كانت المكتبة تعانق الصمت كما لو أنها معبد مقدّس للمعرفة، تتدلى من سقفها ثريات خافتة تنثر نوراً ذهبياً يغمر رفوف الكتب العتيقة. على الجدران، تراصّت مجلدات ضخمة بجلود داكنة، تفوح منها رائحة الورق المعتّق، تختلط بعطر الخشب المصقول. بين الأرفف الطويلة، اصطفت تماثيل من زمن غابر، وأوانٍ وتحف كأنها أسرار تُحرس بعناية، وصناديق صغيرة وخزائن مغلقة لا يعرف أحد ما تخبّئه، أقفالها تلمع تحت الضوء وكأنها تتحدى الفضول البشري.
استمر الأمير ويليام في المضي قدماً، يسير بين هذا العالم المسحور بعينين يقظتين، يتأمل كل ركن كمن يتجوّل في أطلال أسطورة. غير أن عينيه توقفتا عند تمثال مهيب لرجل يحمل سيفاً مكسوراً، وعلى وجهه ندبة قاسية تثير الريبة. حدّق الأمير طويلاً في الملامح الجامدة، محتاراً ما الذي أتى بهذا التمثال المهيب ليقف هنا، بين كل هذه التحف الأخرى.
وبينما كان واقفاً، مستغرقاً في تأملاته، انشقت عتمة المكتبة عن حضور مألوف. ظهرت الملكة، أمّه، تتقدّم بخطوات هادئة، كأنها تنتمي إلى روح هذا المكان، ثم لوّحت بيدها أمام وجهه.
- " أرجو أنني لا أقاطع لحظات إعجابك بهذا التمثال يا ويليام."
قهقهت ضحكة خفيفة أرجعته من غيابه إلى الواقع، فابتسم في وجهها ورد باحترام:
- " جلالة الملكة، هل لي أن أعرف سبب هذه الدعوة المفاجئة؟"
استدارت الملكة نحو التمثال العريق، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها، ثم قالت بصوت هادئ يخفي شيئاً من الحنين:
- " ويليام، إننا وحدنا هنا... لا تنادني بجلالة الملكة، فأنا أفضل أن تناديني "أمي". هل تعرف من يكون هذا الرجل الأنيق خلف هذا التمثال؟"
اعتدل الأمير في وقفته، ونظراته لا تزال معلقة بملامح التمثال، ثم أجابها:
- " لا يا أمي... لم أره قط، ولا أعتقد أنني أعرفه. والندبة على وجهه تجعل التعرف عليه أكثر صعوبة، حتى لو كان معروفاً لدي."
ابتسمت المرأة الحسناء، ومدّت يدها نحو التمثال، راحت تتحسس أطرافه كما لو أنها تستدعي روحاً غابرة، ثم قالت بصوت ناعم، مليء بذكريات بعيدة:
- " هذا الرجل... اسمه فيناند كالهام. كان مقاتلاً صلباً لا يعرف معنى الخوف، رجلاً عاش عظيماً بين الرجال رغم أنه لم يكن ملكاً ولا أميراً ولا حاكماً. لم يملك تاجاً ولا سلطة، لكنه وُلد مقاتلاً، تربى في صفوف الجيش وخاض حروباً دامية. كان شهماً، قوي المروءة، كأنما صُنع من فولاذ."
توقفت قليلاً، ثم أضافت بصوت يقطر حزناً:
- " غير أن لكل قصة نقطة انهيار... وقع فيناند في حب شابة تصغره بخمسة عشر عاماً، فتاة يافعة رقيقة القلب تُدعى لورين. بادلته المشاعر ذاتها، فاغرما ببعضهما وقررا الزواج. لكن والدها رفض، رأى في فرق السن جداراً لا يمكن تجاوزه. حينها هربت الفتاة، ولم تخبر أحداً بمكانها."
ارتجف صدى كلماتها في أرجاء المكتبة، بينما عين الملكة ظلت معلقة بوجه التمثال الجامد، كأنها ترى فيه ملامح الماضي.
- " جنّ فيناند... هربت محبوبته ولم تخبره. بحث عنها في كل مكان، عبثاً. حتى طرق باب والدها، لعله يملك جواباً، لكن الرجل لم يزد سوى أن أهانه وقال: "ابنتي عاهرة هاربة". عندها... شعر فيناند بطعنة في أعماق قلبه، كأنها نُزفت بدماء الكرامة. رفع سيفه الذي ظل معلقاً على خصره زمناً طويلاً دون أن يلوثه بالدماء... ولكنه في ذلك اليوم أطلقه صاعقةً."
ساد صمت ثقيل، والملكة تواصل بصوت يختنق بالرهبة:
- " قتل عائلة لورين كلها... لم يترك صغيراً ولا كبيراً. شاع خبره في البلدة، وانتشر الرعب في الأرجاء. خرج بعدها كالمجنون، يقتل كل من يصادفه بلا تردد، وهو يردد بجنون على طرف شفتيه: "لورين... حبيبتي... أين أنتِ؟".
تثاقلت جدران المكتبة بالسكينة، وكأنها تحبس أنفاسها لسماع الحكاية التي راحت الملكة ترويها.
- "استسلمت البلاد آنذاك تحت وطأة رعب فيناند، لم يعد أحد يقوى على رفع السيف في وجهه. ارتجفت الأرض تحت وقع خطواته، حتى أن الأطفال كانوا يختبئون في أحضان أمهاتهم كلما ذُكر اسمه. لم يجد القوم حلاً سوى الاستنجاد بالسحرة.
جاء السحرة على عجل، بوجوه متجهمة وعيون لامعة كأنها تنذر بالموت نفسه. اجتمعوا في قلب الساحة حيث كان يقف ذلك الرجل اليائس، عابس الملامح، محاطاً بهالة من الدماء والجنون.
حضر أحدهم، قيل إنه أخطرهم وأكثرهم علماً بالسحر المظلم. كان يرتدي رداءً أسود كثيفاً ينسدل حتى الأرض، وفي يده عصاً داكنة تلمع أطرافها بلون جمريّ كأنها التهمت نيراناً قديمة.
اندفع فيناند نحوه كوحش جريح، قابضاً على سيفه الملطخ، يريد أن يغرز نصله في صدر الساحر. لكن الرجل لم يتحرك، بل اكتفى بأن يرفع عصاه بثبات نحو وجه المحارب.
لوّح بها ببطء، ثم فجّر تعويذة كأنها قنبلة من نور ونار، فشقت الهواء وأصابت وجه فيناند مباشرة، تاركة تلك الندبة الغائرة التي لم يمحها الزمن.
ارتبك المحارب للحظة، تشتت بصره، واضطرب قلبه. كان ذلك الشرخ في وجهه كنافذة إلى جرح داخلي أعظم. عندها، انقض السحرة الآخرون مع الجنود، كذئاب وجدت فريستها. اقتلعوا عينه المصابة بلا رحمة، سحقوا ملامحه، ثم قيدوه بالسلاسل الحديدية الباردة.
أُلقي في زنزانة رطبة مظلمة، لا نافذة فيها ولا شعاع، بلا طعام ولا شراب. تُرك ليموت وحيداً، يلتهمه العفن كما التهم الجرح وجهه.
وفي ذلك القبر الحجري، لم يتعفن جسده فحسب، بل قلبه كذلك. تحجّر من الحزن على فتاة تركته وهربت."
تنهدت الملكة لحظة ثم قالت:
- "لو أنه ذهب معها... ربما كان للحكاية مجرى آخر."
سكتت صوفيا، فحلّ الصمت بينهما وساد أرجاء المكتبة كلّها. ثم رفعت الملكة يدها، ووضعتها برفق على ندبة وجه التمثال، قبل أن تزيح نظرها عن "فيناند" وتوجّهه نحو ابنها ويليام الواقف أمامها.
- "رجلٌ عاش كريماً وزاهداً في الحياة، انحرف عن الطريق واختار فتاته عن كل كنوز الدنيا... فمات وحيداً. إنني مستغرب، لمَ لم أسمع بقصته من قبل؟"
ابتسمت الملكة ثم ردّت:
- "لأن العالم اختار أن يقضي على هذا الرجل العظيم وقصته، وأرادوا إخفاءها عن الجميع، حتى لا يتأثر أحد فيسلك مسلكه... أو ينتشر الرعب."
- "هذا ليس سبباً منطقياً كفيلاً بعزله في مكان كهذا. وزيادةً على ذلك، من هو هذا الساحر؟ هل هو سون شيراك؟!"
قهقهت صوفيا ثم أجابت:
- "لقد مات شيراك منذ عصور... لكنني أعتقد أنّه هو. لقد كان سون شيراك حليفاً لسكالفيا. كان أجدادك يرحبون به دائماً، ويعيرونه قسم السحر والمختبرات. وكان يردّ الجميل بتعليم الأطفال والشباب وحتى الجنود. بل وكان يقوم بسحرٍ كوميدي لإمتاع إحدى جدّاتك المريضة، وقد ماتت سعيدة بفضل شيراك."
ردّ ويليام بحيرة:
- "إذا كان شخصاً جيّداً، لماذا قضى على فيناند بهذه الوحشية وحفر وجهه؟"
أجابته صوفيا والابتسامة ما زالت على وجهها:
- "في كل خيرٍ شر، وفي كل شرٍّ خير. وهناك من هو شرير بالكامل أيضاً."
تكلّم ويليام:
- "هل وُجدت بعدها لورين؟"
أجابته أمه:
- "يُقال إنها هربت من البلاد، وفي حين هروبها التقت بعجوزٍ مسنّة عمياء. رحّبت بها العجوز، وبقيت لورين معها. وهناك من يقول إنها تزوّجت ابن العجوز العمياء ومضت في حياتها."
قال ويليام:
- "يا إلهي... حسناً، لكل شخصٍ قصة حب، سواء كانت تعيسة أم سعيدة. لكن لماذا استدعيتني يا أمّي؟"
اقتربت منه الملكة صوفيا، أمسكت بكفّيه وأجابته:
- "ربما قصة حبّك ستبدأ قريباً يا عزيزي."
أدار ويليام رأسه عن وجه أمه ثم تنهّد، وحين همّ بالردّ، أوقفته قائلة:
- "بني... انظر إلى نفسك. قبل سنوات كنتَ مجرد رضيع، ثم فتى، ثم شاباً نافعاً، حتى غدوتَ أميراً شهماً قويّ البدن والروح، سليم العقل وطيب القلب. لقد أصبحتَ كجدار عظيم... أمامك الآن أن أرفع رأسي لأستطيع النظر في عينيك، اللتين لا تريدان الحديث عن هذا الأمر...
الأميرة صعبة المراس، وأنت يا بني تحمل على كتفيك عبء الحرب وسلام البلاد. سايرها فقط، تحمّلها لفترة، ودع الأمر يمر. أغدق عليها بالهدايا، واجعلها ترضى بالزواج منك. ليس مهماً أن تُحبك، اكسب رضاها فقط... سيأتي الحب مع الوقت. بل إنه بين الملوك ليس مهماً بقدر أهمية الطفل، ذلك الذي سيكون الرابطة بين المملكتين وضمان التحالف.
أرجوك يا بني، لا تكن هكذا وتجعل أمك تتوسّل إليك."
نظر إليها ويليام، فعيناهما تلمعان بما يفيض حبّاً وحناناً. كانت أمه تحبّه، ولا تحبّذ أن تجبره على شيءٍ لا يريده، لكن هذا هو القدر... ولا أحد يجرؤ أن يقف في وجه القدر وأوامر الملك.
تنهد ويليام ثم قال:
- "إذاً ستكون كشريكة لليلة واحدة. أنت تعلمين يا أمي أنّني لم أجرب الأمر من قبل، ولا أهتم بالنساء. لستُ لعوباً لأحطّم قلب فتاة... وقلبي... وقلب طفل سيعيش بين أسرة مصلحة.
لكنني سأُنهي الحرب أولاً بنفسي. إن استلزم الأمر، سأحاول قدر الإمكان أن أقضي على أي شخص، مهما كان، يقف في طريق سلام وازدهار سكالفيا العريقة. أما الزواج من ألكساندرا فلا يزال قائماً... سأتزوجها، لكن أمر الطفل سيتم بعد انقضاء الحرب.
ماذا لو متُّ في المعركة؟ هل سيعيش ابني يتيماً؟"
ضغطت أمه على يده، ووضعت يدها الأخرى على فمه، وقالت بحزم:
- "صه يا ولدي! عجباً... كيف تقول هذا؟! لن يموت ابني في المعركة... سيعيش ليصبح ملك سكالفيا بعد والده، وسأشهد على ذلك!"
عندما كادت الملكة أن تحتضن ابنها، طرق الخادم بوابة القاعة طرقًا مفاجئًا هزّ السكون.
سار الأمير ويليام باتجاه البوابة ، والملكة بجانبه، ثم فتحها و قال بصوتٍ جهوري:
- "ماذا هناك؟ ما سبب هذا الدق المفاجئ؟"
انحنى الخادم بخشوع، وقد بدا الارتباك على محيّاه:
- "مولاي، اعذرني على مقاطعة وقتك الثمين، ولكن وصلني خبر عاجل من برج مدخل سكالفيا... إن موكب الأمير فيليب قد وصل، وسيلحق بالقصر بعد قليل."
اتسعت عينا الملكة صوفيا دهشة، ورفعت رأسها قائلة ببطء:
- "الأمير فيليب؟! لماذا يقطع كل هذه المسافة في هذا الوقت؟"
أجابها ويليام بنبرة هادئة، فيها شيء من الحزم:
- "لقد خططنا لرحلة صيد، جلالتك. اسمحي لي أن أنصرف لاستقباله."
ابتسمت الملكة ابتسامة خفيفة، وقد ارتسم على ملامحها مزيج من الحنو والوقار:
- "سآتي معك يا ولدي، فهو صديقك وحليفنا العزيز."
أومأ ويليام موافقًا دون اعتراض.
ثم نزل الجميع إلى قاعة الاستقبال حيث البلاط الملكي ينتظر في كامل زينته. كانت الأرضية المرصعة تلمع تحت أقدامهم، وأعمدة القاعة شامخة تعكس عظمة العرش. رفعت الملكة يدها وأمرت الخدم قائلة:
- "أعدّوا الطعام وجهّزوا كل ما يلزم لراحة ضيفنا الكريم. وليكن الاستقبال على قدر مكانته."
فانحنى الخدم سريعًا، وانطلقوا لتلبية أوامرها بدقّة وخفة، فيما كان الهواء يتهيأ لاستقبال قدومٍ قد يغيّر مجريات القصر.
kawthar1ink