المحققتان

المحققتان

34 0

_اتفقنا إذا، نعم، ليس هنا، اطمئني، في أمان الله.

أغلقت الخط وهي تتنفس الصعداء مطمئنة أنه لم يسمعها فكما ظنت هو في عمله الآن.

التفتت خلفها لتعود لغرفتها متحمسة ولكن تلاشى حماسها إثر رؤية شقيقها الذي رمقها بنظرات متفحصة متعجبا من كلماتها عبر الهاتف ومن حماسها الغريب؛ أما هي فقد ابتلعت ريقها بصعوبة ورحبت به بتوتر لم تستطع إخفاءه:

2

_حمدا لله على سلامتك لادن، هل أنهيت عملك؟

_ليس بعد (أجاب بشك) أكل شيء على ما يرام؟

حركت رأسها بنعم ثم قالت مخفية توترتها خلف ابتسامة مغتصبة:

_سأذهب لمنزل رنيم، لم نلتقي منذ قضية السرقة تلك¹.

_هل أوصلك؟

نفت بسرعة ثم فسرت بهدوء وهي تبتعتد عنه:

_لا داعي، سأطلب من أبي...

رمقها بنظرات مرتابة ثم أومأ وخرج لعمله...

2

«لادن»

لست أفهم، ما جرى لها فجأة؟ ما الذي تخفيه عني؟ ألم تعد تثق بي؟  (تنهد بضيق)  لا أرجو ذلك!  (ضرب المقود بقبضته)

3

عند لين...

_أبي، هل لك أن تأخذني لمنزل رنيم؟

تعجب والدها وترك الأوراق التي كانت في يده وأزال نظارته المستطيلة ثم نظر لها بتساؤل فتابعت:

_لدينا قضية نعمل عليها، أخبرت أمي بالفعل وقالت أنك لن تمانع (أنهت جملتها بترجي)

تنهد الآخر وسألها:

_ما نوع القضية؟

_معقدة قليلا، تخص زميلة رنيم.

_إن كانت معقدة لم لا تستعينون بالشرطة؟

نفت بسرعة وقالت بإصرار:

_أريد حلها وحدي، لا أريد أن أكون في الخلفية دائما!

لم يتمالك والدها نفسه لترتسم ابتسامة على شفتيه أتبعها بضحكة صغيرة على انفعال محققته الصغيرة.

1

تلاشت ضحكته شيئا فشيئا عندما لاحظ عيناها اللتان تنتظران موافقته على أخذها واكتفت ابتسامة صغيرة بالثبات على ثغره وهو يقول بهدوء:

_لا أمانع من ذلك، لكن لدي شرط.

_وما هو؟

_أن تتصلي بلادن في حالة كان تدخل الشرطة لازما.

زفرت بضيق ثم ابتسمت بسرعة وشكرت والدها مؤكدة على موافقتها لشرطه وأنها ستستلزم به، ولكن مع ذلك فستحاول حل الأمر وحدها.

ذهبت لغرفتها لتبدل ثيابها، ارتدت حجابها ونقابها ثم أخذت هاتفها لتضعه في الحقيبة البنية وارتدت قفازاتها،

نظرت لانعكاسها في المرآة تراقب السواد أمامها عدا تلك القطعة البنية المتمثلة في الحقيبة، ابتسمت ثم ذهبت لوالدها لتعلمه بأنها جاهزة.

بعد ذلك ودعت والدتها التي قامت برقيتها وتحصينها كما اعتادت أن تفعل عادة لها ولشقيقها رغم علمها أنهما يقرآن أذكارهما كاملة لكن قلب الأم قلق باستمرار.

ركبت السيارة وانتظرت والدها وفي حين ذلك سرحت داخل أفكارها.

«لين»

آسفة لادن، لكن هذه القضية لي أنا (تبسمت)  سأحلها وسأجعلك فخورا بي، سأحلها وحدي، سأذهب لموقع القضية بنفسي، سأتحدث معهم شخصيا (ضحكت وهي تحدث نفسها متابعة)  لقد وضعت في حقيبتي مذكرة صغيرة وقلم لأدون به كما تفعل أنت دائما، أنا متحمسة حقا لأبدأ، انتظر فقط وسترى أني ورنيم قادرتان على حل القضية دون الحاجة للشرطة.

٠٠٠

2

ضربت جبينها بنافذة السيارة عندما وعت أنها تتحدث مع نفسها، ونظرت لوالدها القادم ناحية السيارة وقد عاد الحماس ليتمكن منها.

هي لا تعلم شيئا عما ينتظرها، سوى أنها ستذهب مع رنيم إلى منزل تلك الفتاة لمعرفة سبب تغير والدتها.

فتح والدها الباب وجلس، ثم ضغط الدواسات وانطلق بها نحو بيت صديقتها.

3

من جهة أخرى...

_لادن تبدو شارد الذهن اليوم.  (تحدث المفتش قلقا)

نفى لادن وابتسم مخفيا صدق مشاعره القلقة:

_أنا بخير، لا تقلق سيدي المفتش.

ثم أشار لصورة المجرم وأردف بحزم:

_إذا هل أذهب للقبض عليه؟

كاد المفتش نَبِيه أن يجيبه لولا تدخل عِمران الذي قال بجدية وهو يمسك الأصفاد ويضع مسدسه في جيب بنطاله الخلفي:

_أنت كثير الشرود بعد مغادرتك الأخيرة، القبض على المجرم يحتاج دقة ونباهة، فنحن نتعامل مع قاتل متسلسل، أي خطأ قد يدفع بحياتك، هل تفهم حديثي جيدا؟

رمش لادن مستوعبا حديث المحقق عِمران ثم دافع عن نفسه معترضا على كلمات زميله:

_أنا بخير حقا!

ثبت الآخر على موقفه وغادر إلى المكان الذي رُصد به القاتل، ولكن هل سيتركه لادن وحده؟

هذا مستحيل؛ فهو لا يخفى عليه كُره عُمران للعنف والقتل، بل يكره الدماء كره العمى، صحيح أنه لا يعرف السبب، لكنه يعلم جيدا أنها ليست مجرد قناعة بل وراء هذا الكره سر دفين يخفيه المحقق المختبئ خلف قناع البرود.

ركب سيارته وانطلق وراءه مع ترك مسافة بينهما حتى لا ينتبه عِمران، صحيح أن لادن مشغول بسبب أفعال أخته الغريبة، لكن ثقته بها لن تجعله يفكر أنها قد تفعل ما يهدد حياتها لذلك عليه التركيز في عمله الآن، وترك كل مشاعره العاطفية جانبا، فقد آن أوان الجد، القبض على قاتل متسلسل أودى بحياة الكثيرين، قاتل بلغ عدد ضحاياه العشرين ضحية خلال شهر فقط، لم تستطع الشرطة إمساكه، ليس ضعفا، بل لتنقله المستمر بين المدن، الجميع يحفظ شكله، لذا لم يكن صعبا تحديد موقعه هذه المرة.

2

دخلا إلى أحد الأزقة التي تعد منبع للكآبة، لا  حياة فيها، مظلمة، سوداوية، وكئيبة.

2

ابتلع لادن ريقة بصعوبة كرد فعل لا إرادية فهو يكره مثل هذه الأماكن، لكنه بقي يتتبع صاحبه بحذر حتى توقفت سيارة عمران أمامه على بعد سنتمترات قليلة.

بالعودة إلى لين...

وصلت لمنزل صديقتها ودخلت بعد أن فتحت لها الأخرى، رحبت بها بحرارة وتبادلتا عناق اشتياق، ثم سلمت لين على والدة رنيم باحترام.

_بما أنك وصلتِ، هل نبدأ بحل قضيتنا؟

أومأت الأخرى مجيبة:

_لا مانع عندي، ولكن هل منزل زميلتك تلك قريب من هنا؟

فتحت رنيم نافذة غرفة الجلوس وأشارت للمنزل المجاور لهم وهي تقول بابتسامة ونبرة متحمسة:

_ذاك هو.

تبسمت لين إثر حماس الأخرى ثم تلاشت ابتسامتها ليحل محلها علامات متسائلة:

_هل أخبرتِ والدتك؟

_طبعا!

_وعمران؟

نفت الأخرى بسرعة:

_سيمنعني إن أخبرته، لذا أخبرت أمي فقط وقد أخبرتني أن علي الاتصال بعمران في حالة احتاج الأمر للشرطة.

_قال والديّ الكلام ذاته (علقت بملل ثم تابعت بنبرتها المتحمسة)  لنذهب!

أومات رنيم ثم ارتدت حجابها البني الغامق وأخذت حقيبة صغيرة بذات اللون وضعت داخلها هاتفها.

انطلقتا نحو المنزل المجاور، رغم الهدوء الظاهر عليهما إلا أن القلق كان يعصف بفؤاديهما بين الحين والآخر، فهما جاهلتان تماما بما ينتظرهما.

طرقتا الباب ففتحت لهما فتاة في مثل سنهما، بدا وجهها شاحبا مصفرا وجسدها هزيلا وكأنها لم تتناول طعاما منذ شهور، ابتسمت عند رؤيتها لرنيم وشكرتهما لقبولهما طلبها ثم أدخلتهما المنزل.

2

كان المنزل هادئا، كئيبا بشكل غريب، مرتبا ونظيفا لكنهما استطاعتا أن تلاحظا رائحة غريبة شمتاها فور دخولهما.

جلستا على أريكة زوجية باللون البني الفاتح وجلست الفتاة على الأريكة مقابلهما

بعد الحديث عن الحال والاطمئنان، وتلك المقدمات التي تكرهها لين فهي ترى أنها لا تفيد شيئا في الحديث سوى إطالته بلا داعي.

سألت رنيم بابتسامة هادئة محاولة بث الأمان في ملامح القلق التي ترافق الأخرى منذ فتحت لهما الباب بل وربما من قبلها بشهور:

2

_حسنا يا عبير، كيف يمكننا مساعدتك؟

شدت على قبضتيها بقوة وهي تقول برجفة لم تفلح في إخفائها:

_قبل عامين، ومنذ وفاة أبي، أمي باتت أكثر غرابة، كانت تخرج من المنزل وتتركني وحدي لساعات طوال، تعود متأخرة، تبدو متعبة، مرهقة، وكلما سألتها عن السبب تصرخ في وجهي وتخبرني ألا أتدخل وأن هذا الأمر لا يعنيني.

سألت لين بعد أن دونت كلمات الفتاة:

_ألم تلاحظي أي شيء غريب قد يقودنا لطرف الخيط؟

نفت الأخرى وهي تفكر فتنهد لين بضيق وحدثت نفسها بهمس:  «لو كان لادن هنا!»  ثم نفت برأسها بقوة طاردة هذه الفكرة مما سبب استغراب الفتاتان، فتبسمت لين بخجل وقالت محاولة إعادة تركيزها:

_هل كان لأمك أي أصدقاء؟

هزت كتفيها بقصد (لا أعلم) فسألت رنيم:

_هل تعمل في مكان ما؟

_كلا.

تبادلت الصديقتان النظرات في حيرة وكلاهما تريدان الاتصال بشقيقهما للمساعدة لكنهما قد قررتا سابقا حل هذه المعضلة دون مساعدة فرد من الشرطة لذا استمرت لين في طرح الأسئلة:

_قلتِ أن والدتك بدت أكثر غرابة، كيف ذلك؟ أقصد كيف تتصرف مثلا؟

3

أجابت الأخرى وعيناها معلقتان في السقف وكأنها تحاول استرجاع ذكرياتها:

_تغضب بسرعة، تأكل الكثير من الأدوية دون وصفة طبية، عندما تنفذ الأدوية تصاب بنوبات غضب جنونية، قد تحطم ما تجده أمامها.

ابتلعت ريقها وتابعت بقلق:

1

_أحيانا تعود ببعض المال وإن سألتها عن مكان حصولها عليه ترفض إخباري.

تأثرت رنيم فدمعت عيناها حزنا على حال زميلتها وأمها في حين حاولت لين التماسك فهي الآن ترى نفسها محققة ولا مجال للتعاطف هنا.

سألت بصوت شابه بعض التردد خشية أن يكون السؤال لاذعا:

1

_عذرا آنسة عبير، ولكن من أين تحصلين أنت على المال لسد نفاقتك؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2

١: قضية السرقة هي الجزء الثاني من سلسلة ثنائي العدالة والتي بعنوان «في الضوء».

انتهى الفصل🤭

ما رأيكم؟

كيف الحماس للفصل القادم؟

من وجهة نظركم، هل فعلت لين ورنيم الصواب بعدم إخبار شقيقيهما؟

2

ماذا عن توقعاتكم في ما سيجري مع لادن وعمران؟ 👀

2

أحداث نارية بانتظاركم فترقبوا يوم الأحد القادم🤭

2

بما أنكم وصلتم إلى هنا، تابعوا الحساب وضعوا تفاعلا وتعليقا لطيفا فبكم أستمر🎀

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين ينكسر الصمت

المؤلف البروء
2025/08/31 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة