---
ها قد أتى صباحٌ آخر من أيّام يناير الباردة…
صباحٌ غريب بعض الشيء، كأن شيئًا ما قد انتُزع من حياتي فجأة.
لا أعلم…
ربما لأنني لم أصادف جاري المزعج «ماكس» عند خروجي هذا اليوم من المنزل.
ولأصدقكم القول، السماء اليوم غائمة وممطرة، وكأنها حزينة على موته…
أليس هذا مثيرًا للسخرية؟
كنت أمشي باتجاه الجامعة بعد أن نزلت من الحافلة، وعقلي لم يتوقف عن التفكير في كل ما بدأ يحدث مؤخرًا.
بعيدًا عن حادثة البارحة، فهي ليست أول جريمة تقع في المنطقة التي أسكنها.
قبل ثلاثة أسابيع، قُتل مالك متجر حيّنا العجوز بطلقٍ ناري داخل متجره.
وبعدها بخمسة أيّام فقط، قُتل عامل توصيل البيتزا الذي يسكن في المنزل المجاور لي، وقد وجدته الشرطة مُقطّع الأطراف بأداة تقطيع البيتزا نفسها.
كان الأمر مرعبًا حقًا…
أغلب سكان الحيّ بدأوا في الانتقال إلى مناطق أخرى خوفًا على أرواحهم،
وأنا لست أقلّ منهم، لكن الانتقال يحتاج إلى مالٍ لا أملكه الآن.
كل ما أستطيع فعله هو إغلاق نوافذ منزلي جيدًا كل ليلة قبل أن أخلد للنوم.
رميت كل تلك الأفكار جانبًا ما إن دخلت صفّ الرسم…
وكما تعلمون، الوضع كان في فوضى كالعادة قبل أن يروني.
بدأ الدرس، وأعطيت كل طالب لوحة رسم وطلبت منهم أن يطلقوا العنان لما تخيّله عقلهم.
وبينما كنت أسير بينهم أتنقّل بين اللوحات، لفت انتباهي من بعيد رسم الطالب «لوكس».
اقتربت منه، فوجدته قد رسمَني بطريقة مخلة للغاية.
صرخت في وجهه، ومزقت ورق لوحته، ولم أتهاون في طرده خارج الصفّ وسط سيلٍ من التهديدات والإهانات التي أطلقتها عليه.
كان جسدي يرتجف من شدّة الغضب من ذلك القذر،
إلى درجة أنّني لم أستطع البقاء حتى نهاية الدوام.
…
أخذت أمشي بين شوارع المدينة الفارغة.
كنت أحتاج إلى السير، علَّه يهدئ الارتجاف الذي اجتاحني.
لكن بعد مدة من المشي سمعت صوت خطواتٍ تقترب مني بسرعة.
حاولت أن أسرع بخطواتي لأدخل أي شارعٍ عام.
قلبي بدأ يخفق بعنف رغم أنني لم أرَ من يسير خلفي، لكن الخوف الذي انتابني فجأة فعل بي ذلك.
ندمت على السير في مثل هذه الأماكن، لكن الندم أحيانًا لا يفيد بشيء.
ــ آنستي الجميلة، لِمَ كل هذه العجلة؟
سمعت صوتًا أعرفه جيدًا، فتوقفت عن السير،
وأدرت نفسي للخلف لأجد «لوكس» وثلاثة آخرين من أصدقائه.
ــ هذا أنت؟! لِمَ تتبعني؟ ماذا تريد مني؟
ــ آنستي الجميلة، لِمَ كل هذه العصبية؟ نحن لم نفعل شيئًا بعد…
قال «لوكس» والخباثة مرسومة على محيّاه بوضوح.
هذا الطالب المنحرف لا يمكن لأحد توقّع أفعاله القذرة.
حاولت الهروب عندما بدأ يقترب مني، لكن رفاقه كانوا قد أحاطوا بي من كل جانب.
كنت على وشك أن أصرخ من الرعب الذي اعتصر قلبي حين حاولوا لمسي، لولا تلك السيارة السوداء التي كانت قادمة باتجاهنا بسرعة..
ولحسن حظ الفتيان، هربوا ما إن توقفت السيارة أمامنا.
أما أنا فلم أستطع التحرك من شدّة الخوف الذي انتابني.
ترجّل من السيارة السوداء رجلٌ طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء رسمية، وقد بدا عليه الرقيّ كما لو أنّه من الطبقة المخملية.
ابتسم لي بودّ قبل أن يتكلم بهدوءٍ ولطف:
ــ هل أنتِ بخير يا آنسة؟ هل أزعجوكِ هؤلاء الفتيان؟
ــ لا… أنا بخير، شكرًا لك.
ــ ولكنني لا أرى ذلك… أعتقد أن شبان هذه الأيام يحتاجون لمن يؤدبهم، أليس كذلك يا آنستي؟
…
يتبع…
victoria_19_61