الرقم 21

الرقم 21

31 0

سألت بصوت شابه بعض التردد خشية أن يكون السؤال لاذعا وجارحا لمشاعر الأخرى:

_عذرا آنسة عبير، ولكن من أين تحصلين على المال؟

ابتسمت الأخرى بمرارة لكن لم يكن بيدها إلا أن تجيب عل الأمر يساعد في اكتشاف أي شيء ولو كان صغيرا:

_أعمل أحيانا في تنظيف المنازل.

2

نزلت دمعة خذلان وحسرة منها فتقدمت رنيم عفوية وضمتها لها في حين كانت لين تنظر لهما جاهلة بما عليها فعله، تنظر بصمت فقط، سؤال لمع بذهنها ودت لو سألته للادن «هل علينا أن نتجلد لنكون محققين؟ ألا مكان للعاطفة في عالم التحقيق؟»

2

صمت قاسٍ أطبق عليهن للحظات قبل أن تقاطعه عبير بعد أن أبعتد رنيم بلطف، ثم مسحت دمعاتها الخائنة وقالت بصوت يحاول ارتداء قناع من القوة:

_أرجو أن تصلا لأي شيء.

أومأت لها لين بهدوء وهي تقرأ جميع ما كتبته في محاولة ترتيب أفكارها ليقاطع حبل تحليلاتها صوت رنيم وهي تستفسر:

_هل لديك عينة من الدواء الذي تتناوله والدتك؟

نفت الأخرى ثم علقت:

_إنها تضعه في غرفتها، ولكنها تغلقها دائما.

ابتسمت لين بحماس وقالت:

_ليست مشكلة، أستطيع فتحها.

نظرت لها رنيم بقلق وقالت:

_أليس هذا تصرفا سيئا؟

نفت قائلة:

_لن نعبث بالغرفة، سنبحث عن الدواء فقط.

لم ترى الأخرى أن السبب مقنعا في حين كانت عبير توافق لين الرأي، فجل ما تريده هو معرفة ما يجري مع والدتها وإن تسبب هذا في معاقبتها.

_إذا كيف ستفتحينها؟ (سألت عبير)

_أحتاج ملعقة نقش الذرة تلك التي تكون يدها رفيعة جدا، وأيضا سلكا حديديا، سنجرب كلاهما.

2

أومأت الأخرى وذهبت لتحضر ما طلبته منها.

_لين، هل أنت متأكدة أن ما نفعله صواب؟

سألت رنيم بقلق لتجيب الأخرى بإصرار وثبات:

_نعم، لقد وافقنا على المساعدة، لا يجب ان نتراجع في منتصف الطريق.

2

_ينتابني شعور سيء...

_أحسني الظن بالله!  (ابتسمت)

1

من جهة أخرى...

نزل عمران من السيارة، وتحرك بخطوات ثابتة مبتعدا عن سيارته وتوجه نحو مبنى صغير بدا كمقهى هجره الزوار، دخل وجال ببصره داخل المكان، بدا كل شيء وكأنه يقول «لا مكان للزوار هنا، ارحل» لكن رغم ذلك لمح رجلا ضخم الجثة يجلس في نهاية المقهى، على كرسي في الزاوية يدخن سجارة فأخرى.

2

لم يكن ليره لولا رائحة الدخان التي تخللت المكان، كانت الرائحة الأنتن بالنسبة لعمران لكنه تحامل على نفسه رغم ضيق التنفس الذي أصابه بسبب حساسيته، وتقدم بخطوات واثقة نحو ذاك الرجل.

2

وقف أمامه ثم رفع شارته أمام عيني الآخر التي ثُبتت به منذ دخوله المقهى.

_أنت رهن الاعتقال بتهمة القتل العمد.

همهم الآخر بينه وبين نفسه قبل أن يعلق متهكمة بينما ينفث دخان سيجارته في وجه المحقق:

_وبعد؟

2

لم يكن ليخفى على عمران أنه المجرم يحاول استفزازه والسخرية منه؛ لذا أجاب بنبرة هادئة رزينة شابها بعض السعال إثر قربه من مصدر الدخان:

_سترافقني لمركز الشرطة طوعا أو كرها.

صوت ضحكة ساخرة سيطرت على المكان الهادئ، كان يضحك كمن أُلقيت عليه دعابة مضحكة ونظر له بعينين محمرتين بسبب الأدخنة  وقال بأسنان مصفرة بسبب مادة النيكوتين:

2

_هل تعلم كم قتلت هذا الشهر؟

هز الآخر كتفيه متصنعا الا مبالاة:

_عشرون ضحية.

_وهل تريد أن تكون الرقم 21؟

2

لم ينتظر الإجابة بل أسقط عِمران على الأرض بقوة، لم يستطع المحقق المقاومة فمن يواجهه ذو بنية ضخمة قوية ويزن أضعافه!

1

أخرج المجرم سكينة حادة وكاد يطعنه وهو يضحك بنشوة لكن رصاصة مرت أمام عينيهما دوى صداها في المكان، مما أثار تشتت المجرم فابعتد عِمران بسرعة ووجه سلاحه بتردد ويدين ترتعشين تجاه الضخم أمامه، لكن يدا ربتت على كتفه بهدوء وصوت مألوف جدا له قال بجدية:

1

_عمران، دعه لي، أعرف كيف أتصرف مع أمثاله.

_لادن!  (قال مصدوما)

2

لم يجبه الآخر بل صوب سلاحه نحو المجرم قائلا بهدوء:

_سلم نفسك، لا يمكنني الجزم بتركك حيا إن حاولت الهروب.

_أوه حقا؟  (علق ساخرا)

2

انقض عليهما بسرعة فتمكن لادن من دفع عمران بعيدا واستمر يتصارع مع ذلك الذي يفوقه قوة ووزنا، فكان لادن أعزلا لا سلاح لديه، حتى مسدسه طار بعيدا،وأخذ يواجه ويقاوم القاتل الذي أمامه بسكينته التي لا بد أنها تلوثت قبلا بدماء ضحاياه.

كان عمران مشدوها بما يرى، مصدوما من موقفه الجبان، عمران الذي لم يهزه شيء من قبل، يقف ساكنا الآن؟

2

ذكرى مشوهة من موت والده مرت بذهنه مما جعله يفقد رباط جأشه ويتخلل رأسه صداع تمكن من مقوامته...

وربما لم يفقه سوى تلك الصرخة المتألمة التي خرجت من فيه لادن عندما طعنه المجرم في معدته بتلك السكينة، تجمد عمران مكانه لوهلة، حائرا ماذا يفعل، يرى زميله في العمل يحاول البقاء واقفا رغم الألم، والرجل يتقرب منه شيئا فشيئا ليجهز عليه، قبض على يديه بقوة.

2

_أيها الأحمق، اهرب!  (صرخ لادن فيه بكل ما بقي له من طاقة قبل أن يفقد وعيه ويرتطم بالأرضية.)

تسلل غضب أعمى أنساه كل مخاوفه وهاج رافعا مسدسه تجاه المجرم الذي يفصله عنه متران أو أقل، أغمض عينيه وأطلق ثلاث طلقات نحو الهدف ولم يفتحهما إلا عندما سمع صوت ارتطام قوي.

2

اقترب منه ببطء وعندما رآه ساكنا اقترب يتحسس نبضه فتأكد من موته ليتنهد بارتياح وتوجه نحو لادن ثم جلس على ركبتيه وأخذ يتفقد نبضه وقلبه عل فؤاده يطمئن.

3

لم يشعر بالقلق على أحدهم بهذه الطريقة، ابتسم باطمئنان عندما تيقن من أن رفيقه لا زال حيا، وقبل أن يرفع هاتفه ليتصل بالشرطة دخل فوج من رجال الشرطة ونقلوا الجثة والمحقق المصاب.

تقدم المفتش نبيه من عمران وقال مواسيا:

_سيكون بخير إن شاء الله.

من جهة أخرى عند الفتيات...

حصلت لين على ما تحتاجه لذا توجه ثلاثتهن نحو غرفة الأم وبدأت لين تستخدم الملعقة في فتح الباب لكن دون جدوى لذا بدأت تحاول بالسلك الحديدي، وبعد عدة محاولات نجحت في فتحه فابتسمت لهما بنصر وتركت الطريق لعبير لتخدل قبلهما ثم تبعتاها.

1

بحثوا في الغرفة عن أي حبوب وأدوية، ولم يستغرق الأمر أكثر من عشر دقائق...

أخذن الحبوب ثم عدن لغرفة الجلوس، وضعتها لين في صفوف لتشكل بها مربعا ثم صورتها وأرسلتها لـ لادن وأرفقتها برسالة نصية فحواها «أخي، هل تستطيع معرفة ما غرض هذه الأدوية؟»

سألت عبير مستغربة:

_لمن أرسلتِ الصورة؟

_أخي (ابتسمت بثقة)

_ألم تقولي أننا لن نطلب مساعدة الشرطة؟(سألتها رنيم بتذمر)

_لن أخبره بما نفعل، سأطلب مساعدته فقط.

أومأت الأخرى بتفهم في حين تساءلت عبير بقلق:

_ماذا سنفعل الآن؟

_سننتظر رد لادن.

وقبل أن تعلق الفتاتان سمعن صوت طرق قوي جدا فقالت عبير مرتعبة:

_يا إلهي!  إنها طرقات أمي، آسفة لكن يجب أن تخرجا من النافذة وسألحق بكما، بسرعة!  (أنهت كلماتها بخوف واضح)

ذهبت هي لتفتح الباب في حين لملمت الفتاتان الأدوية وهربتا كلصتين من النافذة، ثم غادرتا لمنزل رنيم راجيتين أن تمر الأمور على خير.

فتحت عبير الباب لأمها التي دفعتها في غير وعي وهي تقول:

_ من أنت؟ اخرجي من منزلي!

حاولت الفتاة تهدئتها وإدخالها للمنزل لكن الأخرى صرخت طاردة إياها ثم دخلت وأغلقت الباب في وجهها.

تنهدت بألم ثم ذهبت حيث رفيقتيها، طرقت ففتحت لها رنيم، ثم أدخلتها لغرفة الجلوس حيث لين.

سألت عبير بانطفاء:

_هل رد شقيقك؟

_كلا (تنهدت) ليس من عادته التأخر في الرد حتى في شدة انشغاله.

2

_ربما الهاتف بعيد عنه قليلا، لم لا تتصلين به؟(علقت رنيم)

أومأت الأخرى وكأن الخطة لم تخطر ببالها قط، اتصلت بـ لادن وقلبها متلهف ليسمع صوته فقد انتابها القلق من تعليق رسالتها دون رد، وما زاد الطين بلة هو عدم حصولها على إجابة رغم تكرار الاتصال ثلاث مرات.

_ربما لديه قضية مهمة، فعمران أيضا لم يعد بعد (قالت رنيم محاولة طمأنتها)

لكن الأخرى شعرت بضيق يعتريها وعاودت الاتصال مجددا، وها قد فُتح الخط، لتباشر الحديث بنبرة معاتبة:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لم لا تجيب منذ البداية يا لادن؟  ألا تعلم كمية القلق التي تجتاحني الآن؟!

_وعليكم السلام.

اتسعت حدقتا لين عند سماع الصوت، كان صوتا باردا، هادئا، كلمات مختصرة، هذا ليس لادن!

ابتلعت ريقها وحاولت الحفاظ على هدوئها وسألت بنبرة لم تخلُ من القلق:

_المعذرة، أليس هذا هاتف لادن؟

_نعم، لكن لادن مشغول الآن وترك هاتفه عندي.

صمت استمر لبضع ثوان، لم ترد لين الخوض في أي أحاديث مع رجل أجنبي عنها، لكن قلبها كان معلقا بشقيقها، يستحيل أن ينسى هاتفه مهما بلغت أهمية القضية!

فتحت مكبر الصوت بتوجس وانتظرته مع رفيقتيها، فنطق بذات النبرة السابقة:

_سأخبره أن يتصل بك عندما يعود.

شهقت رنيم وهي تقول:

_عمران؟!

سلمت لين الهاتف لصديقتها لتتحدث معه بدلا منها، فأجاب الآخر بنبرة تخللها بعض الاستغراب:

_رنيم؟ ما الذي تفعلينه في منزل لادن؟

_لين من أتت لمنزلنا.

_هكذا إذا (صمت قليلا وتابع) أريدك قليلا على انفراد.

_خيرا؟

_إن شاء الله خير، سلمي الهاتف للفتاة وسأتصل بك على هاتفك.

_حاضر.

«أغلق الخط»

سلمتها الهاتف وقبل أن تقول أي شيء اتصل بها على هاتفها فاستأذت وغادرت.

وضعت لين كفها على ضلعها الأيسر حيث يقبع فؤادها الوجل وجلست تدعو الله أن يكون شقيقها بخير.

1

أما رنيم فردت على مكالمة شقيقها الذي باشرها بسؤال:

_ما الذي تريدانه من لادن؟

أجابته بتوتر:

_في الحقيقة... نريد سؤاله عن بعض الأدوية

_أدوية؟

_نعم، لم نجد وصفة طبية لها.

_وما الذي تفعله عندكم؟  (قال بريبة وحِدة)

_إنها قصة طويلة، هل أرسلها لك؟

قال بأمر بعد أن شعر بأنهما تفعلان أمرا ما:

_فورا!

_حاضر، سأغلق الآن وأرسلها لك، ولكن...

_ما الأمر؟

_هل كل شيء على ما يرام؟ (خرجت كلماتها بصعوبة فليست معتادة على الحديث مع شقيقها بعد)

2
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين ينكسر الصمت

المؤلف البروء
2025/08/31 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة