"هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"

"هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"

35 0

ها هي عربة الأمير فيليب تشقُّ طريقها عبر مدخل قصر سكالفيا العظيم، ذلك القصر الذي بدا كأنه تحفة سماوية هبطت من علياء الجمال؛ بأعمدته الرخامية الشاهقة ونوافذه المتلألئة كأنها أنجم الليل، وبحدائقه التي غمرتها الورود المتفتّحة فأحاطت به كأنها جنة مقدَّسة.

توقّف موكب الأمير حين بلغ بوابة القصر، حيث كان في استقباله الأمير ويليام والملكة صوفيا وصفوف من الخدم المنتظمين في خشوع وترحيب.

انفرج باب العربة الملكية ببطء، وإذا بفيليب يطلُّ منها بطلعة آسرَة، ذو شعر ابيض كخيوط الثلج النقي؛  مرتديًا معطفًا قرمزيًّا دمويّ اللون، ثقيلاً وطويلاً، حيك من أفخر فراء الذئاب النادرة، وقد تناثرت على أطرافه الزخارف الدقيقة وتلألأت فيه الجواهر المرصَّعة كالنجوم على ثوب الليل.

هبط الأمير بخطوات واثقة تفيض كبرياءً ورزانة، فاصطفّ خدمه حوله يحملون حقائبه الثمينة، فيما تقدّم خدم قصر سكالفيا بانحناءة عميقة، بعضهم تولّى سَوق العربة نحو ركن العربات، وآخرون قادوا الجياد نحو الإسطبلات.

تقدّم فيليب صوب صديقه العزيز ويليام، فتبادلا المصافحة بحرارة، ثم تعانقا عناقًا صادقًا يليق بوفاء صداقة امتدت عبر السنين، صداقة سمت بالصدق والأمانة والإخلاص.

بعدها انحنى الأمير فيليب للملكة صوفيا باحترام بالغ وقال:

— "يبدو أنّ ملكة سكالفيا لا تعرف في عمرها طريقًا إلى الكبر. جمالك يا سيدتي ما يزال يأسر العقول ويبهت الأبصار."

ضحكت الملكة ضحكة رقيقة تنم عن سرور وحنان، وقالت وهي تنظر إليه بعين الأم:

— "يا إلهي، ما أطيب هذا اللسان المعسول. لم تتغيّر أبدًا يا بُني."

ابتسم الأميران لبعضهما، ودخل الجميع إلى بلاط القصر المهيب، حيث كان البهو يعجّ بالشموع المتلألئة والثريات المتدلية كأسراب كريستال. ثم اتجهوا جميعًا إلى قاعة الطعام تكريمًا لضيفهم النبيل.

جلست الملكة أولاً، فأذنَت للجميع بالجلوس، ثم قالت وهي تبتسم بودّ:

— "لقد أمرت الطهاة أن يعدّوا لك كل ما تهواه نفسك يا فيليب؛ من أطباق بحرية طازجة، وفواكه تعرف أنني أدرك جيدًا كم تشتهيها."

رفع الأمير فيليب يده إلى صدره في امتنان، ثم أجاب بصوت وقور:

— "عجبًا يا مولاتي… إنه لشرف عظيم لي أن جلالتك لا تزال تتذكر ما أحب وما أشتهي. وقد جئتُ بدوري محمَّلاً بهدية نفيسة نادرة… أرجو أن تروق لذوقك الرفيع حين أكشفها لك لاحقًا."

فتفاجأت الملكة صوفيا، وأجابته بابتسامة يملؤها الحنان:

— "عجبًا يا فيليب، لم يكن عليك أن تُكلِّف نفسك. شكرًا لك يا ولدي العزيز."

---

هذا الضيف الكريم يدعى الأمير فيليب جوليان دي موريل، من مملكةٍ أرضيّةٍ جليلةٍ تدعى كلاوديا، تلك المملكة التي حكمتها سلالة آل دي موريل منذ أن وُجدت في أقصى الشمال؛ حيث البرد القارس، والصقيع المتراكم، والرياح العاتية التي تخترق أجساد سكانها. غير أنّ أحدًا لم يُنكر قط أنّ ثلوجها، رغم شدّة قسوتها، كانت صحراءً بيضاء خلّابة، تُدهش الناظرين وتُذهل القلوب.

كانت والدة فيليب، الملكة أورورا، امرأةً جميلةً كالقمر في ليالي الشتاء، لكنها عانت من مرضٍ لعينٍ سُلّط عليها بسبب لعنةٍ قديمة أطلقتها ساحرة غيورة، رغبت بالزواج من الملك إدوارد، فلما رفضها، صبّت عليها سموم الحقد والحسد. أرهقها المرض وجعلها طريحة الفراش، وازداد عذابها بعد حملها وإنجابها فيليب، ثم أخاه الأصغر سيباستيان، فكانت الولادة معاناة أضافت وهناً فوق وهن.

علم الملك إدوارد أنّ هناك علاجًا وحيدًا عند ساحرٍ عظيم يُعرف بقدرته على عكس اللعنات. فانطلق في ذلك اليوم المشؤوم حاملاً الكنوز والهدايا الثمينة ليقدمها فداءً لزوجته. غير أنّ الطريق كان ثلجيًّا وعِرًا، والخيول بالكاد تُبصر خطواتها بين الضباب والعاصفة. وبينما كانت العربة تشقّ طريقها بصعوبة، هبّت عاصفة ثلجية هوجاء قلبت الموازين، فانزلقت العربة وسقطت في شقٍ عميقٍ عند حافة جبل حيث يمتد النهر البارد الطويل، جرف التيار الملك بعيدًا. قاوم حتى آخر نفس، لكن المياه الجليدية ابتلعته وقضى نحبه مجمّدًا بين أمواجٍ باردة كالموت.

وحين وصل الخبر إلى الملكة أورورا، انكسر قلبها وذاب حزنًا. بكت بكاءً مرًّا، وكانت دموعها كقطع ثلجٍ جارحة. وما لبثت سوى أربعة أيام حتى فارقت الحياة، قهرًا ولوعةً على من أحبّت، تاركةً خلفها طفلين بريئين: فيليب ذا الخمس سنوات، وسيباستيان ذا الثلاث.

كانت مملكة سكالفيا حليفةً وفيّة لكلاوديا، فقد ربطت الملكة أورورا صداقةٌ متينة بالملكة صوفيا، صداقةً كانت أقرب من الأخت إلى أختها. وحين بلغها خبر وفاة أعزّ صديقاتها وزوجها، اعتصرها الألم. غير أنّها، بعزيمتها ورحمتها، قررت احتضان الطفلين ورعايتهما كما لو كانا من صُلبها. وهكذا تربى فيليب وأخوه في قصر سكالفيا، برفقة الأمير ويليام الذي غمره الفرح بوجود صديقه إلى جانبه، فسعى جاهدًا لأن يخفف عنه مرارة اليُتم ويزرع في قلبه بعض البهجة.

نشأ الثلاثة كإخوة حقيقيين، يتقاسمون دروس الفروسية والقتال، يرافقون الملك في رحلات الصيد، ويجلسون على مقاعد الدراسة معًا. لم يُنقصهم شيء، فقد كانت صوفيا أمًّا حنونة ترعى تفاصيلهم الصغيرة، تحفظ ما يحبونه وما يكرهون، وتحيطهم بحنانها الواسع.

لكن حين بلغ فيليب السادسة عشرة، استدعاه عمّه، الذي جلس على عرش كلاوديا بعد وفاة الملك، ليعود إلى موطنه الأم. لم يكن عمّه رجلاً شريرًا ولا رجلا جيدا، لكنه كان بارد الملامح قليل الكلام، لا يعرف من الحزم إلا ما يُناسب صقيع البلاد. فأخذ على عاتقه أن يُعلّم فيليب أصول القيادة وسيادة العرش.

عاد فيليب إلى كلاوديا تاركًا أخاه الأصغر في رعاية سكالفيا حتى يبلغ السنّ ذاتها، ثم لحق به لاحقًا. ومع ذلك، ظلّت روابط الودّ قائمة، فلم ينقطع الأخوان عن الزيارات والهدايا التي كانت تُرسل إلى صوفيا، المرأة التي أحبتهم كأبنائها.

ومضت السنوات، حتى بلغ الأمير فيليب الثالثة والعشرين (نفس سن ويليام) ، شابًا قويّ البنية، عظيم الشأن، لا يهاب شيئًا، متشحًا بوقارٍ صنعته المحن، وعظمةٍ أنبتتها ثلوج الشمال.

تبادل الجميع أطراف الحديث عن شؤون الحياة والسياسات، حتى إذا فرغوا من الطعام، نادى الأمير فيليب على أحد خدّامه. أسرع الخادم بخطوات هادئة، وانحنى أمامه قائلًا بخشوع:

— "أمرك يا سموّ الأمير."

قال فيليب بصوتٍ مهيب:

— "أحضر الصندوق الأخضر إلى هنا، إنه مع حقائبي."

انحنى الخادم مرة أخرى، وغادر مسرعًا. ساد الصمت على القاعة، إذ استغرب الجميع من هذا الطلب المفاجئ. لم يطل الأمر كثيرًا حتى عاد خادمان يحملان صندوقًا عريضًا من الجانبين، فوضعاه بجانب الأمير بانحناءة خفيفة. انحنى أحدهما وفتح الصندوق بحذر، ثم أخرج غلافًا كبيرًا مهيب الهيئة، قدّمه إلى فيليب بكل وقار.

نهض الأمير، وحمل الغلاف بنفسه، ثم سار بخطوات بطيئة نحو الملكة صوفيا، قائلاً بصوت تغلّفه الرهبة:

— "مولاتي، أرجو أن تقبلي هذه الهدية المتواضعة مني."

ارتسمت الدهشة على وجه الملكة، فهي لم تتلقَّ من فيليب يومًا هديةً بهذه الضخامة والهيبة. وقفت على مهل، ثم أزاحت الغلاف بأنامل مرتجفة، فإذا بمعطفٍ عظيم، طويل حتى لامس الأرض من فرط امتداده. لمع بريقه تحت أضواء الشموع، فانبهر الحضور بجماله الأخّاذ.

كان المعطف بنيًا قاتمًا ذا ملمس ناعم يفيض فخامة. قاطع فيليب ذهول الملكة بصوت يملؤه الفخر:

— "هذا المعطف يا سيدتي، استغرق سبعة أعوام كاملة من الحياكة الدقيقة والإتقان. لم يُصنع منه في العالم سوى اثنين؛ أحدهما لوالدتي رحمها الله، والآخر هذا الذي بين يديك. حيك من فرو دببة الشمال المتوحّشة، التي كاد صيدها أن يكون مستحيلًا، وزُيّن من الداخل بفراء ذئاب مورفاليس البيضاء، لتنعمي بالدفء في أقسى الليالي. أما أطراف أكمامه، فقد زُخرفت بريش طيور أركافيا النادرة، وزُرع في طياته جواهر نفيسة تزيده بهاءً يليق بمقامك السامي."

تجمّعت الدموع في عيني الملكة صوفيا حتى انحدرت في سكون. ظلّت تحدّق بين المعطف المهيب وبين الشاب الذي وقف أمامها بخشوع، يحمل قلبًا بسيطًا وهبةً عظيمة. وضعت المعطف جانبًا، ثم اندفعت نحو فيليب، تعانقه بحرارة، وقالت بصوت مختنق بالعبرات:

— "لم أعرف يومًا فرحًا بهدية، كهذا الفرح الذي منحني إياه قلبك يا ولدي العزيز."

ارتبك فيليب من عناقها المفاجئ، فحوّل بصره نحو ولي العهد ويليام، فوجده واقفًا يبتسم برضا. أشار له ويليام مطمئنًا:

— "لا بأس… قابلها بالعناق."

أطلق فيليب تنهيدة خفيفة، وردّ عناق الملكة بصدق. كانت لحظةً تفجّر فيها الحنان دفعةً واحدة، حتى إن الملكة ما لبثت أن ضمّت ابنها ويليام بدورها، ثم قالت بعينين دامعتين:

— "وهذا حتى أعدل بين أبنائي… أنا أحبكما معًا، وحتى أخوكما الصغير يا فيليب، ليتني أراه أمامي الآن."

ساد القاعة صمتٌ مهيب غمره دفء العاطفة، ثم انسحبت الملكة ببطء إلى غرفتها لترتاح، تتبعها خادمتها حاملة المعطف الثمين. تركت الملكة خلفها الأميرين ليستمتعا بوقت قصير يجمعهما، قبل أن يحلّ المساء الثقيل.

تبادل فيليب وويليام نظرات جادّة، ثم توجّها معًا نحو غرفة المكتب، يتبعهما الخادمان المخلصان ديريك وشومان. ما إن دخلا الغرفة حتى بقيا الخدم في الخارج، ليتركوا الساحة خالصة للحوار بين الأميرين.

أشار ويليام إلى الأريكة، وقال بصوت متماسك:

— "تفضّل بالجلوس."

جلس فيليب مقابلًا له، ثم قال بصرامة:

— "إذن… ما سبب هذه الدعوة المفاجئة؟ أنا متأكد أنك لم تستدعني من أجل رحلة صيد فقط، ولا لمجرد قضاء الوقت."

أجابه ويليام وهو يحدّق في عينيه مباشرة، بنفس النبرة الجادّة:

— "معك حق… الأمر مستعجل حقًا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة