_أتكرهين وجودي أم تخافينه؟
نظرت له بصدمة من سؤاله، ما هذا السؤال صدقا؟ لم قد تكرهه؟ أو تخافه؟ هي فقط...
يؤذيها صمته، بروده، إهماله، كل ما تريده أن تحصل على اهتمامه، أن يثق بها، أن يعاملها بلطف، أن يتعامل معها كتعامل لادن مع أخته، لكنها لا تستطيع إخباره بذلك، تخشى أن يقابلها بصمته، أو ربما بروده، وقد يحدثها بتهكم، لذا لم تستطع واكتفت بالصمت.
قرأ التوتر في عيناها، وشعر وكأنها تجيبه بنعم لذلك ابتعد بخطوات هادئة عنها وجلس على كُرسي صغير في مقدمة المطبخ وقال متهكما على نفسه:
_يبدو أنني لا أصلح لأن أكون رب أسرة.
_بل أنت تبذل جهدك!
خرجت كلماتها مندفعة من ثغرها دون تفكير، استفزها استنقاصه من نفسه، فقد كانت تراه قويا صلبا، فكيف ينتقد نفسه الآن؟
تابعت لا شعوريا:
_فقط...
ابتلعت ريقها والتزمت الصمت مجددا فنظر لها بترقب لتكمل حديثها لكنها لم تفعل فبادر هو وكأنه يقرأ أفكارها، وأطلق سؤالا هادئة حاول إدخال بعض اللين داخله:
_قاسٍ لا يهتم بأخته الصغرى؟
نفت بسرعة فرفع حاجبيه متعجبا وانتظرها لتتحدث، وقد فعلت أخيرا؛ إذ قالت بصوت متردد تشوبه نبرة حزينة بعد أن استجمعت قواها:
_سأخبرك بعد العشاء.
تعجب من فعلها فهذه ليست عادتها، كانت جل كلماتها «حاضر» «كما تريد» لذا ابتسم وحدث نفسه قائلا «يبدو أنها من ستكسر الحاجز بيننا لا أنا»
لم يكره شقيقته قط، ولم يرضه تعامله البارد معها ومع أي شخص آخر، لكنه سيء التعبير عن مشاعره، سيء في إخارجها، لا يجيد البوح بما يكنه داخله؛ لذا أنشأ هذا الأمر حاجزا بينه وبين الجميع، تحديدا أخته التي يفترض عليه أن يكون سندها وكتفها التي تتكئ عليه كلما عصفت بها الدنيا.
تحدث بهدوء:
_حسنا إذا، سأبقى مع أمي ريثما تنتهين.
وقبل أن يغادر سألته مغيرة مجرى الحديث:
_أما من جديد في القضية؟
_ستعيش عبير مع خالها أما والدتها فسيتم أخذها لمشفى خاص للتعافي من الإدمان الذي تملكها.
تابع وقد خطف نظرة تجاهها:
_على كل... أنتظر حديثك بعد العشاء
ثم غادر قبل أن ينتظر ردها.
زفرت بضيق، ندمت على كلماتها، لم تحدثت أساسا؟ لم تجرأت؟ كيف ستخبره؟ هل حقا تستطيع؟
ضحكت بمرارة على نفسها معلقة بهمس:«لم كل هذا القلق؟ إنه أخي صحيح؟»
أكملت إعداد العشاء لتطرد الأفكار عن عقلها، علها تنسى الأمر قليلا.
جهزت عشاءهم ثم أخذته حيث الآخران، وضعته على الطاولة الصغيرة ثم جلست قبالة والدتها قرب شقيقها.
سموا الله جميعا ثم باشروا الأكل بصمت.
بسبب الشلل النصفي لوالدتها، حملت مسؤولية المنزل على عاتقها في سن صغيرة، توفي والدها وهي في سن السابعة، ومرضت والدتها وهي في سن العاشرة، لذا كان عليها حمل هذه المسؤولية، فشقيقها كان جل الوقت تقريبا خارج المنزل يعمل، يعود ليلا بما حصل عليه من مال في عمله الجزئي، ويدخل لغرفته ليدرس مقرراته الجامعية، فقد كان وقتها في سنته الأولى في الجامعة؛ إذ بدل أن يدخل في سن الثامنة عشر دخل في التاسعة عشر بسبب رسوبه وإعادته لعامه الأخير في الثانوية.
وبسبب الابتلاءات التي عصفت بهما من كل جانب نضجا بسرعة، ولكن رغم أنهما عاشى الظروف ذاتها تقريبا إلا أن شخصيتاهما متناقضة تماما، فعمران شخص بارد جِدي، ورنيم فتاة حساسة ومتفهمة أيضا.
بعد العشاء...
غسلت رنيم الأواني بسرعة ورتبت المطبخ ثم ذهبت لغرفة شقيقها.
طرقت بتوتر فأذن لها بالدخول، ترددت لوهلة قبل أن تفتح ثم استجمعت قواها وقررت مواجهته بكل ما يجول داخلها، ولن تهتم لردة فعله مهما كانت.
دخلت وجلست على الكرسي أمامه.
غرفته كانت بسيطة المظهر، لم تكن واسعة ولا ضيقة، يكفي أنها تحمل حاجياته، استقر سريره في منتصف الغرفة تعتليه نافذة متوسطة الحجم، مقابل السرير استقرت خزانة ملابس صغيرة بجانبها مكتب بسيط، وعلى جانب السرير الأيسر درج يضع داخله أهم أشيائه، وعلى الجانب الأيمن كرسييان بشكل وسادة ذات ظهر، تستقر بينهما طاولة صغيرة دائرية ذات وجه أسود كالكراسي وقدمين فضيتين لتتناسب مع أثاث الغرفة المتجانس من الأسود والرمادي.
بادر بتساؤل صغير وهو يحدق في عينيه قارئا التوتر الذي حاولت جاهدة إخفاءه:
_إذا؟
ازدردت ريقها وسألت بتوجس:
_هل يمكنني قول أي شيء؟
أجاب مؤكدا بهدوء:
_نعم، أي شيء.
أخذت نفسا عميقا ثم أخرجته ببطء وقالت بهدوء وكأنها تحاول وزن كلماتها:
_أنا لا أخافك، لكني فقط أخشى أن تقابلني ببرودك إذا حدثتك.
التقطت كلماتها المبعثرة ونظرت في عينيه بحثا عن أي تعليق فلم تجد أي تعبير عدا البرود فتابعت بإحباط:
_أردت أن أكون ملاذك الآمن الذي تفضي له بأسرارك، وتكون لي الأمر ذاته، كل ما أردته أن تهتم بي كما يهتم لادن بـ لين، أن أكون مهمة بالنسبة لك (أنهت جملتها بارتعاشة في صوتها تمكن هو من ملاحظتها)
_أكملي، أسمعك.
ربما تظاهر أن كلماتها لم تؤثر به، لكن مجرد تلميحها أن لادن يفوقه في أمر ما جعل بعض الغيرة تتسلل له لكنه طردها فرغبته في التغير والاهتمام بأخته نابعة من قلبه، من رغبته، ولا يريد أن يفعلا أمرا بدافع الغيرة أو المنافسة.
كان ينصت لكلماتها بتركيز شديد ويراقب عينينها اللتين تكبحان الدموع:
_تمنيت أن تعود مرة من عملك وتحدثني عما قمت به، أن تحدثني عن يومك رغبة في مشاركته معي، أن تمدح ما أطهو عندما يعجبك، وأن تخبرني بما ينقصه إن لم يرق لك، أردتك فقط أن تهتم بي.
_لهذا حاولتِ حل القضية أن ولين دون إخبار الشرطة؟ حتى تجعليني أثني عليك؟ (سألها بهدوء)
أومأت وتابعت بانكسار:
_أردت أن أراك فخورا بي!
ابتسم بهدوء وبعثر شعرها بلطف قائلا:
_أنا فخور بك دائما يا رنيم، والآن ازداد فخري بك أكثر من أي وقت مضى لأنك واجهتني وأفضتِ إلي بما تشعرين به.
صمت قليلا وتابع بهدوء وكأنها يحاول إخراج كلماته الحبيسة داخله:
_قد أبدو باردا بليدا، لكن يهمني أمرك، أحب الاستماع لأحاديث وإن لم أقل ذلك، كل ما في الأمر أني لا أجد الطريقة المناسبة للتعبير عن مشاعري، لذا أضع قناعيّ البرود والتهكم دائما.
حدقت في وجهه بصدمة، عمران يفضي إليها بما في صدره؟
كان الأمر أشبه بحلم بالنسبة لها، فقد رسمت في مخيلتها أن رده سيكون باردا، أو ربما ساخرا، لكن لم تتوقع أن يحدثها عن نفسه.
أفاقت من شرودها عندما تابع بهدوء مع طيف ابتسامة:
_قد لا أكون مرحا معك كـ لادن مع أخته، وقد لا أعرف كيف أواسيك في حزنك، أو لا أجد كلمات أعرب بها عن ثنائي لما تقومين به، لكن عليك أن تكوني واثقة، عمران الذي يحدثك الآن سيبذل قصار جهده ليكون عند حسن ظنك...
قد أعاملك ببرود أحيانا، وقد أستمر على ما اعتدتِ رؤيته مني لكن صدقيني هذا لا يعني أن أمرك لا يهمني.
غمرتها سعادة لا توصف ببعض كلمات، ولا يمكن للبلاغة وعلومها أن يُبدعوا في وصفها، فقد كانت سعادتها تساوي جميع سعادات العالم في هذه اللحظة، شعرت أن قلبها جُبر، وأن عمران بالفعل يحبها لكنه لم يعرف الطريقة الأمثل لأخبارها.
أخيرا رأت دعائها يتحقق فقد دعت كثيرا بأن تتحسن علاقتها بشقيقها، ها هي الآن تشعر بأن الحياة تبتسم لها.
بعد أسبوع....
خرج لادن من المشفى مع توصية من الطبيب أن يأخذ إجازة مؤقتة من عمله ويرتاح جيدا حتى يلتئم الجرح كما يجب، كما طلب منه ملازمة فراشه وعدم مغادرته دون حاجة.
دخلت لين غرفته بوجه بشوش وهي تسلمه فطوره وتقول:
_أنرت المنزل أيها المحقق. (غمزت له)
أردف بتذمر:
_لا تضعي الملح على الجرح ليلي!
(تمت)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ها نحن ذا نودع جزءا جديدا من سلسلة ثنائي العدالة🤭
فكيف كان الجزء الثالث؟
الشخصيات؟
تطوراتهم؟
ما توقعاتكم لماضي عمران؟ 🤭
ولم قد يخاف المسدس يا ترى؟ 👀
انتظروني في الأجزاء القادمة فهناك الكثير الذي لا زال مخبئا🤭