. كان يحمل قوسه على كتفه، وثيابه الجلدية الملوّنة تفوح منها رائحة الغابة والرمل و الطين. حين اقترب منه أحد الخدم وهمس له بأمر الاستدعاء الملكي، عقد حاجبيه بقلقٍ مفاجئ وقال:
— "الآن؟ في هذا الوقت؟"
— "أجل، مولاي، أوامر جلالة الملكة."
تنهد الأمير وأومأ برأسه، ثم سلّم قوسه إلى أحد الصيادين وقال بصوتٍ منخفض:
— "أخبر فيليب أنني سألتحق به لاحقًا."
غادر المكان بخطواتٍ متثاقلة، لم يتوقع أن ينتظره أمر جاد في هذا اليوم الهادئ.
حين دخل القاعة، وقف أمام والديه بانحناءة احترام، ثم قال:
— "استدعيتُما لي، جلالتَي؟"
بادله الملك نظرةً متفحّصة، بينما قالت الملكة صوفيا بنبرة دافئة تخفي وراءها ثقل القرار:
— "نعم، ويليام. وصلتنا اليوم رسالة من الملكة ستراس... بخصوصك."
ارتسمت على وجهه علامة تساؤل، ثم قال متوجسًا: — "بخصوصي؟ هل الأمر يتعلق بالتحالف؟"
مدّت الملكة الرسالة نحوه:
— "اقرأها بنفسك."
تناولها، وبدأ يقرأ الأسطر ببطء. ومع كل جملة، كان وجهه يتبدّل؛ الدهشة، ثم الذهول، ثم شيء من الارتباك الذي حاول إخفاءه.
حين انتهى، طوى الورقة بيده وقال بحدةٍ مكبوتة:
— "خطوبة؟ الآن؟ بهذه السرعة؟"
ردّ الملك بهدوءٍ مهيب:
— "هكذا اقتضت المراسلات الدبلوماسية، يا بني. الأمر في صالح المملكة، وسيُعلن على العلن قريبًا."
تنفّس ويليام بعمقٍ، ثم قال بنبرةٍ فيها توتر:
— "لكن، مولاي... أليست الخطوبة أمرًا يخصّني أيضًا؟ على الأقل كنتُ أُستشار بشأن الموعد، أو... أو يُمهلوني قليلًا."
وضعت الملكة يدها بلطف على يده:
— "ويليام، أنت تعرف أن هذا الزواج كان مُقرّرًا منذ البداية. الملكة ميريدا لم تفعل سوى تقديم الموعد، لأن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة الآن. وأنت تعلم كم يعني هذا التحالف لكلا المملكتين."
ردّ سريعًا، وقد انخفض صوته لكنه لم يخفِ انزعاجه: — "أعلم ذلك... ولكن ألا يحقّ لي أن أستعد نفسيًا على الأقل؟ إنّني لم أكاد أتعرف إلى الأميرة بعد."
نظر إليه والده نظرة صارمة بعض الشيء:
— "أنت أمير سكالفيا، وليس مجرد شابٍ في مقتبل عمره. مسؤولياتك تتجاوز رغباتك الشخصية يا ويليام، والقرارات الملكية لا تنتظر استعداد القلوب."
ساد الصمت لبرهة، ثم نهض ويليام من مكانه وقال بنبرةٍ حاول أن يُخفي فيها اضطرابه:
— "أفهم يا مولاي... سأفعل ما هو واجب، كما دوماً."
نظرت إليه أمه بعينٍ مليئة بالعطف وقالت:
— "نحن لا نطلب منك سوى أن تمنح هذه العلاقة فرصة حقيقية، ويليام. الأميرة ألكساندرا ليست غريبة، بل تربّت على قيمٍ تشبه قيمك، وستجد فيها ما يليق بك."
لم يُجب، فقط انحنى باحترام وغادر القاعة بخطواتٍ ثابتة تخفي ما يعتمل في صدره من اضطراب.
دخل جناحه، أغلق الباب خلفه، واتكأ على الحائط. كان قلبه مثقلًا، وعقله مشوشًا. ألقى قفازيه على الطاولة، ثم نزع معطف الصيد الجلدي ورماه على الكرسي القريب.
جلس قرب النافذة، حيث كان ضوء القمر يتسلل من بين الستائر الحريرية، ينعكس على ملامحه المتعبة.
راح يتأمل السماء، وترددت في ذهنه صورة الأميرة ألكساندرا، في تلك اللحظة التي كانت فيها عيناها تتجنبان النظر إليه، وصوتها الخافت حين ودّعها في ذلك اللقاء القصير.
ابتسم بمرارة، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
— "ألكساندرا... ربما لم يكن بيننا الكثير من الكلمات، لكن هناك شيء... شيء لا أستطيع إنكاره."
ظلّ صامتًا لحظة، ثم مدّ يده نحو النافذة، كأنه يلامس بخياله تلك المسافة البعيدة التي تفصل بين سكالفيا وصولاريا.
أغمض عينيه، واستند برأسه إلى الجدار وقال بخفوتٍ أشبه بالاعتراف:
— "ربما حان الوقت لأعرفها حقًا... لأمنح نفسي فرصة أيضًا."
في تلك الليلة، لم يغمض له جفن طويلًا، لكنّ شيئًا من السكينة خالط صدره، كأن الفكرة التي كانت تشعل فيه الغضب قبل ساعات، بدأت تتحول إلى فضولٍ غامض، وإحساسٍ هادئ بأن القدر يمضي بخطاه الخاصة، وأنه ربما -فقط ربما- لا يجدر به مقاومته هذه المرة.
kawthar1ink