"مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"

"مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"

34 0

مع انبلاج الفجر، دخل عدد من الخدم غرفته بخطوات محسوبة. انحنوا بأدبٍ وهم يحملون أثوابًا ملكية نسجت بخيوطٍ من الحرير البني كلون موقد قديم دافئ تبدو عليه ملامح الحكمة، مطرزة بشعارات سكالفيا العريقة. خادم يصفف شعره الداكن بدقة خلف رأسه، وآخر يضبط ياقة معطفه الثقيل المرصع بقطع صغيرة من الياقوت الرمادي. ثالثٌ يساعده في ارتداء حزام السيف الذي لطالما رفض ارتداءه في المناسبات الرسمية، لكنه ارتضاه اليوم... لأنه ذاهب لمعركة من نوع آخر.

وقف الأمير ويليام أمام مرآة طويلة مؤطرة بالذهب المعتق. مظهره كان يفيض رجولة وشهامة. وسيم الملامح، ذو كتفين عريضين ونظرة عميقة مترددة. عيناه بلون السماء حين تُغضبها الغيوم، وفيها ما يشي بعاصفة خفية. رغم مظهره الملكي، بدت على وجهه مسحة حزن، كأنه يرتدي عباءة القدر أكثر من عباءة التاج.

غادر الأمير جناحه بخطى واثقة، فتحت له أبواب القصر واحدة تلو الأخرى، حتى استقبلته ساحة العربات الفسيحة حيث كانت العربة الملكية تنتظر.

ركب الأمير إلى جوار والدته ووالده، بينما تحركت العربة بهدوء عبر طريق حجري طويل يمر بين بساتين سكالفيا وحقولها التي ذبلت أطرافها تحت ظل الحرب القادمة.

جلس ويليام داخل العربة، متسمّر النظرات نحو النافذة، والهدوء من حوله يثقل صدره. امتدت الغابات على جانبي الطريق كأنها تراقبه بصمت. وبينما تتمايل العربات فوق الحصى، دخل في حوار عميق مع نفسه، وكأن صوته الداخلي انفجر في رأسه فجأة:

- "لماذا قلت ذلك؟ لماذا أخبرتهما أنني موافق بشرط رؤيتها؟ يا لي من أحمق... قرار متسرع خرج من فمي بلا وعي."

تنهد تنهيدة ثقيلة، وأسند رأسه إلى الجدار الخشبي، يضغط شفته السفلى بأسنانه.

- "لماذا... لماذا وافقت؟" همس لنفسه.

ابتسم بسخرية مريرة، ونظر إلى يديه المرتخيتين في حجره:

- "لماذا قلت لهما أنني موافق؟ لماذا لم أعارض؟"

ثم أغمض عينيه لحظة، ومرت في صدره تنهيدة طويلة، باردة... مثل من اعتاد على الخسارة.

لاحظت الملكة صوفيا شروده، فلوّحت له بيدها الناعمة المغطاة بالقفاز الأبيض، وهمست بنبرة ناعمة:

- "ويليام؟"

أدار رأسه ببطء، متعجبًا من إشارتها: - "ما بالك، يا أمي؟ تلوّحين لي؟"

ابتسمت بخفة، ثم أمالت جسدها قليلًا نحوه وقالت: - "بل ما بالك أنت؟ ناديتك أربع مرات ولم تُجبني. أين يسبح عقلك؟"

تفاجأ ويليام، وقد عقد حاجبيه، وهمّ أن يجيبها، لكنها استبقت كلماته بلطفها المعتاد: - "لا بأس، بني... أفهم تمامًا ما تشعر به." ثم شدّت على يده برقة وأضافت: - "لكن، أرجوك... افعل هذا لأجلي، ولأجل والدك... لأجل سكالفيا. مستقبل المملكة في يديك يا عزيزي. إنه زواج، لا أكثر... إن لم ترغب بها، فتزوجها فقط، أنجب منها طفلاً، وبعدها..."

توقف الزمن للحظة في ذهن ويليام، وتكرّرت الجملة في أذنه كرجع صدى: "أنجب منها طفلاً..."

رفع حاجبه بدهشة، ثم سأل والدته بحدة خفيفة:

- "وما حاجة الطفل؟ نحن نريد إنهاء حرب، لا بناء أسرة."

لكن الملك قاطعه فجأة بنبرة حاسمة:

- "كفى. فلتصمتا كلاكما." ثم رمقه بنظرة حازمة وهو يضيف بنبرة مريرة فيها سخرية: - "وأنت أيها المنقذ العظيم، ركز على الطريق... فما زال طويلًا، وكثرة الكلام ستتعبك."

حدّق ويليام في والده مذهولًا من كلمته الأخيرة، ثم قال بنبرة متعجبة:

- "المنقذ...؟"

ابتسم الملك ريشارد ابتسامة واسعة، ووضع يده الثقيلة على كتف ابنه بثقل الزمن:

- "نعم... أنت المنقذ. منقذ المملكة من الانهيار."

تنهد الأمير بعمق، وهو يُرجع رأسه إلى الخلف ويغمض عينيه لحظة، كأنما يُسلّم أمره للقدر:

- "هكذا إذًا... هذا هو لقبي الجديد."

---

ما هي إلا برهة، حتى توقّفت العربة عند بوابة شاهقة تحرسها أعمدة ضخمة يعلوها شعار مملكة صولاريا المتلألئ. انحنى أحد الحراس باحترام وقرع نافذة العربة بلطف، ثم قال بنبرة هادئة:

- "أستميحكم عذرًا يا مولاي، لقد بلغنا البوابة الكبرى، مدخل مملكة صولاريا العظيمة."

أومأ الملك ريشارد برأسه، ثم أدخل يده في جيبه الداخلي، وأخرج بطاقة الدعوة الرسمية مختومة بالشمع الأحمر، تحمل توقيع ملك صولاريا، والد الأميرة. سلّمها إلى الحارس عبر الباب، فتنحّى الأخير بخطوة إلى الوراء، وانحنى بانضباط، ثم سار نحو حارس البوابة ليُعلن عن هوية الضيوف.

لحظات، وارتفعت الأبواب الحديدية ببطء، تنفرج مثل جناحي عملاق، كاشفة عن ممر مرصوف بالصخر المصقول، تحفّه أعمدة مكسوة بالذهب وأرصفة مرمرية تُشعّ تحت ضوء الشمس كأنها قطع من بلّور حي.

شدّ انتباه ويليام البوابة نفسها... كانت مزخرفة بنقوش دقيقة من نباتاتٍ متسلقة وتنانين ذهبية تُحيط بشمسٍ لامعة في المنتصف. بدا الحديد الذي صُنعت منه أكثر لمعانًا من أي معدن عرفه.

ابتسم الأمير ابتسامة إعجاب صامتة، ثم قال بنبرة هادئة تتخللها دهشة خفيفة:

- "يبدو أن البوابين هنا شديدو التمسك بالقواعد... حتى ونحن موكب ملكي، لم يسمحوا لنا بالدخول دون التحقق الكامل. لقد فحصوا حتى بعض الأمتعة!"

ضحك بخفة، ثم أضاف وهو ينظر إلى أمه:

- "إن كانت البوابة بهذا الجمال والدقة، فكيف سيكون شكل القصر؟ أعتقد أنني لم أرَ حديدًا بهذه الجودة حتى في مملكتنا. هل لأن هذه البلاد غنية بالمعادن؟"

ضحكت الملكة صوفيا ضحكة رقيقة، وقالت:

- "أراك أصبحت شديد الملاحظة فجأة، يا عزيزي... معك حق، صولاريا بلاد المعادن. الحديد، الذهب، الألمنيوم، الفضة، حتى الجواهر النادرة... كلها تنبع من باطن أرضهم. لذلك تجد فنونهم مزدهرة وصناعتهم في أوجها."

ظل الأمير يراقب المشهد من نافذة العربة... أعمدة البلّور، التماثيل المصقولة، الساحات المزدانة بأشجار غريبة ذات أوراق فضية، وحتى الخيول في الاسطبلات الجانبية كانت بيضاء تمامًا، كأنها خرجت من لوحة فنية.

---

وبعد ما يقارب الأربعين دقيقة من السير داخل حدود صولاريا الفسيحة، وصلت العربة إلى ساحة القصر العظيم. فوق بوابة القصر المهيب كانت لافتة كبيرة تلمع تحت الشمس، كُتب عليها بخط محفور:

"أرض صولاريا... لصولاريا."

أثار ذلك الفضول في قلب ويليام، فتأمل العبارة بعينين ضيّقتين، ثم تمتم:

- "ثلاث كلمات... لكنها تبدو كأنها لغز."

ابتسم ابتسامة جانبية هادئة، وألقى آخر نظرة على الجملة قبل أن تُفتح أبواب القصر.

خرج كبير الخدم، وإلى جواره سيدة القصر، تلاهما جمعٌ غفير من الخدم يصعب حصر عددهم. اصطفّوا جميعًا بانضباط على جانبي المدخل، وانحنوا بخضوع للملك ريشارد، والملكة صوفيا، ثم للأمير ويليام.

تقدم الأمير بخطوات ثابتة، ظهره مشدود، وذقنه مرفوع. كان يبدو كتمثال من العاج والحديد. قامة طويلة، أكتاف عريضة، نظراته فيها وقار وسؤال... عيونٌ رمادية تموج كأمواج بحر خافت، تبحث عن المعنى في كل تفصيل حوله.

كان مهيبًا... دون أن يُحاول أن يكون كذلك.

ابتسم لكبير الخدم، وقال الأخير باحترام:

- "حللتم أهلًا، ووطئتم سهلًا، يا أصحاب السمو. يشرفنا حضوركم. لقد كان سرورًا عظيمًا أن نلقاكم، مولاي الملك وزوجته الكريمة، و... بالطبع، الأمير الشاب."

أكملت سيدة القصر مارجريت بلهجة دافئة:

- "من فضلكم... مولاي الملك في انتظاركم بالداخل. أرجو أن تسمحوا لخدمنا بنقل أغراضكم إلى أماكنها المخصصة."

رد الملك ريشارد بنبرة ممتنة:

- "نشكركم على حسن الاستقبال. لا حاجة لنقل أغراضنا، فهي هدايا للملك والملكة. سيتولى خَدَمي أمرها. أما العربات، فافعلوا ما يلزم... أطعموا الخيول، ودعوها ترتاح، فلن نُطيل البقاء كثيرًا."

ثم تقدّم الملك والملكة، يتبعهما الحرس وخَدَمة يحملون صناديق الهدايا.

لكن الأمير توقّف أمام بوابة القصر، وفي عينيه بريق مختلف.

قال بهدوء:

- "أعذرني، يا أبي... لكن لدي صندوق، أرغب بتقديمه للآنسة بنفسي."

استدار الملك ببطء، ونظر إلى ابنه بنظرة مائلة، ثم تنهد:

- "حسنًا... افعل ما تشاء، فقط لا تتصرف بتهوّر."

أجابه ويليام بثقة:

- "شكرًا لك، يا أبي... فقط، ثق بي."

نظرت إليه الملكة صوفيا بصمت، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. تأملته لحظة، واقفًا أمام بوابة القصر، بكامل وسامته، وثباته، وهالته الملكية. شعرت فجأة أن ذلك الصندوق الذي يحمله... قد لا يُختبر به أحد، بقدر ما يكشف شيئًا عن ابنها نفسه ، انها ترى ان ابنها مقدم على خطوة احست انها جيدة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة