ليل مدريد خافتٌ ومُتربّص.
كانت الأرصفة مبلّلة ببقايا مطر لم يُعلن عن نفسه، والريح تهدهد الأشجار كأصوات هامسة لا تُفهم... تمامًا كقلق روزاليا.
خرجت من المركز بعد دقائق من مغادرة سلفادور، لكن تلك الدقائق كانت كافية لتُشعل حدسها.
كان شيء ما في نبرة صوته... في ظله وهو يبتعد... يدعوها للشك.
راقبته من بعيد، خطواته تتجه نحو زقاق ضيّق، لا تراه .
ترددت... لكن شيئًا بداخلها قادها للمضي، خفيفة، صامتة كظلٍ خائف.
توقف سلفادور عند زاوية بين بنايتين، حيث لا تصله أنوار الشارع، ولا تمرّ من هناك خطوات عابرة.
أخرج هاتفه وأجابه، بصوت خفيض مشوب بالغضب:
"ما الذي تفكرين به الآن...؟ وإلى ماذا تسعين؟"
صمت.
كان صمته مؤلمًا أكثر من كلماته. كأنّه يُنصت لشبحٍ يذكّره بماضٍ لم يُدفن.
ثم قال:
"كلا... لا يوجد بيننا شيء من هذا الهراء.
ما الذي... انسى "
كلماته لم تكن واضحة بالنسبة لروزاليا، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يتقلّص.
من تكون؟ ما هذه اللهجة؟ ولماذا كان صوته... مُرتجفًا؟
أدارت ظهرها بخفة، عادت أدراجها، بينما ظلال الشك تتبعها كصوت الريح خلفها.
---
الطريق إلى المنزل كان أطول من المعتاد.
خطواتها ثقيلة، وعقلها غارق في دوامات من الأسئلة.
سلفادور... ما الذي تُخفيه؟
ومن تلك المرأة؟
وهل هذا له علاقة بالقاتل؟
أم... بشيء أقدم من ذلك؟
ازدادت سرعة أنفاسها مع كل فكرة.
لم تشعر إلا وهي أمام باب شقتها، في ذلك الحيّ القديم المتفرّع من قلب مدريد.
كانت شقتها تقع في الطابق الثاني من بناية حجرية تعود للقرن الماضي، لها شرفتان صغيرتان تطلان على الشارع، وإطار الباب الخشبي العتيق تحيط به نباتات جافة نبتت في شقوق الجدران.
مدّت يدها بالمفتاح...
ثم تجمّدت.
عند العتبة، وُضعت وردة حمراء قانية، بجانبها ورقة مطويّة بعناية.
انحنت، التقطت الورقة بيد مرتجفة، وفتحتها...
الكلمات نُحتت بخط حادّ، يشبه جرحًا على الورق:
"لا تبكِ... عندما تحترقين.
فأنتِ من اختار اللعب بالنار.
- G."
شهقت روزاليا، الورقة ترتجف بين أصابعها.
لم تستوعب للحظة... ثم أمسكت هاتفها، ضغطت على اسم لوكا، يدها بالكاد تصيب الشاشة.
"لوكا... جورج كان هنا."
"ماذا؟!!"
"وجدت ورقة... ووردة. على باب منزلي."
"ابقِي مكانك. أنا قادم. لا تفتحي لأيّ أحد. روزاليا، هل تسمعينني؟ لا تتحركي!"
أنهت المكالمة، وقلبها يدق كأجراس إنذار.
دخلت بسرعة، أغلقت الباب جيدًا، وأسدلت القفل العلوي والسلسلة.
استدارت تستند إلى الباب، الوردة في يد والرسالة في الأخرى.
اللعنة... هل كان هنا؟
هل راقبني؟
كم اقترب؟... وكم سأصمد؟
تقدّمت في الممر القصير حتى وصلت إلى غرفة المعيشة.
منزلها بسيط، يحمل لمسة أنثوية دافئة رغم برودة الليل.
أرضية خشبية قاتمة، ستائر خضراء زيتية ثقيلة، أريكة مكسوة بالمخمل الرمادي، وطاولة عليها كتب مفتوحة، وأكواب لم تُغسل من الليلة الماضية.
رائحة القهوة الباردة امتزجت برائحة الورد... وشيء آخر لا يُسمى: الخوف.
جلست على الأريكة، وضعت الورقة أمامها، والوردة بجانبها...
حدّقت فيهما، وكأنها تنتظر أن يتكلما من تلقاء نفسيهما.
وفجأهطرق بتب الشقة بعنف!
صوت خطوات روزاليا مسرعة، كانت مرتعشه و خفيفة ، تتجه نحو الباب بسرعة.
شهقت روزاليا، قلبها ارتفع إلى حلقها، قبل أن تسمع صوته:
"روزالياااا!"
صرخة لوكا كانت مملوءة بالذعر.
ردّت بسرعة، رغم ارتجاف صوتها: - "أنا هنا!"
ثُم فتحت أقفال الباب و فتحته
دخل لوكا بخطوات سريعة، عيناه تجولان في أنحاء روزاليا يبحث عن اي آذى أصابها .
اتجه نحوها، ركع أمامها قليلاً حتى يتسنى له الوصول لطولها ، يُمسك كتفيها، يحدّق في عينيها.
"هل أنتِ بخير؟ هل لامسكِ أحد؟ هل اقترب منك؟ هل دخل؟"
"أنا بخير، أقسم... أنا بخير، فقط... خِفت."
نظر إلى الورقة، ثم إلى الوردة.
أخذها ببطء، وقرأ ما كُتب.
"اللعنة... إنه يراقبنا."
ثم احتضنها فجأة، يضمها بقوة وكأنّه يريد أن يخفيها عن العالم، عن جورج، عن كل شيء.
"ظننتُ للحظة... أنه سبقني إليكِ. كنت خائفًا، روزاليا. لا تعرفين كم كنت خائفًا..."
همس بها، ودفن وجهه في شعرها، وهي تشعر بنبضه يكاد يخرق قميصه.
تمتمت بصوت خافت: - "أنا بخير، لوكا... لا تقلق. لم يكن هناك سوى ورقة... وتهديد."
ابتعد قليلًا، عينيه تغليان بالغضب، وأمسك الورقة بإحكام.
قالت له بهدوء وهي تشير للوردة: - "لا شيء... فقط وجدت هذه على عتبة الباب."
أخذ لوكا الورقة والوردة من يد روزاليا ببطء، وكأنّهما شيء هشّ وقاتل في آنٍ واحد.
تمعّن فيهما، نظرته فاحصة، عيناه تمشيان على الكلمات كمن يقرأ ما وراء الحروف:
"لا تبكِ عندما تحترقين... لأنكِ تلعبين بالنار."
زمّ شفتيه، ثم وضعهما على الطاولة بجانبه، وأخرج هاتفه بسرعة، ضغط على اسم "سلفادور"، ثم قال فور أن أُجيب عليه:
"علينا أن نتحدث. جورج ترك رسالة تهديد واضحة عند منزل روزاليا. وردة حمراء، وكلمات مشفّرة... تعال فورًا."
أغلق الهاتف، ثم التفت نحو روزاليا، نبرة صوته هدأت:
"هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بشيء غير طبيعي؟ أي أحد اقترب منكِ؟"
هزّت رأسها ببطء، ثم قالت بنبرة هادئة:
"لا تقلق... أنا بخير، فقط القليل من التوتر."
نهضت، جمعت ملفاتها المتناثرة على الطاولة، وضعتها جانبًا، ثم حملت أكواب القهوة إلى المطبخ. كل حركة كانت محاولة لتستعيد السيطرة على نبضها المرتبك.
عادت وجلست بجانبه مجددًا، بالكاد مرت دقائق حتى فُتح الباب فجأة، وظهر سلفادور بخطوات سريعة ونظرات قلقة.
"روزاليا! هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟"
رفعت رأسها ونظرت إلى سواد عينيه، فيها من القلق ما يكفي لتنهار قلوب أهدأ الرجال، لكنها ردّت بابتسامة صغيرة، وإيماءة رقيقة:
"أنا بخير، لا تقلق... فقط رسالة ووردة."
تحوّل نظر سلفادور نحو لوكا:
"ماذا وجدت؟"
ناول لوكا الورقة والوردة، فمسكهما سلفادور بحذر. حدّق فيهما مطوّلًا، قبل أن يمدّ يده داخل معطفه الأسود، ويُخرج كيسًا شفافًا محكم الإغلاق.
وضع الوردة والورقة داخله، ثم أغلق الكيس بعناية:
"يجب أن تُحوّل للتحقيق، قد نجد شيئًا... أي أثر، أي بصمة، حتى لو كان وهماً."
ثم التفت إلى روزاليا، وابتسم بلطفٍ نادر:
"عليك الانتباه، ولا تبقي وحدك في المنزل. ولا تسيري بمفردك في الليل. الوضع خطير، يا روزاليا."
أزاحت خصلة متمردة من شعرها خلف أذنها، ثم قالت بابتسامة صغيرة:
"بالطبع... لا داعي للخوف."
لكن لوكا انتفض واقفًا فجأة، وجهه صارم ونبرته لا تحتمل نقاشًا:
"روزاليا، ستذهبين معي الآن. ستبقين في منزلي. لن تبقي هنا بمفردك بعد اليوم. يجب أن تكوني تحت أنظاري."
"لوكا... لا داعي لذلك. سأكون بخير، وسأنتبه-"
قاطعها بصوت حادّ:
"كلا! هكذا لن أرتاح. لا يهم رأيكِ الآن، هذا قرار."
لكن سلفادور تدخّل بضحكة صغيرة وهو يرفع يده:
"سأقوم بإبلاغ القسم لوضع حماية خاصة لكِ. رسميًا ستكونين في موضع خطر. لذا لا تقلقي، عزيزتي، سيتبعونك فحسب لحمايتك ."
رمقته روزاليا بنظرة امتنان، ثم ابتسمت له.
لكن لوكا لم يهدأ، قال بجدية:
"هذا لا يكفي. هيا، روزاليا... احزمي أغراضك."
ابتسم سلفادور وهو يقول:
"لوكا عندما يتخذ قرارًا، فالأفضل أن تطيعيه. اذهبي معه فعلًا، سنشعر بالاطمئنان أكثر."
ثم نظر إلى لوكا وأضاف:
"سأذهب الآن لتحليل الورقة والوردة. اتصلوا بي فور حدوث أي شيء."
"خير ما فعلت، سلفادور."
بعدها، اقترب لوكا من روزاليا، أمسك بحقيبة صغيرة من الخزانة، وبدأ في حزم أغراضها بنفسه، يتمتم بغضبٍ منخفض:
"لماذا لا أحد يستمع إليّ؟ لماذا الكل يستخف بالخطر؟ الوضع جاد"
رفعت روزاليا حاجبها بدهشة وهي تراقبه، ثم قالت ضاحكة:
"هل ستفعل كل شيء وحدك؟"
نظر إليها، ثم أمال رأسه وقال ساخرًا بلذاعه:
"ألن تساعديني؟"
تقدّمت بسرعة، وبدأت تضع الأغراض في الحقيبة معه. لم يكن هناك كثير من الوقت للتفكير، فقط تجهيز سريع، قلبان ينبضان بالقلق، وأيادٍ تتحرك بثبات زائف.
بعد قليل...
خرجت معه من المنزل، أغلقته جيدًا، أعطته نظرة وداع أخيرة، وكأنها تقول لذات المكان:
ابقَ آمنًا حتى أعود... إن عدت.
وضع لوكا الحقيبة في صندوق السيارة، ثم فتح لها الباب، جلست بجانبه بصمت.
لم تتكلم، فقط أغمضت عينيها، أسندت رأسها على ظهر المقعد، وأنفاسها تتباطأ رويدًا.
السيارة تشق طريقها في شوارع مدريد الهادئة، وأضواء الأعمدة تتوالى على زجاج النوافذ، كأنها نجوم تهرب على الإسفلت.
شعر بحركتها، نظر إليها من طرف عينه، ثم مدّ يده اليمنى، أمسك يدها بلطف، بينما يده الأخرى ما تزال ممسكة بالمقود.
سألها بنبرة لينة، وعيناه الخضراوان تنعكس فيهما أنوار الشارع:
"هل أنتِ خائفة؟"
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه بابتسامة هادئة، ثم هزّت رأسها نفيًا، وأمالته إلى الخلف بخفة، وكأنها تقول:
"طالما أنت هنا... لا داعي للخوف."
وصلت السيارة إلى حيّ سكنيّ هادئ على أطراف مدريد.
شوارع نظيفة، مصابيح مصفوفة كأنها تقف تحرس المكان، والهواء الليليّ كان بارداً قليلاً، يحمل معه رائحة الخزامى من الحدائق المحيطة.
أوقف لوكا السيارة أمام منزل متوسط الحجم، بنيّ اللون، مصمم على الطراز الإسباني الحديث.
كانت النوافذ ذات أقواس، والبوابة من حديد أسود مشغول بنقوش أنيقة.
نزل أولًا، ثم فتح الباب لها. روزاليا نزلت بخطى هادئة، لكن عيناها كانتا تتفقدان المكان كأنها تدخل عالماً جديدًا.
فتح لوكا البوابة، ودلفا معًا.
المنزل من الداخل واسع ودافئ.
الجدران مطلية بألوان ترابية ناعمة، أرضية خشبية تلمع بنعومة، وستائر رمادية ثقيلة تنسدل على النوافذ، والضوء في الداخل خافت ومريح.
في الركن، مدفأة حجرية غير مشتعلة، وفوقها رفّ يحمل صورًا مؤطرة... أغلبها طبيعة، وبعضها شخصيات عائلته، و هُناك صوره لهم سوياً أيضاً،إبتسم عندما رأتها مجدداً في كل مره تراها .
قال لوكا وهو يضع مفاتيحه على الطاولة قرب المدخل:
"أهلاً بكِ في مقر الحماية المؤقت."
ثم نظر لها بنظرة جانبية وأكمل بنبرة مرحة:
"ولا تقلقي، لا يوجد أي شبح هنا... فقط أنا."
ابتسمت روزاليا بخفة، وقالت:
"يكفي أن يكون صوتك موجودًا... لأشعر أنني لست في مكان غريب."
أشار إلى الممر الجانبي:
- "غرفتك في آخر الممر، حسناً أنتِ تعرفين جميع تفاصيل المنزل، إستمتعي بوقتك ."
خلعت حذاءها عند الباب بهدوء، وعلّقت معطفها على الشماعة. مشَت في المنزل بخطوات خفيفة، تتفقد تفاصيله، وكأنها تقرأه لأول مره .
مرّت يدها بخفة على حافة المدفأة، تأملت إحدى الصور - االصورة التي تجمعهم كانت قديمة و كانت عندما كانوا في سن المراهقه مع اُم روزاليا في نزهة تخييم في الغابة ، صورة جميلة تحت ذكريات دافئة
ثم التفتت وقالت له:
"هذه الصورة كأنها بوابه زمنية، كل مااتأملها تعود بي ذكرياتي إلى ذلك اليوم ."
أومأ لوكا برأسه، وقال بنبرة أكثر جدية:
"أردتُ مكانًا كهذا بعد أول جريمة توليتها. الناس لا يفهمون... نحن لا نحمل الجثث فقط في الملفات، بل نُعيد حملها كل ليلة في أحلامنا."
سكتت روزاليا، ثم قالت بهدوء:
"لهذا أتيتَ بي هنا؟ كي لا تحمِلني كذكرى؟"
اقترب منها بخطوة، نظر في عينيها مباشرة، وصوته كان ناعماً:
- "أتيت بكِ لأني لا أريدك أن تكوني رقماً على لوحة ضحايا جورج."
في تلك اللحظة، شعرت روزاليا بشيء ثقيل يذوب في صدرها... ليست دموعًا، ولا خوفًا، بل خليطٌ غامض من الارتياح والتوتر.
قالت وهي تسير باتجاه المطبخ:
- "هل لديك شاي؟ أظنني أحتاجه أكثر من القهوة الليلة."
ابتسم لوكا، وتبِعها إلى المطبخ.
بعد دقائق...
جلست على الكرسي الخشبي قرب الطاولة، وكوب الشاي الدافئ بين يديها. بخار المشروب يتصاعد ببطء، يبلّل وجهها بالهدوء.
كان لوكا واقفًا عند المجلى، يملأ كوبه بالماء، قبل أن يستدير ويجلس أمامها.
"هل تفكرين فيما كُتب في الرسالة؟"
أجابت، وهي تحدّق في الكوب:
"لا فقط ما كُتب... بل لماذا الآن؟ لماذا أنا؟"
قال ببطء وهو يُمسك بيدها يُربت عليها:
- "لأنه يعرف أننا اقتربنا... وربما أكثر مما نظن."
هزّت رأسها، ثم نظرت إليه وهمست:
- "لوكا... إن كنت سأحترق، فأريد أن أعرف السبب. لا أريد أن أكون ضحيّة تمرّ مرور الكرام في عقله المريض."
ثم سكتت، وكأنها ندمت على الإفصاح.
لكنه نظر لها بثبات، وقال بنبرة دافئة لكنها قوية:
- "لن تكوني ضحية، روزاليا. أنا هنا و القانون كذلك ... ولن أسمح له بذلك. لن نمنحه تلك المتعة."
ساد بينهما صمت، لا خوف فيه، بل تعاهد غير منطوق.
ثم قالت روزاليا بابتسامة صغيرة:
"هل لي أن أذهب لأنام؟ عقلي مُنهك."
"بالطبع... سأبقى في الصالة قليلاً إن احتجتِ شيئًا."
نهضت، وحملت كوبها معها، خطت نحو الممر بهدوء، وقبل أن تدخل غرفتها، التفتت نحوه:
"شكرًا لأنك لم تتركني وحدي."
رد بصوته الدافئ:
"لن أفعل."
أغلقت الباب خلفها، بينما بقي لوكا جالسًا على الكرسي، يُحدّق في النقطة التي اختفت منها... وكأنّه يرى خيطًا خفيًا بينه وبينها، يشدّهما إلى مصير لا يعرفان بعد شكله.
صوت خطوات "سلفادور توريز" كان يتردد في الممر الطويل، الرخام المصقول يعكس وهج الأضواء البيضاء الباهتة.
وصل إلى باب زجاجي كُتب عليه:
"قسم الأدلة الجنائية - وحدة التحليل المتقدم"
طرَق الباب ثلاث طرقات خفيفة، قبل أن يُفتح من الداخل.
ظهر رجل في الأربعينات، قصير القامة، أصلع، يرتدي نظارات طبية سميكة، وقميصًا أبيض تحته معطف رمادي طويل.
رفَع نظره وقال بابتسامة هادئة:
"أوه، المحقق توريز... دائمًا تحمل شيئًا مثيرًا."
رد سلفادور بنبرة جادة:
"آمل أن لا يكون مثيرًا كما تعتقد، بيدرو. هذا... مختلف."
أخرج الكيس الشفاف من معطفه، وناوله إياه.
"ورقة، ووردة. وُجدتا عند عتبة منزل إحدى المحققات في ملف جورج. الورقة كُتب عليها عبارة موقّعة باسمه. والوردة... لا أعلم، لدي شعور سيء بشأنها."
تناول بيدرو الكيس، رفع الوردة بحذر باستخدام ملقط معدني، نظر إليها بدقة ثم قال:
"الوردة نضرة... أكثر من اللازم، كأنها مقطوفة قبل دقائق فقط."
ثم فتح الورقة، قرأ العبارة بنبرة منخفضة:
"لا تبكي عندما تحترقين... لأنك تلعبين بالنار - G"
ارتسمت على وجهه علامة استفهام:
"تهديد ناعم... كلاسيكي. لكن الخط جميل جداً... هذا القاتل يعرف ما يفعله."
أخذ الأدلة ودخل لغرفة التحليل، تاركًا سلفادور ينتظر في الخارج.
______
جلس سلفادور على أحد المقاعد الجلدية، قرب الجدار...
يضع مرفقيه على ركبتيه، ويشبّك يديه تحت ذقنه.
عقله في مكان، وعيناه في مكان آخر.
في الخارج، كانت أصوات آلات التحليل تهمس.
في الداخل، ذاكرته تصرخ.
تذكر المعرض الأول الذي شهد فيه لوحة تحمل جملة شبيهة.
تذكر وجه امرأة شقراء كانت تضحك وهي تهمس له:
"أحيانًا الفن يجرح أكثر من السلاح..."
زفر بقوة، وأغلق عينيه للحظة.
خرج بيدرو بعد دقائق، يحمل ورقة ملاحظات صغيرة:
"سلفادور، اسمع..."
نهض فورًا واقترب منه.
"تحليل أولي للورقة: هناك بصمة واحدة جزئية، غير مكتملة... قد تكون مقصودة، سنحتاج وقتًا لتحليلها بشكل دقيق."
أومأ سلفادور بهدوء.
"والوردة؟"
"هنا الغرابة... لا يوجد بها آثار DNA بشري. كأنها قُطفت بقفازات، لكن الأغرب... أنها تحتوي على أثر لمادة كيميائية دقيقة تُستخدم في تتبع الحركة عن بعد. أشبه بجهاز تعقب، لكن طبيعي."
اتسعت عينا سلفادور:
"هل تعني أنها كانت مزودة بمتابعة؟"
"نعم... وهذا متطوّر جدًا. جورج لا يترك أثارًا عبثية."
سكت لثوانٍ ثم أردف:
"سلفادور... إن كان هذا من جورج، فهو لا يُرسل وردًا عبثًا. بل يُراقب. هذه الرسالة... مراقبة، تهديد، وربما اختبار."
أومأ سلفادور، ومدّ يده يستلم التقرير المؤقت.
"احتفظ بالأدلة في الخزنة، وابلغني بأي تطور."
قال بيدرو بنبرة جادة:
"هل عليّ إبلاغ القائد؟"
هزّ سلفادور رأسه:
"ليس الآن... دعنا نرى إلى أين يقودنا هذا، أولاً."
ثم خرج من القسم بخطوات أثقل من ذي قبل...
كان يعلم أن هذه ليست سوى البداية.
الساعة: الثالثة صباحًا.
الهدوء يخيّم على بيت "لوكا سانشيز"، والنوافذ نصف مفتوحة، تسمح لهواء الليل البارد بالدخول، ممزوجًا بعطر أشجار البرتقال من الحديقة الخلفية.
في الطابق العلوي، كانت الأنوار مطفأة، باستثناء مصباح صغير على الطاولة الجانبية بجوار السرير.
"لوكا" كان مستلقٍ على ظهره، فوق غطاء السرير الرمادي الناعم.
شعره مبعثر قليلًا، صدره يتحرك ببطء، لكنه لم يكن نائمًا... بل كان غارقًا في أفكاره.
تحت عينيه ظلّ خفيف، دلالة على الأرق...
لكن شفتيه ابتسمتا فجأة... ابتسامة صغيرة، هادئة.
فكر في روزاليا...
في صوتها وهي تقول "أنا بخير لا تقلق".
في نظرتها حين وضع الورقة على الطاولة، وفي يدها المرتجفة وهي تغلق الباب خلفها.
تمتم بخفوت، كمن يلوم نفسه بابتسامة:
"دائمًا تبتسمين... حتى عندما تكونين خائفة."
ثم قلب جسده إلى الجانب، وراح ينظر نحو الفراغ...
كأنه يتمنى لو كانت قريبة.
همس لنفسه:
"كان من المفترض ألا أتعلّق بك هكذا ..."
لكنه أغمض عينيه أخيرًا، مبتسمًا، كمن وجد دفء العالم في فكرة واحدة... فقط أنها هنا، وتحت سقفه.
في الجهة الأخرى من المنزل...
داخل غرفة ناعمة الإضاءة، في غرفة هادئة نسبيًا، كانت "روزاليا" تغطّ في نومٍ قلق.
ملف القضية فوق الطاولة الخشبية، والورود الاصطناعية بجانبها تبدو شاحبة.
في نومها، قلبها لم يهدأ.
تقلّبت قليلًا، ثم فتحت عينيها نصف فتحة، تنظر نحو السقف، الضوء الخافت للشارع يتسلل عبر الستائر.
وضعت يدها على صدرها، فوق قلبها مباشرة.
نبضها كان أسرع مما يجب...
تذكّرت عيني سلفادور... نظرته حين قال لها "عليك الانتباه يا عزيزتي."
شعرت باهتزاز خفيف في أنفاسها... تمتمت:
"لماذا هو؟"
ثم أغلقت عينيها... لكنها لم تنم.
أصابعها لا تزال فوق صدرها... وكأنها تحاول تهدئة هذا القلب الذي تمرد فجأة.
"لا يمكن... لا يمكن أن يكون إعجابًا... ليس معه."
لكنها لم تستطع إنكار الشعور.
في الظلام، سكنت فجأة، ثم همست، وكأنها تعترف:
"لكنني... معجبة به."
وفي مكان آخر، كان سلفادور يحدق في تقرير بين يديه...
لكن ذهنه تائه.
ما زالت صورة تلك الشقراء أمامه، وابتسامتها تلك... الهادئة... رغم كل شيء لم يستطع تخطيها .
ثلاثة قلوب...
تدور في دائرة واحدة، لا يدري أحدهم إلى من ينتمي... ولا متى سينكسر.
صباح اليوم التالي، الساعة 9:04 صباحًا.
الشمس تلقي بلمعتها الذهبية على أرصفة مدريد، والهواء منعش رغم برودة الظلال المتسللة بين الأزقة.
خرجت روزاليا مارتينيز من منزل لوكا، ترتدي معطفًا رماديًا بسيطًا فوق فستان زيتوني ناعم، وشعرها البني المموّج مربوط بنصف رفعة مرتخية.
عيناها البنيتان تبدوان أقل توترًا من الليلة الماضية، لكنها لا تزال تراجع أفكارها في صمت.
خطواتها قادتها إلى مقهى صغير على ناصية الشارع، تحيطه أصص نباتات خضراء ويعلو منه صوت موسيقى هادئة قديمة.
جلست قرب النافذة، تطلب قهوتها المفضلة، ووضعت حقيبتها الجلدية إلى جانبها.
كانت تهمّ بتقليب دفتر ملاحظاتها عندما شعرت بيد خفيفة تربت على كتفها.
التفتت ببطء... لتجد أمامها وجهًا مألوفًا:
إيزابيلا ديلاكروز.
شعرها الأشقر كان مرفوعًا بطريقة أنيقة، وعيناها البنيتان تعكسان دفئًا غير متوقع.
ترتدي معطفًا كريمي اللون، وشالًا حريريًا بلون الخزامى.
قالت إيزابيلا بابتسامة رقيقة:
"صباح الخير... لم أتوقع أن أراكِ هنا."
ردت روزاليا بدهشة خفيفة:
"إيزابيلا! صباح النور... صدفة جميلة."
"أيمكنني الجلوس؟"
"بالطبع، يسعدني ذلك."
جلست الفتاتان مقابل بعضهما، وبدأ الحديث بلطافة: عن طقس اليوم، وعن قهوة هذا المقهى، وعن الحياة الهادئة في حيّهم الجديد.
ثم، فجأة، وكأن الفكرة قفزت في ذهنها، سألت روزاليا:
"هل تعرفين امرأة تُدعى... إليسا ديلاكروز؟"
توقفت إيزابيلا لثانية، ثم ضحكت بخفة وهي ترفع كوبها:
"بالطبع... إنها أختي الكبرى."
اتسعت عينا روزاليا قليلًا، شهقت داخليًا، لكنها أخفت دهشتها بابتسامة سريعة:
"أوه، لم أكن أعلم... أنا فقط معجبة جدًا بأعمالها. حضرت معارضها، فنانة حقيقية."
"هذا لطيف... إليسا كانت دائمًا روح العائلة الفنية ."
ضحكت روزاليا وقالت:
"يبدو أنكما تملكان ذوقًا راقيًا بطريقتين مختلفتين، الفن و الموضة ."
واستمرّ الحديث هادئًا، لطيفًا، يميل للسذاجة.
لكن في قلب روزاليا، بدأت خيوط الشك تتكوّن من جديد...
هل يمكن أن تكون هذه الصدفة... أكثر من مجرد صدفة؟
فجأة، اهتز هاتفها على الطاولة.
اتصال من: لوكا سانشيز.
اعتذرت روزاليا بأدب، ووقفت بسرعة:
"أرجو المعذرة، يجب أن أذهب. كان صباحًا جميلًا."
ابتسمت إيزابيلا:
"دائمًا يسعدني لقاؤكِ، روزاليا."
في مركز الشرطة - بعد نصف ساعة.
دلفت روزاليا بسرعة، مع خطوات خفيفة لكنها متوترة.
وجدت لوكا سانشيز ينتظرها في الممر، يقف بجسده الطويل الرياضي، شعره الأسود مصفف بعناية، وعيونه الخضراء مركزة نحوها بقلق.
قال فور رؤيتها:
"أين كنتِ؟ لماذا غادرتِ المنزل باكرًا دون أن تخبريني؟"
أجابت روزاليا، وهي تحاول التهدئة:
"كنت فقط أحتاج لبعض الهواء... وذهبت لأتناول القهوة في المقهى القريب، لم أذهب بعيدًا."
اقترب منها قليلًا، وقال بنبرة منخفضة لكنه واضحة:
"كوني حذرة، رجاءً. هذه ليست أيامًا عادية يا روزاليا... أنتِ في خطر."
أخفضت نظرها، ثم أومأت بهدوء:
"أفهم... لن أكرر ذلك، أعدك."
في تلك اللحظة، دخل سلفادور توريز إلى القسم.
كان يرتدي معطفه الأسود، وعيناه السوداوان مليئتان بذلك الهدوء الغريب الممزوج بشيءٍ داكن لا يُفسّر.
شعره الأسود مسرّح للخلف، وذقنه حلقه حديثًا، ليبدو أكثر حدة وأناقة.
ألقى التحية بنبرة واثقة:
"صباح الخير، أيها المحققان."
ردّا عليه بتحية مماثلة، ثم التفت إليهما وسأل:
"هل هناك جديد عن جورج؟"
نظرت روزاليا إليه للحظة... كانت مشاعرها مضطربة.
البارحة كانت تفكر فيه حدّ الارتباك، والآن هو هنا، يقف أمامها بنفس الغموض الذي أربك عقلها.
أجابت بتماسك:
"لا شيء بعد... لكن لدي معلومة قد تهمك."
رفع حاجبه، مهتمًا:
"تفضلي."
قالت روزاليا، وهي تعقد ذراعيها:
"تحدثت صباحًا مع فتاة تُدعى إيزابيلا ديلاكروز... وقالت إنها أخت إليسا ديلاكروز، إيزابيلا التي حدثتكم عنها سابقاً "
ساد صمت للحظة.
ثم همس سلفادور:
"ديلاكروز... مجددًا."
تبادل الثلاثة نظرات ذات معنى...
لقد بدأت خيوط اللعبة تتضح شيئًا فشيئًا...
لكن من سيتحمل الحقيقة عندما تُكشف؟
______________
مرحباً حلويني 💗👈🏻👉🏻"
كيف وجدتكم الفصل؟
توقعاتكم نحو إيزابيلا و إليسا؟ و هل يا ترى لهم علاقة بجورج؟
انتظروني في فصل جديد 🌟
𝐒𝐨𝐣𝐢𝐞 || 💎"