---
أعطيتُ الرجل ابتسامةً متكلّفة، فيما كان هو يلتقط حقيبتي التي سقطت مني بسبب الفتية، ليعطيني إياها بعد أن اقترح أن يوصلني إلى منزلي.
ولم يكن عليَّ سوى شكره.
ــ بالمناسبة، أدعى «ديفيد» وأبلغ من العمر ثلاثين عامًا، ماذا عنكِ آنستي اللطيفة؟
قال الرجل بعد أن انطلقنا بسيارته التي لفتت أنظاري منذ البداية، فهي تبدو فاخرة وحديثة.
حسنًا… كل شيء تصنعه «مرسيدس» يكون جميلًا.
لقد تمنّيت الحصول على سيارة كهذه في الماضي،
ولكن زوجي كان يملك رهابًا غريبًا منها ولا يحبّها، فلم يسمح لي بشرائها.
ــ لقد تشرفتُ بمعرفتك سيد ديفيد، وأنا أدعى «أوليفيا» وأبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا.
ــ حقًا؟ آسف، لكنني ظننتكِ طالبةً جامعية. تبدين أصغر من عمركِ يا آنسة أوليفيا.
ــ شكرًا لك.
تكلّمنا قليلًا بعد أن تعرّف كلٌّ منّا على الآخر.
لقد كان رجلًا لطيفًا حقًا، له ذوق رفيع ومحترم في انتقاء كلماته.
ولن أكذب بكونه قد نال إعجابي.
ودّعته بعد أن أوصلني إلى باب المنزل،
وقد وجدتُ من اللّباقة أن أبقى واقفة أنتظر أن تختفي سيارته من شارع حيّنا قبل أن أدخل.
ولكن، ومن العدم، لمحتُ شاحنة ضخمة كانت تسير بسرعة كبيرة إلى أن اصطدمت بسيارة السيد ديفيد وأكملت طريقها كما لو أنّ شيئًا لم يحدث.
شعرتُ بجسدي يتجمّد في مكانه للحظة.
كل ما حدث أمامي كان مرعبًا للغاية.
لكنني تمالكت نفسي وركضت باتجاه السيارة التي انقلبت رأسًا على عقب بعد أن اتصلتُ بالإسعاف.
استطعتُ فتح باب السيارة وإخراج ديفيد بصعوبة.
كان رأسه ينزف والكثير من الجروح ملأت صدره ويديه.
بدأتُ أبكي ولم أعلم لماذا…
ربما لأنني لم أرَ شيئًا كهذا يحدث أمام عيني من قبل،
وشكل السيد ديفيد المستلقي على الأرض كما لو أنّه جثة ميّتة زاد الوضع سوءًا.
ابتعدتُ قليلًا عن جسد ديفيد الهامد، فلم أستطع تمالك نفسي أكثر من ذلك وتقيأتُ كل ما كان في معدتي.
بدأ الناس يتجمعون حولنا لدرجة أنني بدأت أشعر بالاختناق.
ولكن لحسن الحظ أتت الشرطة والإسعاف في الوقت المناسب.
……
أنا الآن أجلس على إحدى مقاعد الانتظار بجانب غرفة العمليات بعد أن هدأتُ قليلًا مما أصابني.
وقد تحدّثت قبل دقائق قليلة مع أحد ضبّاط الشرطة معطيةً إيّاه إفادتي عمّا حدث.
حتى إنهم تعرّفوا عليّ،
فحيّي الذي أعيش فيه أصبح مشهورًا بالجرائم،
وهم دائمًا يتجوّلون في تلك المنطقة.
انفتحت أبواب غرفة العمليات ليخرج الطبيب بابتسامة تعلو وجهه البشوش، فلان قلبي المتشنج لذلك.
لقد طمأنني عن حالته بكونه تعدّى مرحلة الخطر، وبأنهم سينقلونه إلى غرفة أخرى،
وأن عليّ ملء بعض الأوراق التي تتعلّق بالمريض.
شكرته قبل أن أذهب إلى الموظفة من أجل الأوراق.
وقد أخبرتهم بكوني لا أعرف هذا الرجل سوى اسمه وعمره،
وأعطيتهم أشياءه التي كانت في جيوب سترته الرسمية مثل الهوية والهاتف… إلخ.
توجّهت بعد ذلك إلى غرفة ديفيد لأجلس على إحدى الكراسي بجانب سريره أنتظره،
فقد أخبرني الطبيب بأنه لن يستيقظ إلا بعد ساعة إلى ثلاث ساعات.
بعد مدة قصيرة دخل رجلٌ أشقر الشعر يرتدي ملابس سوداء رسمية،
وقد علمت لاحقًا أنه صديق ديفيد المقرّب.
وقد قام بشكري على إنقاذ حياة صديقه قبل أن يخرج ليكمل أوراق دخول ديفيد إلى المستشفى.
…
ــ أوليفيا…
سمعت صوت ديفيد فجأةً فيما كنت أرسل لمدير الجامعة رسالة من أجل الحصول على عطلة غدًا، فانتفض جسدي واقفًا.
اقتربتُ منه لأساعده على الجلوس، فابتسم لي شاكرًا قبل أن أسأله عن حاله.
ــ كيف تشعر؟ هل أنت بخير؟
ــ أجل، أنا بخير، شكرًا لكِ.
ــ لقد صدمتك شاحنة ضخمة.
ــ هل أمسكوا بمالكها؟
ــ لا… حتى إن مالك الشاحنة تابع سيره بعد أن اصطدم بك، كما لو أنّه تقصّد ذلك.
ــ لقد فهمت… آه، أنا آسف، لم أسألكِ عن نفسكِ، هل أنتِ بخير؟ لم يُصبكِ شيء؟ أعتقد أنّكِ بقيتِ هنا فترةً طويلة من أجلي، أنا آسف مجددًا.
ــ اهدأ… اهدأ، أنا بخير، شكرًا لك، ولا بأس بذلك. سأظل إلى جانبك إذا احتجت شيئًا.
ــ ليس هناك داعٍ لتتعبـي نفسكِ حقًا.
ــ ولكنني أريد ذلك.
ــ لماذا…؟
ــ لا أعلم… ولكنني أشعر كما لو أنّني السبب فيما حدث.
يتبع…
---
victoria_19_61