ألديك فوبيا من المسدس؟

ألديك فوبيا من المسدس؟

30 0

كان عمران يقف بتردد أخفاه تحت نظرة جامدة، ينظر للادن بعينين مترقبتين القادم، انتظره ليتحدث رغم أنه من عليه البدء...

لم يخفَ على الآخر ذلك فابتسم بهدوء وبادر الحديث قائلا بعد السلام:

_سعيد أنك بخير أيها المحقق عِمران.

صُدم عِمران لوهلة، نظر له غير مستوعب، من عليه أن يقول هذه الكلمات من الأساس؟ المصاب أم الناجي؟

2

ولكنه عِمران المتمرس في إخفاء حقيقة مشاعره؛ رسم ابتسامة جانبية على ثغره تبعها بلكنة ساخرة يظنها السامع أنها موجهة لـ لادن لكن الحقيقة عكس ذلك تماما:

_أنا من علي قول ذلك.

رفع الآخر حاجبيه متعجبا مع ابتسامة معكوسة وأشار بيده لزائره أن يقترب.

ثبت عِمران في مكانه لوهلة ثم تحرك بخُطى ثابتة نحو لادن وسلمه الهاتف فنطق لادن ضاربا جبينه بكف يده معلقا بنبرة عفوية:

_نسيته تماما.

زفر الآخ بضيق ولم يتحدث فتابع المحقق المصاب مع ابتسامة جانبية وهو يرى عدد المكالمات من شقيقته وقد لاحظ أن المكالمة الأخيرة استمرت لدقائق فنظر لعِمران الذي هز كتفيه بلا مبالاة وهو يهم بالجلوس على الكرسي ويفسر له:

_لا سبب منطقي لردي عليها، ولكن هذا ما أملاه عقلي وما رأيته صوابا (تابع معلقا عينيه في عيني الآخر قائلا بجدية)  كل ما قلته هو أنك مشغول لم تأخذ هاتفك معك... لا شيء غير ذلك، ثم إنها عندما سمعت صوتي التزمت الصمت ولم تتحدث مجددا.

مر طيف ابتسامة على ثغره وأشاح بنظره نحو النافذة قائلا بنبرة واثقة لم تخفَ على الآخر:

_أثق بكما.

2

لم يُفاجأ عِمران بل توقع ردا كهذا، فحتى إن لم يقل هذه الجملة فيسقول مثلا «أثق بأختي»، لذا علق بهدوء بعد أنا أزاح نظراته عن لادن وصوبها حيث ينظر الآخر:

_لا عمل للشيطان غير تضليلنا.

رمقه الآخر بطرف عينيه مع ابتسامة جانبية ولم يعلق فتابع بذات النبرة:

_لن أمنعك من أن تثق بأختك، لكن كيف تثق بزميلك الذي لا تربطك بها رابطة غير العمل؟

أجابه ببساطة ونبرة رزينة دون الإشاحة بنظره عن الحديقة خلف النافذة:

_محقق مبدؤه تطبيق شرع الله يستحيل أن يفعل ما ينافي مبدأه.

ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتي عمران لم يستطع إخفاءها، فكيف لمحقق كلادن أن يهتم بالمظاهر فقط؟

1

علق متهكما:

_إبليس أغوى آدم-عليه السلام- وزين له الشجرة من شجرة محرمة لشجرة الخلد.

التفت لادن بوجهه تجاه زميله وقال بنبرة واثقة لا يزعزها شيء كجبل لا يهتز، فقد فهم ما يرمي له الآخر، لم يقصد بكلامته المعنى الحرفي لقصة النبي آدم وإبليس، بل قصد شيئا آخر، ربما تحريك الغيرة داخله مثلا؟

1

_نُخطِئ نعم، لكن خير الخطائين التوابين.

ضحك ممازحا:

_ما الذي فعلته بأختي يا رجل؟ 

1

سرت قشعريرة في جسد عِمران، لم مزحة كهذه من لادن، صمت وابتلع ريقه، لم يجد كلمات مناسبة للرد، فهو من بدأ واستدرجه بكلام، ومما قالت العرب قديما:  البادئ أظلم.

1

أخذ يراقب تعابير وجه الآخر متفرسا وباحثا عن أي كلمات أخرى، فلاحظ أن ابتسامته بدأت تتلاشى شيئا فشيئا وكأنها تودع وجهه مرغمة على الرحيل، خرج صوته بهدوء غريب فجأة وقلب الأجواء المازحة للتو إلى جو هادئ وجدي:

_عِمران، لي سؤال، ربما منزلتي عندك لا تسمح بطرحه لذا يمكنك الاحتفاظ بالإجابة.

_قل وسأحدد.

1

حدق فيه بعينين جادتين وحاجبين مقترنين وهو يُلقي بسؤاله:

_ألديك فوبيا من استخدام المسدس؟

1

تجمدت أطرافه عند سماع السؤال، إنه أسوأ سؤال قد يتوقعه، لم يرغب بالإجابة، وكان واثقا أنه ليس ملزما بها رغم علمه أن رد فعله هذه وحدها اكتفت بفضحه، لذا قال دافعا الصدمة من وجهه ليحل مكانها قناع الجمود:

1

_لست مرغما على الإجابة صحيح؟

أجاب لادن مبتسما:

_بلى، لست كذلك.

تهرب عمران من هذا الجو المتوتر بقوله وهو يهم بالمغادرة وملامح الجدية تسود وجهه:

_جيد أنك بخير، سأغادر الآن، عن إذنك.

1

خرج بخطى سريعة من المشفى، ثم توجه إلى موقف السيارات حيث ركن سيارته، وعن بعد فتحها بزر فك القفل، ثم تقدم وصعد.

وضع هاتفه جانبا ثم شغل السيارة وانطلق عائدا للمنزل فقد أظلم الأفق وأسدل الليل عباءته.

وفي حين قيادته وصلته رسالة من أخته ففتح الهاتف ببصمة وجهه حتى لا يفقد تركيزه في القيادة، فإذا بمضمون الرسالة أغراض ناقصة للبيت.

1

ركن سيارته على جانب الطريق وقرأ ما يجب عليه إحضاره، تفقد بطاقته المصرفية وأيضا جيبه عله يجد بعض المال معه، فاطمأن لذلك ونزل للأسواق يتبضع ما نقص لديهم.

اعتاد التصرف كرب البيت بعد موت والده، فرغم صغر سنه وقتها إلا أنه تحمل مسؤولية عائلته، عمل في مقاهٍ بدوام جزئي، حتى تخرج من كلية الشرطة فبدأ يعمل كمحقق جنائي.

1

بعد انتهائه عاد للمنزل، تنهد بارتياح وهو يخرج من سيارته، لا لوم عليه، فقد كان يوما حافلا حقا.

2

من جهة أخرى...

استقرت سيارة رمادية من نوع  GMC عائلية، نزل منها رجل في بداية الخمسينات مع زوجته التي قاربت دخول عقدها الخامس، وابنته ذات السبعة عشر عاما، كانت تسير بخطوات سريعة لترى شقيقها المصاب، حاولت كتم غضبها، فقد حدث نقاش طويل بينهما وبين والديها بسبب عدم إخبراها بما جرى منذ البداية، بل أخفيا عنها لساعات طويلة، كانت تسير متجاوزة كل شيء، لا تدقق في تفاصيل المكان كما اعتادت أن تفعل حيث تأخذها قدمها.

2

كان ما يشغل تفكيرها «لادن»  فقط، لا غير، القلق ينهشها، والخوف يملأ قلبها، عينان وجلتان تبحثان عن غرفة شقيقها...

ابتلعت ريقها عندما وقفت أمام باب الغرفة، كأن الوقت قد توقف ردهة من الزمن، أخذت تحاول التنفس بانتظام حتى لا ترتكب أي حماقة، حبست دموعها وطرقت ثم أدارت المقبض ببطء، وما إن رأته حتى ركضت تجاهه واحتضنت رقبته بيديها وقد أخذت دموعها مفتاح الهرب من سجن عينيها، فانسابت بحرارتها على خديها لتفسد مظهر نقابها الأسود.

1

لم تتحدث، لكن دموعها فعلت، ابتعدت عنه وحدقت في مكان الجرح، كانت شفتاها ترتجف نتيجة البكاء، لم تستطع كبح نفسها أكثر، انهارت بكل ما تحمله الكلمة من معناها القاسي، لم تكن لتتوقع أن من تستمد منه قوتها ستراه في حال كهذا، عقلها لم يكتفِ بالتفكير في الحاضر، بل بدأ تضع احتمالات مستقبلية، كـ«ماذا لو كانت إصابته بليغة؟ ماذا لو مات لادن؟!»

1

تحامل الآخر على ألمه الذي عاد فيبدو أن مفعول المسكن بدأ بالتلاشي، أخذ يمسح على رأسها بهدوء ليطمئنها، ليهدئ رجفة قلبها المفزوع.

دخل والديه عليهما وصدما، فقد نبهاها جيدا أن تبقى بعيدة عن شقيقها حتى لا تؤلمه، لكنها لم تستطع، وكيف تستطيع وهي ترى سندها في هذه الحالة؟

1

أشار لهما لادن «أن لا بأس»، ثم أبعدها بلطف ومسح دموعها وهو يقول بابتسامة صغيرة:

_يكفي بكاء ليلي، لقد أفسدت نقابك بالدموع.

2

تجاهلت كلماته ونظرت له بعينين تسجنان بعض الدموع وسألته بصوت مخنوق:

_لِم لَم تخبرني منذ البداية؟

_لم أرد إقلاقك.

_أحمق!  (تابعت بغضب مكتوم) تعاهدنا ألا نخفي شيئا عن بعضنا البعض مهما كان!

1

ابتسم بجانبية وحدق فيها لثوانِ مردفا بنبرة حذقة تحمل بعض المكر:

_إذا لمَ لمْ تخبريني ما تخططين له اليوم؟

1

توترت وازدردت ريقها تحاول البحث عن كلمات مناسبة فقد أوقعت نفسها في شباكه مجددا:

_بخصوص هذا...(شابكت أصابعها) أخبرت نفسي أنني لو حللت القضية وحدي ستكون فخورا بي.

1

_قضية؟  (رفع حاجبيه باستنكار)

_نعم، لقد خرجت الأمور عن السيطرة قليلا، لكن أظن أن صديقك تمكن من إنهائها جيدا.

_صديقي؟

_نعم، المحقق عِمران، شقيق رنيم، ألستما صديقين؟

قال بنبرة تحمل تساؤلا مع طيف ابتسامة جانبية:

_ربما، من يدري؟  (أضاف بنبرة هادئة) أيضا...

1

ليلي، أنا فخور بك دائما، لذا لا تدخلي نفسك في متاهات التحقيق الفردي، ففي التعاون قوة.

من جهة أخرى...

دلف عِمران المنزل مُثقلا بهموم التعب، ولكن ليس وكأن ذلك بدا عليه، استقبلته شقيقته وأخذت منه الحاجيات في حين ذهب هو لغرفته دون قول حرف، أخذ حماما سريعا وبدل ملابسه لملابس أكثر راحة، قميص أسود واسع مع بنطال أبيض، ثم جفف شعره وذهب لغرفة والدته...

_كيف كان يومك؟  (سألته بحنان)

_الحمد لله.

1

ابتسمت بدفء قائلة:

_آسفة لما سببته شقيقتك وصديقاتها اليوم، كان عليهم إخبار الشرطة منذ البداية.

نفى:

_لم تفعلي شيئا لتعتذري يا أمي، ثم إنهن نوين المساعدة فقط.

1

_حفظك الله يا بني!

_وحفظك لنا يا أمي (تابع بنبرته المعتادة) سأتفقد رنيم، لدي بعض الأسئلة لها.

ضحكت والدته بخفة:

_محقق في المنزل أيضا.

اكتفى برسم ابتسامة صغيرة على ثغره وغادر متوجها نحو رنيم؛ حيث كانت تعد العشاء في المطبخ وهي تتمتم ببعض الآيات من سورة طه تحديدا من آية {واجعل لي وزيرا من أهلي}

1

وقف يتأملها ويستمع لقرائتها دون أن تنتبه له، كانت تقرأ بهدوء وتأني، وعندما تلت الآية {اشدد به أزري} ارتجف صوتها واهتز وقد لاحظ عِمران ذلك بالإضافة إلى يدها التي بدت كأنها تمسح دمعات خائنة، كان يراقبها بصمت كي لا تنتبه له فتتوتر، أراد سؤالها عن سبب بكائها لكنه آثر الصمت على ذاك، ربما لشعوره أنه السبب...

2

أكملت ما كانت تفعله في تلك الجهة لتلتفت فإذا بعمران يقف أمامها يحدق فيها بوجهه الجامد الذي يخفي خلفه مشاعر مضطربة، ما بين تأنيب ضمير على تقصيره في حق عائلته، وما بين لوم نفسه بسبب ما حدث مع لادن، وبين غضبه لعدم تجاوزه حادثة والده المشوشة التي لا زالت ندبة في قلبه، وقيدا يقيده ويعيقه في عمله.

1

سألته بتوتر محاولة إخفاء نبرة صوتها وحزنها لكن كان قد فات الأوان:

_هـ. هـ. هل تحتاج شيئا أخي؟

1

تجاهل سؤالها وتقدم نحوها بخطى ثابتة وأطلق عليها سهم سؤال اخترقها بنبرة تكرهها جدا، نبرته الباردة تلك، التي لا يملك سواها ونبرة التهكم:

_أتكرهين وجودي أم تخافينه؟

2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى الفصل🤭

انتظروني في الفصل الأخير🔥

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين ينكسر الصمت

المؤلف البروء
2025/08/31 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة