ها هو الأمير ذا يخرج، تاركًا الأميرة تلهث وراءه، بعدما رمقها بنظرة مريبة تحمل في طياتها شيئًا لم تفهمه، وكأنها طعنة صامتة في قلبها. كان يمشي بخطوات متزنة، لا سريعة ولا بطيئة، خطوات توحي بثقل أفكاره أكثر من ثقل قدميه على الأرض. عينيه مثبتتان على العربة التي يتوجه نحوها، لا يلقي بالًا لشيء آخر، ولا حتى التفت ليرى الأميرة آخر مرة.
تبِعته الملكة كما كان الحال دومًا، ملامحها جامدة لكنها تراقب كل شيء، ثم صعدت العربة معه، ولحق بهم الملك ريشارد بعد أن ودّع الملوك وخرج بخطوات واثقة.
جلس الأمير ويليام داخل العربة الفاخرة، حيث المقاعد الوثيرة والمخمل الهادئ، لكن راحته الجسدية لم تجد طريقها إلى قلبه. وجهه مشدود كوتر مشدود على وشك الانقطاع، وعروقه تكاد تتفجر من غضب مكتوم. قبضته كانت معقودة بشدة، كأنها جسر حجري قديم لم يعرف الانهيار بعد، لكن الرياح تزداد قوة حوله. جلس مثل بركان ينتظر لحظة الانفجار، لكن شيئًا ما بدا وكأنه يجبره على الصمود.
وضعت الملكة صوفيا يدها فوق قبضته القاسية، محاولة أن تسحب منه بعض ذلك التوتر، لكنه ظل محدقًا عبر النافذة. كانت أشعة الشمس الغاربة تتسلل بخجل بين أشجار الطريق، تلوّن وجهه المليء بالجدية والحزن بظلال ذهبية، لكنها لم تلمس قلبه.
- " يا ويليام، ولدي العزيز... لا تكن منزعجًا هكذا. أنت تعلم أن الأميرة لا تريد الزواج، فبالتأكيد لن تكون سهلة المراس أو الطباع. لا تنزعج لسبب تافه، لأنها تركتك خلفها فقط. كن أكثر حكمة يا ولدي... تحلَّ بالصبر!
ابتسم الأمير ابتسامة جانبية ساخرة، لم تحمل أي دفء، بل امتلأت بالحقد البارد، ثم نظر إلى أمه مباشرة، وعينيه تعكسان خليطًا من السخرية والمرارة.
- " هل هذا ما تعتقدينه؟ هل أبدو كأني راغب بهذا الزواج، وكأني أجبرها عليه؟ يا ليتها كانت لطيفة فقط... على الأقل. لماذا قد أجعل فتاة تكرهني ومتعلّقة بأشياء سخيفة تحبني؟ هل سيكون ذلك ممكنًا من الأساس؟ ألم تري كيف كانت خطبتنا في البداية؟ أنتِ لم تري ملامحها الباردة، غير المهتمة، وأنا أمشي معها في الخارج كان جُرذا ما يلاحقها. وسبب انزعاجي ليس فقط بسببها، بل بسبب الحرب التي تتقدم شيئًا فشيئًا. أرجو ألا تنسوا أننا لسنا هنا لبناء قصة حب سعيدة، بل من أجل إيقاف الحرب... يا جلالة الملكة صوفيا.
ثم انتفض ويليام، وعقد حاجبيه، وأدار رأسه عائدًا بنظره نحو النافذة، وكأن الخارج يحمل إجابة لم يستطع العثور عليها في الوجوه التي أمامه.
بقيت الملكة تحدق فيه، وهي تفكر: ابني... إنه يناديني بجلالة الملكة وليس "أمي"، يبدو أنه جاد جدًا حول هذا الأمر... حسنًا، لن أعاتبه. سأدعه يرتاح.
أما الملك ريشارد، فلم يتدخل أيضًا، فهو منشغل بأمر الحرب، ولن يفتح الآن نقاشًا عن الزواج. كان يفضّل أن يترك لابنه مساحة ليفكر بعقله لا بقلبه.
ها هم يصلون إلى البوابة العريقة، البوابة التي انبهر الأمير بها في دخوله الأول، ووقف أمامها مأخوذًا بروعتها اللامعة، أما الآن، فور أن خرجوا منها، غيّر رأيه تمامًا ولعنها بصمت. لم يحاول حتى أن يعيد النظر إليها.
كان الأمير ليس منزعجًا فقط من تصرف الأميرة، بل أيضًا من صمت الوزراء وقادة الجيش الذين لم يرسلوا بعد أي ردّ أو اقتراح عن خطة للحرب أو استراتيجية للمخادعة. كان يشعر أن الخطر يقترب، وأن الوقت يتسرب من بين أصابعه، وأن كل شيء من حوله على وشك الانهيار.
طوال الطريق، لم يتبادل أحدهم كلمة واحدة، وكأن الصمت صار لغةً ثقيلة تملأ العربة. كان كل شخص غارقًا في أفكاره، يطاردها بصمت، والأصوات الوحيدة هي خشخشة العجلات فوق الحصى، وصوت الريح وهي تتسلل من فجوات النوافذ المغلقة.
ها قد وصلوا أخيرًا إلى سكالفيا، بعد رحلة طويلة مرهقة قادمة من صولاريا. تنفّس ويليام بتهكّم ساخر، بينما تتسلل إلى رأسه صداع لا يفارقه. كان رأسه يئن من الألم، وكأن الأفكار القاسية داخله تضغط على جمجمته من الداخل.
أمام القصر، اصطفّ الخدم والخادمات بملابسهم الرسمية، صفوفًا منتظمة، ينحنون مرحّبين بعودة جلالتهم. لكن ويليام لم يُعِرهم انتباهًا، بل اندفع مباشرة نحو المدخل، تاركًا الجميع خلفه. لم يتأخر خادمه الوفي، ديريك، عن اللحاق به بخطوات سريعة، والقلق يتسلل إلى عينيه: ما الذي قد يزعج الأمير إلى هذا الحد؟
عندما وصل ويليام إلى غرفته، التفت فجأة نحو ديريك، وعيناه تحملان جديّة حادة، ونبرته حازمة كحد السيف:
- " هل من أخبار جديدة من الوزراء وقسم البحث؟
تردّد ديريك قليلًا قبل أن يجيب، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه:
- " يا... يا مولاي، سأكون صريحًا معك... في الحقيقة، لم يصلني أي رد من أي طرف من الأطراف التي اجتمعتَ معها. إنهم خائفون ومترددون من والدك الملك ريشارد. فأنت خططت لكل هذا من وراء ظهره، وهم يخشون أن يكتشف الأمر إن قاموا بأي حركة. ثم إن الملك فطن جدًا ومنتبه لكل شيء، رغم سنّه... أرجو أن تكون حذرًا أنت أيضًا، سموّك.
شدّ ويليام قبضته بعصبية، وكأنها تحاول سحق الهواء من حولها، ثم بدأ بفك أول زرّ في ياقة قميصه، وتقدّم بخطوات بطيئة نحو الأريكة الكبيرة في غرفته، قبل أن يجلس عليها بثقل جسده المرهق. اقترب ديريك منه، وظل واقفًا يحدّق به، كأنه يحاول قراءة أفكاره.
تنهد ويليام بعمق، صوته أشبه بمن يتمسّك بآخر خيط من الأمل:
- " يبدو أنه ليس هناك حلّ آخر... أرسل مرسولًا إلى مملكة كلاوديا، وأخبره أن يبحث عن الأمير فيليب... ليُبلغه أن الأمير ويليام يطلب منه الحضور من أجل أمر مهم، لا أكثر ولا أقل.
انحنى ديريك احترامًا، وردّ بصوت واثق:
- " كما تأمر، سموّك.
ثم تراجع وخرج، متجّهًا للبحث عن المرسول. أما ويليام، فقد أرخى جسده بالكامل على الأريكة، ورأسه مائل إلى الوراء، وكأنه يعلن استسلامه لحظةً واحدة من التعب. زفر ببطء، وكأن كل نفس يخرج منه يسحب معه القليل من وزنه النفسي.
تمتم بصوت منخفض:
- " تلك الرحلة الشاقّة... عديمة الفائدة. أنا متعب، فقط... جسديًا ونفسيًا، من كل هذه الأحداث.
رفع رأسه ببطء، وحدّق في السقف، حيث تتدلى الثريا المزخرفة. تأمل تفاصيلها للحظة، قبل أن يرسم على وجهه ابتسامة صغيرة متعبة:
- " أعتقد أنني سأطلب منهم تغيير الثريا... لقد نظرت إليها عدة مرات... إنها تُشعرني بالملل.
رمى بنظره نحو مكتبه، حيث تنتشر الخرائط، والكتب، والأوراق، والأقلام بشكل فوضوي. نهض متثاقلًا، واتجه إلى الكرسي خلف المكتب، وجلس مقابله، يمرر عينيه فوق كل تلك الفوضى التي تمثل عبء المعركة القادمة.
وضع رأسه على الطاولة، وأرخى جفنيه، لتبدأ صورة الأميرة ألكساندرا بالتسلل إلى ذهنه... رآها تبتسم، ففتح عينيه بدهشة، وكأن المشهد غريب عن الواقع.
- " هي... لم تبتسم لي هكذا أبدًا.
ابتسم ابتسامة ساخرة، ثم تذكر الكتاب الذي أعطاها، وزهرة كايلا، وتساءل:
- " هل تعتني بها جيدًا؟ أم نسيت أمرها؟ هل تُكمل الكتابة؟ أم... هل قرأته أساسًا؟ آه... التفكير في كل هذا متعب.
أغمض عينيه لحظة، ثم استعاد ملامح الأميرة في مخيلته: تلك الملامح الجذابة، الحادة، التي تعكس برودها.
- " ما الذي جعلها تنفر من سؤالي؟ هل لها ذكرى سيئة مع الغابة؟
ثم شدّ على أسنانه، وهمس بغضب:
- " هذه الحرب اللعينة... اللعنة على رولنسيا... وعائلة آل فاشر الأوغاد.
بعد أيّام قليلة، كان ويليام ينجز مهامه بصفته أمير المملكة، وقد أوشك على الاستعداد لموعد الفروسية. في تلك اللحظة، دوّى طرق خفيف على باب غرفته الخشبي الثقيل.
- "تفضّل بالدخول."
انفتح الباب ببطء، لتطل فتاة يافعة بملابس الخادمات، وجهها لم يألفه الأمير من قبل. دخلت بانحناءة خفيفة وقالت:
- "أعذرني، سموّك... جلالة الملكة تطلب حضورك إلى المكتبة."
تجمّد ويليام لثوانٍ، متسائلًا عن السبب الذي يدفع والدته لطلبه، وبالأخص في المكتبة. أشار لها بالانصراف، لكن عقله ظل مشغولًا... متى وظّفت أمي هذه الخادمة؟ بدا مظهرها شابًا أكثر من المعتاد، فالخادمات اللواتي تختارهن الملكة عادةً يكنّ أكبر سنًا وأكثر خبرة. لكنه هزّ رأسه في صمت، مستبعدًا الخوض في شؤون النساء.
نهض من على مكتبه، وعدّل ياقة سترته وأكمامه، ولحق به خادمه المقرّب الذي لم يذكر أنه ابتعد عنه يومًا. لكن الخادم قاطعه فجأة:
- "سموك... لقد فعلت ما طلبته، وأرسلت المرسول منذ أيّام، لكن لم يصلنا رد حتى الآن. لم تسألني، لكنني ارتأيت أن أخبرك."
مرّر الأمير أصابعه بين خصلات شعره وتنهد بعمق، قائلاً:
- "جيّد... أرجو أن نتلقّى ردًا في أسرع وقت."
حين وصل إلى مدخل المكتبة، كان يرافقه خادمه، وهناك وقفت خادمتان على جانبي الباب الكبير، تنحنيان بتحية هادئة:
- "مساء الخير، سموّ الأمير. طلبت منا الملكة ألّا ندع أحدًا يدخل غيرك. نرجو أن يبقى خادمك معنا هنا في الخارج."
استدار ويليام نحو خادمه وأومأ له بهدوء. انحنى الأخير في احترام، ووقف بجانب الخادمتين. فتحت إحداهن الباب، وانحنت بخضوع، ليدخل الأمير بخطوات واثقة، باحثًا بعينيه عن والدته... متسائلًا عمّا ينتظره بين جدران المكتبة المهيبة.
kawthar1ink