_لِم لَم تخبرها الحقيقة يا صغيري؟
ابتسم مجيبا بعد أن نظر لمكان جرحه ثم لعيني والدته:
_لم يهن علي ذلك، أريد إخبارها وجها لوجه.
_ولكن...
كان سيجيب لكن سبقه والده وهو يسير خارجا:
_هذا الأسلم، لنعد للمنزل الآن، عليه أن يرتاح.
تبعته زوجته على مضض في حين ضحك لادن بخفة على والدته التي تتصرف بعفوية أحيانا، همس لنفسه بعد أن غادرا «يبدو أن ليلي قد أخذت هذه الصفة من أمي»
تنهد بعمق وأخرج زفيره متجاهلا الألم الذي يراوده بسبب ودون سبب.
كانت الغرفة هادئة رغم عقل لادن الذي يضج بالأفكار العاصفة، رائحة المعقمات داعبت أنفه لكنه لا يحبها البتة.
جانب السرير استقرت طاولة صغيرة ذات وجه دائري زجاجي شفاف، وضعت فوقها مزهرية مخروطية الشكل بها بعض زهور التوليب الزرقاء لتتسلل رائحتها العطرة للمريض، في منتصف الحائط المقابل للباب، استقرت نافذة صغيرة مربعة فُتحت على مصرعيها وقد سُترت بستائر باللون الأبيض تسمح للمريض والزائر برؤية ما في الخارج، ذاك المنظر الذي يريح النفس، ويبعث على الاطمئنان، حديقة خضراء، تمنحك الأكسجين بفضل تلك النباتات؛ عشب، أشجار، وزهور بشتى الألوان، يستحق المكان لفظ «مشفى» فبمجرد النظر له ينشرح الصدر وينسى المريض بعض ألمه وكأنه مسكن مؤقت للأوجاع.
أمام ذلك المنزل الكئيب، وقف عمران برفقة رجل أربعينيّ ذو ملامح ليّنة، غزى الشيب شعره بعض الشيء، في حين بدت ملابسه شبابية أكثر، إذ كان يرتدي بذلة رسمية زرقاء غامقة، وكان يعدل ياقتع ويتحدث بلباقة للمحقق الذي أمامه، بنبرة رزينة واجتماعية في الوقت ذاته:
_سيد عِمران، هل لي برؤية ابنة أختي؟
أومأ في حين أشاح بنظره نحو منزله قائلا بحزم:
_نعم أيها السيد، لكن على الفتاة الإدلاء بأقوالها للشرطة بخصوص أي شيء تعرفه عن والدتها.
لم يعلق الآخر في البداية واكتفى بالصمت وهو يتفرس ملامح المحقق الباردة التي لا توحي بأي مشاعر فيها، جمود فقط يطغى على تقاسيمه الشبابية، هذا ما اعتاد أن يبديه.
مرر عمران عينيه في أرجاء المكان كعادة لا إرادية تناسب عمله كفرد من الشرطة، ثم تقدم نحو منزله المطلي بلون الياجور¹ وقد استقرت زهور البنفسج على جانبي الطريق المؤدية إلى باب المنزل الذي يوحي بالبساطة والأناقة معا.
وقف أمام الباب الباب وتردد لوهلة، هل يفتحه؟ أم يطرق؟ أم يتصل بشقيقته ويخبرها أن تنادي الفتاة؟
اختار الخيار الثالث بعد وهلة من التفكير، فهذا ما اعتاده، أن يفكر قبل اتخاذ أي قرار، حتى أبسط الأمور، كان يخشى أن يندم يوما على تسرعه.
أدخل يده في جيب بنطاله ليخرج هاتفه تحت أنظار الرجل الآخر، وعندما أوشك أن يتصل لاحظ أن الهاتف الذي بيده هو هاتف لادن فعلق على نفسه متهكما بهمس: «تحتاج ذاكرتي إلى صيانة، نسيت إعادة الهاتف له» ثم تنهد تنهيدة مكتومة نسبيا حتى لا تظهر أي مشاعر على وجهه، وهو يتذكر ذاك المشهد مجددا، اللحظة التي سقط فيها لادن، صرخته وهو يحث زميله على الهرب، شعر عمران لوهلة أنه جبان، كيف تركه يواجه المجرم وحده؟ لِم لَم يوجه سلاحه تجاه ذلك الأحمق الذي يدخن سجارة تخنق كل من يقترب منه؟
زفر بضيق طاردا الأفكار التي تسللت لعقله في وقت غير مناسب، فأمامه قضية يجب عليه إكمالها.
لمسة خفيفة على كتفه جعلته يلتفت بتلقائية لصاحبها فإذا به الرجل قد مل الانتظار رغم أنه لم يبدي أي تعابير متضايقة، بالعكس، ابتسم بهدوء وأردف محدثا عمران:
_سيدي المحقق، أراك شردت قليلا.
تسلل بعض الخجل إلى عمران الذي فعل كما يفعل عادة، تقمص دور البارد ووضع قناعه المعتاد وتحدث بنبرة تحمل بين جديته واحترامه:
_أستميحك عذرا.
أنهى جملته وهو يضع هاتف لادن في جيبه ثم أخرج هاتفه، وبحركات آلية فتحه ودخل على الاتصال ثم اتصل بشقيقته، ومنذ الرنة الأولى فتح الخط فباشر بلهجة آمرة حاول جعلها أكثر هدوءا فلا يخفى عليه أن شقيقته حساسة جدا وكثيرة التفكير في تصرفات وكلمات محيطها:
_السلام عليكم، رنيم أنا أمام المنزل، أخبري الفتاة أن تأتي.
_وعليكم السلام، وحدك؟ (لم تستطع إخفاء استنكراها العفوي الذي لاحظه عمران في نبرة سؤالها)
لم يستطع منع نفسه من الابتسام ولم يفلح في إخفاء ذلك هذه المرة، فأجابها بنبرة هادئة موضحة:
_معي خالها يا رنيم.
خجلت من نفسها بسبب كلماتها التي غُلفت بسوء الظن، فلم تستطع إخراج كلمات من ثغرها خلا «حاضر» التي خرجت بصعوبة.
علق شقيقها في نفسه «يا لها من فتاة» ثم أغلق الخط وابتسم بعفوية، لكن تلاشت ابتسامته عندما لاحظ علامات تعجب على وجه الذي أمامه، فعاد لهدوئه وقبل أن يقول أي شيء فتح الباب، فابعتد بضع خطوات عندما طلت عبير من خلفه خافضة رأسها لتداري عيناها المحمرتان من شدة البكاء، لم ينظر لها عمران، بل اكتفى بغض بصره أولا طاعة لربه وثانية حتى لا يزيد توترها.
اقتربت من خالها بخطوات مرتجفة استطاع الآخران ملاحظتها دون رؤية قدميها، لكن صوت وقعها وارتطامها بالأرض كان كافيا لفضح ارتعاشها مما ينتظرها.
ضمها خالها له بحنان وأخذ يحاول طمأنتها وبث الأمان داخلها، عل صدرها ينشرح:
_سيكون كل شيء على ما يرام، أحسني الظن بالله صغيرتي.
بخطوات واثقة ودون أن يرفع بنظره نحوهما، تقدم عمران بهوء وكأنه يعد خطواته عدا، وعندما وقف على مقربة منهما وقال باحترام:
_ستجدان المفتش نَبِيه في المركز، سيكون مسؤولا عن التحقيق مع الفتاة، نرجو حضورك معها أيها السيد.
ابتسم له الرجل بامتنان، وشكره على حسن تعامله ثم غادر مع ابنة أخته إلى مركز الشرطة، تلك الفتاة التي لم ترَ من الحياة سوى مرها، ستكمل آخر الحلقات وأشدها مرارة وهي الخضوع للاستجاوب.
بعد أن غادرا فتحت رنيم الباب قليلا وأحدثت صوتا صغيرة بطرقها عليه بخفة حتى تثير انتباه شقيقها، الذي حرك قدميه نحوها وهو يقول:
_سأذهب لأعيد الهاتف لـ لادن، وبعد أن تغادر صديقتك لدي ما أقوله.
أنهى جملته ببرود قتلها، ربما ظنت أن شقيقها تغير، لكنه لم يفعل، لا زال باردا كما اعتادت، تنهدت مخفية حزنها وأومأت له بهدوء فغادر نحو سيارته.
ركب السيارة السوداء المعتمة من نوع شفرليت كمارو، أغلق الباب بلطف، وعدل المرايا بالطريقة التي تناسبه، ثم ضغط على البنزين وانطلق.
كان عقله مشوشا بعض الشيء، صحيح أنه تناسى قليلا ما حدث صباحا، وذلك لأنه انشغل بالقضية التي تورطت فيها شقيقته، ولكن الآن بعد أن أنهى ما عليه، عاد ليجلد ذاته، ليسأل نفسه مجددا «لم؟»
الأفكار تعصف به من كل جانب، الذكريات تترامى عليه كحجارة من سجيل، ذكرى وفاة والده المشوشة لا تفارق عقله، هو على يقين أن الله قدر هذا، وأن ما كتبه الله هو خير لنا، ولكن جزء من نفسه جُرح، ندب عميق لم يلتئم بعد، ليس اعتراضا بل صعوبة في التخطي.
تنهد بضيق وشد على المقود بقضبته بقوة وكأنه يفرغ غضبه في ما يجده أمامه.
يكره شعور الضعف، يكره أن يُرى بنظرة شفقة، يبغض الحزن، ويمقت المشاعر المرهفة، كل المشاعر بالنسبة له هي غضب يشتعل، دخوله للشرطة لم يكن حبا لها بل فقط أراد شيئا واحدا، أن يفهم لم يدافع الشرطي بكل ما يملك في سبيل حماية الأخرين؟ لم يُضحي بنفسه لإنقاذهم؟
لطالما كان يرى والده، كيف يساعد الجميع، كيف يضحي بما يملك إن كان هذا يساعدهم، كيف كانت ابتسامته دائما على ثغره حتى وهو في أشد المواقف خطورة.
لن ينسَ كلماته التي لطالما رددها له:«عِمران، تجلد، كن سندا لأختك، الرجل الحق لا يؤذي أحبته»
علته ابتسامة ساخرة من نفسه عندما تذكر كلمات والده وعلق قائلا:«آسف أبي، ابنك جرح أخته كثيرا بشخصيته الحمقاء»
أخذ نفسا عميقا ثم زفره طاردا الأفكار من رأسه، ركن سيارته في موقف سيارات المشفى ثم خرج وقد ارتدى قناع البرود مجددا.
كان مظهره مهيبا، شاب في نهاية العشرين، جانب سيارة سوداء فخمة، قميص أبيض اختبأ خلف جاكيت أسود قصير، وربطة عنقه السوداء مشدودة بعناية، تُعانق رقبته برسمية بالغة.
انساب بنطال رمادي على قدميه معطيا مظهرا أنيقة مع حزام أسود مشدود تتدلى منه شارة الشرطة التي تغنيه عن ألف تعريف.
تحرك بخطوات واثقة محسوبة مبتعدا عن سيارته بعد أن أغلقها جيدا، وأرشد قدميه نحو مدخل المشفى.
دلف المبنى وأخذ يسير ببطء متابعا تفاصيله الدقيقة، رائحة المعقمات، النظافة الفائقة، أرضيات رخامية لامعة، نوافذ فُتحت على مصرعيها لتترك الحديث للحديقة الخضراء المحيطة بالمشفى كحلقة من الراحة.
أخذ الإذن بزيارة زميله ثم توجه نحو الغرفة المطلوبة، حيث يضجع لادن في السرير الطبي، حبيس الغرفة بسبب إصابته.
تردد لوهلة في الدخول، فلا زال يشعر أنه سبب ما جرى، حمل نفسه المسأولية، وشعر بضميره يصحو ليزيده من جلد ذاته.
نعم، قد يكون عِمران هو ذاك الشخص البارد، المتخفي تحت قناع الهدوء والتهكم أحيانا، لكن هل تساءلت يوما ماذا يقبع داخل هذا الجسد وخلف القناع؟
مد يده بتردد وفكر لثوانٍ قبل أن يطرق ثم يمسك المقبض المعدني الفضي ويديره ببطء، ثم يلج بهدوء إلى الغرفة وعيناه تقتنصان رد فعل زميله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الياجور: لونة بين الوردي والمشمشي، كما أنه اسم حجارة.
انتهى الفصل أيها المحققون، ما رأيكم؟
وما توقعاتكم للقادم؟ ما الحديث الذي سيدور بين عمران وأخته؟ رد فعل لين عند رؤية لادن؟
وما أكثر شيء تتشوقون لمعرفته؟