ها هي الأميرة تتقدّم بخطوات واثقة نحو الطاولة، وجلست بين والديها في بلاطٍ يليق بأبناء الملوك. كانت أنظار الحاضرين تتنقّل بين ملامحها الرزينة ونظراتها المتفادِية، فقد كانت تحاول النظر لأيّ شيءٍ سوى عينيه.
إنه هناك... الأمير ويليام.
تشعر بأنه يرمقها بثبات، وكأن عينيه تتسلّلان إليها رغمًا عنها.
نظر الملك أفريد إلى ابنته بنظرةٍ ممزوجة بالإعجاب، والفضول، وربما بشيء من القلق المكتوم. أراد كسر جمود اللحظة، فتنحنح بخفّة، ثم قال:
- "أحم... أحم... لقد سمعتُ عنك كثيرًا، أيها الأمير ويليام.
يقولون إنك تشبه جدّك، ريتشارد الأول، في صمته، وعناده، ودهائه."
ابتسم ويليام ابتسامة دبلوماسية واثقة، ثم أجاب بنبرة هادئة:
- "آملُ أن أشبهه أيضًا في فطنته، لا في عناده فقط، يا جلالتك. فجدي لم يكن رجلًا عاديًا عنيدًا، بل هو من بنى سكالفيا... وعمل على ازدهارها حتى وقتنا هذا..."
تردّد صوته قليلًا في آخر كلمة: ازدهارها.
كأنها علقت في حلقه.لقد تذكّر أن المملكة على وشك الانهيار... وهذا، تحديدًا، سبب وجوده هنا.
ساد صمتٌ مفاجئ، وبدت الجديّة على وجهه، والقلق يتسلّل إلى ملامحه، كان قد نسي الأميرة للحظة، رغم أنه ظلّ يحدّق إليها للحظات دون أن يرمش.
تكلّم والده، الملك ريتشارد، بعدما أدرك ارتباك ابنه، وقال:
- "حسنًا إذًا... يبدو أننا قد تخطّينا لحظة اللقاء الرسمي بالفعل.
لكن، منظر هذا الصندوق على حجرك يا بنيّ... يثير فضولي."
تحرّك ويليام قليلًا، ثم قال بنبرة واثقة:
- "نعم، يا والدي... كنتُ أنتظر اللحظة المناسبة."
وقف الأمير، و زالت ملامح التردد و القلق من على وجهه. ثم توجّه بنظره نحو الأميرة، وخاطبها بصوته الرصين و وقفته الشامخة:
- "سموّ الأميرة ألكساندرا...
هذا الصندوق الذي بين يديّ يحتوي على شيء مهم جدًا. رأيتُ أنه من اللائق أن أقدّمه لكِ كهدية... بما أنّكِ، على الأرجح، ستكونين زوجتي المستقبلية.
إنه شيء ذو قيمةٍ خاصة، وأرجو ألّا تستهيني به أو تستخفّي بمضمونه. أرجو أن تتقبّلي منّي هذه الهدية المتواضعة."
اقتربت خادمة الأميرة لتأخذ الصندوق من بين يديه، لكنّه شدّه إلى صدره وقال بحدّة مهذّبة:
- "تراجعي، أيتها الخادمة...
أريده أن يكون بين يديّ الأميرة مباشرة. هي وحدها من يجب أن تمسك به وتفتحه.
لا أريد أن يُترك مع الهدايا الأخرى أو يُنسى في غرفة ما، أريده أن يُسلَّم... يدًا بيد."
تفاجئ الجميع ، خاصة ملك و ملكة صولاريا. بينما بقيت الأميرة مذهولة، مترددة، لا تدري ما تفعل.
ما السبب وراء إصراره العجيب؟ ما هذا الصندوق؟ ولماذا يشترط أن تفتحه بنفسها؟
مدّت يدها ببطء، وأمسكت بالصندوق.
كانت في حيرةٍ من أمرها...
هل تقول "شكرًا"؟
هل هي هدية فعلاً؟ أم تمويه؟ أم مجرد خدعة؟
وضعت يدها فوق غطاء الصندوق، وتردّدت.
ما نيّته؟ ما اسم هذا الرجل من الأساس؟ ويليام؟ لم يسمح للخادمة بلمسه، لماذا؟ هل هي حيلة؟ أم فخ؟ أم لعنة؟ هل يريد أن يوقعني في حبّه؟ أم... أن أَموت؟!
وهي في غمرة أفكارها، قاطعها صوته العميق، بكلمات بدت كأنها خرجت من فم محتال ساحر:
- "لا تقلقي، أيتها الأميرة...
ليست خدعة، ولا وسيلة لجعلك تقعين في حبّي، هاهاها..."
هل قرأ أفكاري؟!
فكّرت الأميرة، وقد انذهلت من توقيت كلماته.
كان الجميع يراقب بصمتٍ مشدود.
كانت على وشك الردّ، لكنها لم تعرف ما تقول.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قرّرت ألّا تظهر ترددًا، وقالت بعينيها:
- "أنت مخطئ جدًا."
ثم... فتحت الصندوق بعينٍ مفتوحة، وأخرى مغمضة.
... صمتٌ.
بلعت ريقها.
- "أرجو أن لا تكون... أفعى!"
لكن، لم تكن أفعى.
... ماذا؟!
- "ما هذا؟ مجرد زهرة... وكتاب؟!"
رفعت الأميرة نظرها إلى الأمير، فوجدته ينظر إليها مبتسمًا بثقة.
سألها والدها:
- "ماذا يحوي الصندوق، يا ألكساندرا؟"
أجابت بدهشةٍ مشوبة بالحيرة:
- "إنها... مجرد زهرة بنفسجية، وكتاب صغير، قديم، له غلاف ذو لون موحّد، وعليه بعض الغبار.
ليس بالأمر الجليل..."
تعجّب الحاضرون.
كانوا يتوقّعون جواهر أو ذهبًا أو شيئًا ثمينًا. أهذا ما جاء به أمير سكالفيا؟!
شعر الملك ريتشارد بالحرج. أما الملكة صوفيا، فقد عرفت نوع الزهرة فورًا.
كان الملك على وشك توبيخ ابنه، لكن الأمير ويليام، ما زال يبتسم، وقال:
- "أعتذر، أيتها الأميرة... لكن، أرجو التراجع عن كلمة 'مجرد' التي استخدمتها .ليست زهرة وكتابًا فحسب."
أشار إلى الزهرة وقال:
- "هذه الزهرة البنفسجية من أندر وأثمن الزهور في سكالفيا. لا تنبت إلا في الليل، وعلى بتلاتها خطوط وردية، تضيء بضوء أبيض سحري حين يحلّ الظلام. ساقها أزرق داكن، وفي الظلمة تبدو كمنارة ساحرة. سوف يبدو المكان الذي توضع فيه الزهرة في الليل اكثر سحرا و لمعانا.
وما قد يحدث لها في النهار... أمر عليكِ اكتشافه بنفسك."
ثم أشار إلى الكتاب:
- "أما هذا الكتاب... قد يبدو بسيطًا ومغبرًا، لكنه نادر.
إنه مذكّرات غير مكتملة لرواية كانت ستنشر، كتبها روائي عظيم، لكنه تُوفي قبل أن يُكملها . قد يكون البعض قد نسي بالفعل هذا الكاتب الرائع. القصة عالقة في المنتصف... ما أطلبه منكِ، هو أن تُكملي هذه القصة، لا بإيجاز، ولا بإطناب... بل بما يليق بكِ كأميرة وفنّانة.
اكتبي لها نهاية كما ترينها أنتِ، لا كما قد يراها الآخرون."
ثم تابع:
- "وأما إن كنتِ تتوقّعين شيئًا ثمينًا... فقد أرسلت بالفعل العديد من الهدايا التقليدية، من ذهب وحُلِيّ وأقمشة فاخرة و فواكه، إلى القصر.
ستصلكِ لاحقًا."
رفعت الأميرة عينيها نحو الأمير، وهو ما يزال يبتسم.
نظرت إلى الزهرة مطولًا... يالها من زهرة... كم هي جميلة!
نظرت الملكة صوفيا إلى الأميرة، ثم إلى ابنها، الذي بدا وكأنه يراوغ بحنكة، فقالت في نفسها:
- "يبدو أن ويليام يحاول اختبارها... أو إيصال رسالة إليها. في النهاية، سيتزوّجان، سواء فعل ذلك أم لا..."
ثم قالت في سرّها:
- "لكن من أين له بتلك الزهرة؟!"
كان الأمير يفكّر بدوره:
- "أريد أن أعرف... ما الذي ستفعله بهما"
جلس الجميع، وعاد الحديث الملكي يدور، والملكتان تتبادلان أطراف الحديث بلُطف. و الامير بدا مركزا يستمع لحديث الملكان.
أما الأميرة، فبقيت تحتضن الصندوق، تتأمل نقوشه الملكية، وتفكّر:
- "من هو هذا الكاتب؟ ما فحوى هذه القصة؟
أودّ فتحه الآن... لكن... لا أريد أن أبدو فضولية. سأنتظر لاحقًا..."
---
بعد دقائق قليلة...
شارفت الساعة على منتصف النهار.
قالت الملكة ميريدا بابتسامة مضيئة:
- "بما أنّ وقت الغداء قد اقترب، وأنتُم معنا، أيها الضيوف الكرام...
فإني أدعوكم لمشاركتنا المائدة، لنتنهض بأوقاتٍ طيبة ، لازال الوقت مبكرا على الرحيل، و انا بالفعل معجبة برفقة السيدة صوفيا و لا ازال اريد ان اتناقش معها."
ابتسمت الملكة صوفيا و ردّت برقة:
- "إنه لشرف لنا... أن نشارككم الطعام.
وأنا أشعر بالإطراء من كلماتكِ، جلالتكِ."
نظر الملك ريتشارد إلى زوجته ثم إلى الملك أفريد، وقال:
- "آه... نعم بالطبع!
كيف لي أن أرفض مثل هذه الدعوة الكريمة؟"
نادى الملك أفريد على مارجريت، وأمرها:
- "أمري الطهاة بإعداد أشهى الأطعمة، وجهّزي لهم طاولة تليق بهم."
أجابت الخادمة فورًا:
- "سمعًا وطاعة، يا مولاي!"
ثم أسرعت في تنفيذ الأوامر.
أضاف الملك بعدها بحزم:
- "حسنًا إذًا...
بما أن أمامنا وقتًا قبل الغداء، والجميع منشغل مع شريكه، أرى أن يخرج الأمير ويليام والأميرة ألكساندرا في نزهة قصيرة خارج القصر.
فهما زوجان محتملان، ويجب أن يحظيا ببعض الوقت وحدهما."
نظر الأمير إلى الملك ستراس، ثم إلى الأميرة.
انحنى قليلًا، وابتسم، ثم وقف بكل ثقة وشموخ.
اقترب منها، انحنى و يده على صدره، ومدّ الأخرى نحوها قائلًا:
- "آنسة ألكساندرا...
هل لي بشرف مرافقتكِ إلى الخارج؟"
نظرت إليه الأميرة بدهشة ممزوجة بانزعاج، ثم فكّرت:
- "لماذا يرغمني والدي على الانفراد معه؟ يا إلهي..!"
ثم أنزلت رأسها برقة، وضعت يدها على يده، وقالت بصوت خافت:
- "نعم... بهدوء."
قال الأمير في سرّه:
- "يالها من يدٍ ناعمة... وأصابع رقيقة..."
سحب الأمير الكرسي بلطف، ونهضت الأميرة وهي ما تزال تحمل الصندوق، ثم سلّمته لخادمتها، وأمرتها:
- "ضعيه في غرفتي... فوق سريري"
انحنى كلاهما للملوك، ثم غادرا معًا...
kawthar1ink