أعاد ويليام نظره إلى صديقه وقال بنبرة جادة:
— "لقد دعوتك إلى هنا أيضًا لأخبرك بأمر مهم. لقد أرسلت رسائل مع مرسولين، دعوات إلى الوزراء والحكماء في بعض الدول والمدن التي ساعدناها يومًا، علّهم يكونون حلفاء لنا. لكن... إمّا تجاهلوا الأمر، أو تظاهروا بالانشغال، خشية من والدي الملك لأنه لا يعلم عن هذه الخطوة، أو خوفًا على حياتهم. رفعتُ الأمر كواجب عليّ، لكنني الآن وجدت نفسي وحيدًا، وأصبحت أنت أملي الأخير يا فيليب. أريدك أن تساعدني، أن تمدّ لي يد العون."
شدّ فيليب قامته وقال بلهجة ثابتة:
— "بماذا يمكنني أن أساعدك؟"
ابتسم ويليام ابتسامة متعبة وأجاب:
— "لا شيء محدد... بل في كل شيء. المشورة، النصيحة، البحث عن الحلول، التخطيط… أشعر أن حملاً ثقيلًا أُلقي على كتفيّ."
مدّ فيليب يده ووضعها على كتف صديقه ضاغطًا عليه بثبات:
— "دعني أشاركك حملك يا ويليام. لستَ وحدك."
تنهد ولي العهد بامتنان، ثم همّ فيليب بالرحيل متجهًا إلى جناحه الذي أعدّته له الملكة، لكنّه توقف فجأة، وعاد ليستدير نحو صديقه قائلاً بجدية لم يعتدها ويليام منه:
— "سأخبرك بشيء… لكن عليك أن تحفظه سرًا. لا تخبر أحدًا، ولا تُظهر حتى أنك تعرف."
رفع ويليام حاجبيه بدهشة وقال:
— "عجبًا، أمر سري لهذه الدرجة؟"
— "نعم." أجابه فيليب بحزم.
— "إذن… قل ما عندك."
تردد فيليب لحظة، ثم تنفّس بعمق وقال بصوت خافت:
— "أعتقد أنك لاحظتَ ترددي عندما ذُكر أمر الأميرة ألكسندرا. الحقيقة… أنا معجب بأختها… بل أحبها."
اتسعت عينا ويليام من المفاجأة، ثم لم يستطع منع نفسه من الضحك، فقهقه قائلًا:
— "يا لك من عاشق! وهل تخبرني بهذا الآن؟"
جلس فيليب مجددًا، يشيح بوجهه خجلًا، ثم قال بنبرة مكسوة بالحرج:
— "رأيتها لأول مرة يوم اجتمع عمي بملك صولاريا. جاء الملك بصحبة كاثرين لتغيير الجو، فهي تعشق السفر والرحلات. لطالما رافقت والدها في المجالس الملكية، وكانت تجلس بهدوء بجانبه، لم ترفع بصرها عن الطاولة قط… أما أنا فلم أستطع أن أرفع عيني عنها. في تلك الزيارة خرجتْ تستكشف المكان، فتتبعتها… ووجدتها تلعب مع أحد جِراء ذئابنا. عادةً ما تكون هذه الذئاب عدوانية وحذرة، لكنها أحبّت كاثرين بشكل غريب. جلستُ بقربها، حيّيتها… وكانت لطيفة، بريئة، بعيدة كل البعد عن أختها. كاثرين شقراء… تشبه شمس صولاريا."
قاطعه ويليام بابتسامة باهتة ونبرة فيها خيبة أمل:
— "وأختها… قمر صولاريا في عتمة الليل."
خيّم الصمت قليلًا بينهما، ثم سأله ويليام:
— "إذن… ماذا ستفعل؟"
أطرق فيليب رأسه حزينًا وقال:
— "كاثرين تبلغ السادسة عشرة فقط. قررت أن أبقى قريبًا منها كصديق، حتى تكبر، ثم أتقدم لخطبتها. الصبر يقتلني يا ويليام… لم أرَ فتاة بمثل رقتها وطيبتها من قبل. لم تنفر أبدًا من حيواناتنا، بل تركض خلفها وتلعب معها. طفلة بريئة… آخر ما أريده أن أؤذيها. نحن على تواصل دائم عبر الرسائل، إما بمرسول أو بالسحر. عرفنا الكثير عن بعضنا… لكن…"
سكت فجأة، وانحنى رأسه أكثر نحو كفيه. فبادره ويليام متسائلًا:
— "لكن… ماذا؟"
أجاب فيليب بعد تردد طويل:
— "توقفت عن مراسلتي. لم تعد ترد على رسائلي منذ أن اعترفتُ لها بحبي… وذكرتُ موضوع الخطبة. أظن أنني خسرتها إلى الأبد. خفت أن يكون والدها قد علم، لكن في كل مجلس كان يعاملني كعادته… وكأن شيئًا لم يحدث."
راح ويليام يتأمل صديقه مليًا، يقرأ في ملامحه ثِقل الحزن، ثم قال مواسيًا:
— "فكرتُ أن اقوم بزيارة خفيفة للأميرة، احمل بعض الهدايا. هل ترغب بالانضمام إليّ؟"
رفع فيليب رأسه بسرعة، ونظرت عيناه المرهقتان بريقًا جديدًا:
— "أجل! لطالما رغبتُ بالذهاب… شكرًا لك. ولكن، هدايا؟ لماذا تريد زيارة الأميرة أنت أيضًا؟"
ابتسم ويليام وقال:
— "هذا طلب أمي."
ضحك فيليب قليلًا ثم قال:
— "حسنًا، عندما نعود، دعنا نخرج في رحلة صيد، نناقش خلالها الطرق والخطط. متى سنذهب إذن؟"
أجابه ويليام:
— "غدًا صباحًا."
نهض فيليب مودّعًا صديقه:
— "سأفكر في بعض الوسائل والخطط للمواجهة."
ثم غادر متجهًا إلى جناحه يتبعه خادمه الوفي شومان. وبقي ويليام وحيدًا في القاعة، يحدّق في الأرض وقد شرد ذهنه، ثم تمتم بصوت خافت:
— "إذن… لديها أخت صغرى تُدعى كاثرين… على عكس شقيقتها تمامًا."
حلَّ الليل البارد الجميل فوق سكالفيا، فغطّى أرجاءها بردائه الأزرق الحالك، وتناثرت النجوم في السماء كأنها مجرّة من نوع آخر. كان الأمير ويليام ما يزال في مكتبه بعد أن تناول عشاءه مع عائلته وصديقه، لكن فكره ظلّ مشغولًا بالبحث عن هدية مميّزة للأميرة، تختلف عن كل الهدايا الملكية المعتادة.
سئم من المكوث في غرفته والتفكير بين الجدران، فاختار أن يتوجّه نحو مَشتل المملكة، ذاك المكان الذي يلهمه دومًا. وكعادته، تبعه خادمه ديريك بخطوات حذرة، غير أن الأمير التفت إليه بهدوء، وأمره بأن يستريح هذه الليلة وألّا يرافقه.
مضى ويليام بخطوات رزينة نحو المَشتل الكبير. صحيح أن الحديقة الملكية كانت آية في السحر والاتساع، إلا أنّ المَشتل احتضن بين جنباته أندر وأثمن الزهور في العالم، زهور لم تحتوِها أرض سوى سكالفيا. كان بحقّ مصدر إلهام فريد من نوعه.
وما إن دخل الأمير ذلك البهو الطبيعي الواسع حتى غمره المشهد: زهور تتهادى ألوانها، كأنك تسمع همساتها الخفية، وبعضها يتراقص تحت بريق الأضواء السحرية، فيما آثرت أخرى النوم في حضن الليل. كانت فراشات الأورا ترفرف حول الأزهار أو تختبئ في مساكنها؛ منها ما يعشق السكون الليلي، ومنها ما يفضّل صخب النهار. بدا المكان كقطعة من الجنة على أرض سكالفيا.
ورغم أنه أمير هذه الأرض وصاحب المَشتل، فإن الدهشة لا تفارقه كلما خطا بين جنباته. لم يشأ الجلوس على مقعد أو كرسي، بل فضّل أن يلامس روح المكان، فجلس فوق العشب الرطب الذي داعب أطرافه. سرعان ما انتقلت فراشات الأورا لتتحلّق حوله، تحوم بخفة حول ملامحه الوسيمة الباردة الجذّابة. اتكأ على جذع شجرة عظيمة، كأنها احتضنته بدفء خشبها وأوراقها.
ظلّ يتساءل: ما الذي يمكن أن يُقدَّم للأميرة؟ رغم رفضه القاطع لفكرة الزواج بها وتعاملها الجاف معه، لم ينكر فضوله تجاهها ورغبته في أن يمنحها شيئًا يليق بمقامها. شيئًا يترك أثرًا مختلفًا.
انتعشت أنفاسه بعطر أزهار كايلا المتسلّل إلى أرجاء المَشتل، فقام من مكانه وسار بين صفوف الزهور. كان هناك أكثر من خمسين نوعًا من الأزهار السحرية الفريدة، لكن عطر الكايلا شدّه أكثر من غيره، إذ ذكّره بعطر والدته الذي لم تكن تُعرف إلا به. عندها خطرت بباله فكرة: أن يهدي الأميرة عطرًا يجعلها مميّزة عن سائر فتيات المملكة، عطرًا لا يضاهيه أي آخر. غير أنه أراد أن يكون العطر من زهرة أندر وأعمق من كايلا.
راح يتأمل المكان بعين الباحث حتى وقعت نظراته على زاوية مظللة، حيث تفتحت أزهار اليثيــا، تلك التي تحيط بها أسطورة عظيمة. فهي تُعرف باسم زهرة الحب الخالص. لا تَمنح رائحتها الكاملة إلا إذا قُطفت بيد شخص يحمل في قلبه مشاعر صادقة. كما أن العطر المستخرج منها لا يفوح إلا على بشرة المحبوبة التي صُنع من أجلها.
اقترب الأمير ببطء من الزهرة، وانحنى نحوها يلثم عبيرها الرقيق. لم تكن رائحتها نفّاذة، بل أقرب إلى نَسمة فجر ندية؛ فيها لمسة من عبير الفانيليا البيضاء تبعث الطمأنينة، ونفحة من الياسمين تعانق الأنف برقة، عطر يجمع بين النقاء والرومانسية والدفء، كأنه خُلق لتجسيد معنى الحب. زهرة واحدة منها تكفي لصنع قارورة عطر فريدة تليق بالاميرة... أميرة النور.
على الفور نادى الأمير على ديريك وخادمتين من خاصته، وأمرهنّ بالاعتناء بالزهرة التي قطفها بنفسه و مدها للخادمة وتجهيز العطر منها في تلك الليلة. حمل ديريك صندوقًا أبيض مرصّعًا بالجواهر، سلّمه إلى إحدى الخادمتين، ثم تلقّت أوامر سرّية من سيدها. بعدها غادر ويليام المَشتل متّجهًا نحو جناحه، وقد أمر بأن يُنجز كل شيء قبل الفجر.
حلّ صباح اليوم المنتظر، يوم لقاء الأميرتين. استيقظ كلٌّ من الأميرين ويليام وفيليب مبكرًا لتجهيز أنفسهما، وأُعدّت العربات والصناديق المليئة بالهدايا بعد أن تناولا فطورهما وودّعا الملكة صوفيا. تحرّك الموكب الملكي نحو صولاريا، دون سابق إنذار للملك والملكة هناك.
خطط ويليام لتقديم هدية مميزة وفريدة للأميرة ألكسندرا مسبقا، لكن المفاجأة كانت بصديقه فيليب، الذي حمل بين يديه كيسًا حريريًّا صغيرًا وصندوقًا مزخرفًا متجها بهما نحو العربة. استغرب ويليام الأمر، فالتفت إليه قائلاً:
— "ما الذي تحمله بين يديك يا فيليب؟"
أجابه الأخير بلهفة يعلوها الحماس:
— "هدية… لكاثرين."
ارتسمت ابتسامة حائرة على شفتي ويليام، وقال مازحًا:
— "وهل لي أن أعرف ما بداخلها؟"
رفع فيليب الصندوق وقال:
— "هنا مجموعة من أنواع الشاي والمهدئات التي تساعد على الاسترخاء والنوم. أما الكيس الصغير، ففيه قنينة سحرية تحتوي على رسالة شفوية… لقد ساعدني أحد سحرة جبل مايا على إعدادها بعدما استدعيتُه إلى جناحي الليلة الماضية."
تراجع ويليام خطوة مستغربًا:
— "كل هذا دون أن تخبرني؟"
قهقه فيليب بخفة وهو يربت على كتف صديقه:
— "وهل يجب أن تعرف كل شيء يا ويليام؟"
ضحك الاثنان، ثم تابعا رحلتهما.
وعند وصول الموكب إلى بوابة صولاريا العظيمة، وقف حرس البرج في وجههما، مطالبين الأمير ويليام ببطاقة الدعوة أو الوسم الرسمي. شرح الأمير لهم أنه جاء لزيارة الأميرة دون موعد سابق، فانحنى أحد الحراس وقال باحترام:
— "سمو الأمير، يشرفنا حضوركم، لكن عليّ أن أبلغ الملك ستراس أولًا. أرجو من جلالتكما الانتظار قليلًا، لن يطول الأمر."
تنهد ويليام وقال ببرود هادئ:
— "افعل ما تؤمر، لا بأس."
لم يغضب الأمير ولم يوبّخ الحارس، فالقوانين في صولاريا لا تُخترق.
عندما وصل الخبر إلى القصر، تعجب الملك ألفريد والملكة ميريدا من الحضور المفاجئ. توترت الملكة خوفًا من أن يكون الأمير جاء لفسخ الخطوبة أو لتقديم شكوى بشأن تصرفات الأميرة، بينما ظل الملك محافظًا على هدوئه ورزانته رغم تساؤلاته.
بعد دقائق، سُمِح للموكب بالدخول. وعند البوابة الرئيسية للقصر... وصل الموكب، خرج الملكان مع حاشيتهما لاستقبال الضيفين. نزل الأمير ويليام من عربته واقفًا بشموخ ورأسه مرفوع، تلاه الأمير فيليب بخطوات ثابتة، فانحنيا احترامًا للعائلة المالكة، فيما تبعهم الخدم حاملين الصناديق الثقيلة والهدايا الثمينة. كان شومان وديريك يحملان الهديتين المميزتين لسيديهما.
تفاجأ الملكان من رؤية أمير سكالفيا، لكن دهشتهما ازدادت حين لمحا فيليب، أمير كلاوديا، إلى جانبه. ارتبكت الملكة ميريدا وضغطت يدها بقلق على زوجها، لكن الملك وقف بثبات وقال بعد أن لمح كمية الهدايا:
— "عجبًا، يا لها من مفاجأة سارّة! أن يأتي أمير سكالفيا الشاب قاطعًا كل هذه المسافة إلى صولاريا… ومعه أمير كلاوديا، فيليب جوليان دي موريل!"
دخل الجميع إلى البلاط الملكي، جلس الملك والملكة على عرشيهما، فيما وقف الأميران أمامهما. بادر ويليام بالحديث بكل ثقة، وقد شبك يديه خلف ظهره:
— "أعتذر عن قدومي المفاجئ، مولاي. لكنني رغبت في زيارة الأميرة ألكسندرا وقضاء بعض الوقت معكم، وقد جئت محمّلًا بالهدايا لسموّها. أما الأمير فيليب، فكان ضيفي في سكالفيا وأراد الانضمام إليّ. أرجو ألا يمانع جلالتكما."
أدخل كلام ويليام الطمأنينة إلى قلب الملكة، فتنفست الصعداء وقالت مبتهجة:
— "وافرحتاه! ويشرفنا استقبال الأميرين في بلاطنا المتواضع."
ثم التفتت إلى خادمتها و أمرتها بإخبار خادمة الاميرة ماري بإيقاظ الأميرة لمقابلة ضيوفها. فيما أمر الملك الخدم بأخذ الهدايا إلى مكانها بإشراف مارغريت، رئيسة الخدم، عدا شومان وديريك اللذين ظلا واقفَين خلف الأميرين.
جلس الجميع إلى طاولة عريضة تتوسط القاعة، تبادلوا أطراف الحديث، وعلت الضحكات والمزاح بينهم في انتظار حضور الأميرة.
لكن قلب فيليب كان يخفق باضطراب. صحيح أن لقاء ألكسندرا أمر رسمي باعتبارها زوجة ويليام المحتملة، لكن كيف سيلتقي هو بكاثرين؟ كان يعلم أن مجرد طلبه رؤيتها قد يثير فضيحة أو يضعها في مأزق. لذا اكتفى بالصمت، محاولًا إلهاء نفسه بالحديث مع الملك ألفريد.
بينما كان الجميع في الأسفل بانتظارها، صعدت ماري مسرعة إلى جناح الأميرة. دفعت الباب دون أن تطرقه، واقتربت من سرير الأميرة وهي تهز جسدها بحماس قائلة ببهجة:
— "مولاتي… استيقظي، مولاتي!"
تمتمت ألكسندرا بنبرة ناعسة، بالكاد تخرج من بين شفتيها:
— "هممم… ماذا هناك؟"
قالت ماري بارتباك ممزوج بالحماسة:
— "عليكِ النزول إلى البلاط فورًا يا مولاتي!"
تململت الأميرة قليلًا وقالت بفتور:
— "وما الذي يستدعي هذا الاضطرار؟"
اقتربت ماري أكثر، وخفضت صوتها كمن يفشي سرًا:
— "الأمير ويليام ريتشارد فالينار يستدعيكِ. إنه ينتظر لقاءك الآن يا مولاتي."
اتسعت عينا ألكسندرا بدهشة، ثم جلست سريعًا على سريرها قائلة:
— "ويليام؟! ما الذي جاء به؟"
أجابت ماري على عجل:
— "يقول إنه يرغب بلقاء سموكِ. أرجوكِ أسرعي، وإلا ستوبخني الملكة بنفسها، فهي تنتظرك."
قفزت الأميرة من على سريرها، ودخلت على عجل إلى الحمام، لتأخذ حمامًا باردًا سريعًا أعدّته لها ماري. وما هي إلا لحظات حتى هرعت الخادمات بأمر من الملكة لتجهيز الأميرة بأفضل هيئة: صففن شعرها بعناية، زينّ وجهها بمساحيق خفيفة، وألبسنها ثوبًا رائعًا يليق بلقاء الأمير.
أما ألكسندرا، فكانت تغوص في بحر من التوتر الذي حاولت مرارًا التغلّب عليه منذ ذلك اليوم… اليوم الذي غادر فيه الأمير القاعة تاركًا خلفه تلك النظرة الحادة، الفتاكة، التي مزقتها من الداخل، نظرة لم ترَ فيها إلا وحشًا هائجًا يتربص بفريسته.
قطع أفكارها دخول الملكة المفاجئ. هرعت والدتها نحوها بخطوات حاسمة، وما زاد اضطرابها أكثر هو رؤية ملامح مختلفة تمامًا على وجهها… لم تكن تلك الملامح الغاضبة المعتادة، ولا الحاجبان المعقودان اللذان عاشت تلك الفترة تحت وطأتهما. بل كان هناك ارتياح، وشيء من الفرح الصادق.
شعرت ألكسندرا براحة غريبة أمام هذا الوجه الجديد، ثم لفت انتباهها ما كانت تحمله والدتها: وسادة صغيرة فوقها تاج فضي بسيط، مرصع بجواهر زرقاء و ألماسات، لكنه أخّاذ بصفائه وجماله.
ابتسمت الملكة وقالت بنبرة دافئة:
— "ارتدي هذا يا فاليريا."
اتسعت عينا الأميرة بدهشة، فقد مرّ زمن طويل منذ سمعتها تناديها باسمها الثاني، الاسم الذي اختارته لها بنفسها: فاليريا… الذي كانت تستخدمه أيام المحبة، قبل أن تغيّر تلك الحادثة مجرى علاقتهما.
رفعت ألكسندرا عينيها إلى والدتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مرتبكة. فقالت الملكة بحنان وهي تضع التاج بين يدي ابنتها:
— "هيا… أمسكِ به وضعيه. لقد جلبته بنفسي من أجلك."
تناولت الأميرة التاج ببطء، يديها ترتجفان من الصدمة، ثم تأملته قليلًا. كان بسيطًا لكنه أنيق، يلمع بصفاء كأنه يحمل روحًا خفية. وضعته على رأسها بهدوء، وهمست بصوت يكاد لا يُسمع:
— "شكرًا… أمي."
ابتسمت الملكة، وأمسكت بيديها بحنان:
— "لقد طلبت تصميمه لك قبل أيام قليلة، وقد وصل بالأمس فقط… إنه أجمل عليكِ مما تخيلت."
شعرت ألكسندرا في تلك اللحظة أن قلب والدتها لا يزال يحتفظ بالحنان والعطف، وأنه لم يعرف الكراهية لها يومًا، رغم كل ما جرى.
غير أن لحظتهما قُطعت حين طرق أحد الخدم الباب، وقال معتذرًا من الخارج:
— "أستميحكن عذرًا… لكن الملك يطلب الاستعجال."
التفتت الملكة إلى ابنتها بابتسامة حازمة، وقالت:
— "هيا يا ابنتي… الضيف في انتظارك."
kawthar1ink