كانت الشرفة نصف مضاءة، يتسلل إليها ضوء خافت من مصباح الجدار، فيما كان النسيم الليلي يداعب أطراف الستائر البيضاء. وقفت روزاليا هناك، تستند إلى الدرابزين الحديدي، وعيناها البنيتان تتأملان الحديقة التي تَطُل عليها الشُرفة بصمت. شعرها البني، الذي تموّج بخفة طبيعية، كان يتطاير مع الريح، كاشفًا عن وجه ناعم تزينه بضع نقاط صغيرة من النمش فوق وجنتيها وأنفها.
كان لوكا يقف على بُعد خطوات، يتكئ بجسده الطويل إلى الحائط، وذراعاه متشابكتان. بشرته الحنطية تعكس دفء شخصيته، وشعره الأسود الكثيف بدا فوضويًا بطريقة محسوبة. أما عيناه، فكانت خضراء بلون غابة في أوائل الخريف، هادئة في ظاهرها، وعميقة حين تتمعن بها.
قالت بصوت منخفض:
"لوكا؟"
أدار وجهه نحوها، وابتسم ابتسامة بالكاد تُرى. "لم أتفاجأ بوجودك هنا."
رفعت حاجبها بدهشة خفيفة:
"حقًا؟ ولماذا؟"
أجاب وهو ينقل بصره بين ملامحها:
"لأنكِ لا تبحثين عن ضجيج الأماكن، بل عن صمتِ الأشياء."
صمتت قليلاً، ثم تمتمت:
"وهل يُزعجك صمتي؟"
هزّ رأسه برفق:
"أبدًا... في صمتك صوتٌ خاص، لا يسمعه إلا من يُصغي بقلبه."
سكتت، وقد شعرت للحظة أن نظرته تقول ما لا يجرؤ لسانه على الإفصاح به. شعرت بنوع من الحرج، فنقلت الحديث إلى وجهة أخرى:
"سلفادور... أنت تعرفه جيدًا، أليس كذلك؟"
بدت ملامح لوكا أكثر تحفظًا، ثم قال:
"أعرفه منذ زمن بعيد."
قالت روزاليا، وقد انعكست لمعة غريبة في عينيها:
"هو... غريب. فيه شيء يجذبني إليه، شيء لا أفهمه."
أخفض لوكا بصره للحظات، ثم قال بصوت هادئ:
"كان سلفادور مختلفًا. الحب غيّره."
نظرت إليه بدهشة:
"حب؟"
أومأ دون أن يضيف شيئًا، فاستفهمت بنعومة:
"أتقصد أنه... أحب من قبل؟"
قال بصوت شبه هامس:
"كانت هناك امرأة. لكنه لم يخبرني عنها كثيرًا. كل ما أعرفه... أنها تركته فجأة، واختفت دون وداع. ومنذ ذلك الحين، تغيّر."
شعرت روزاليا بانقباض صغير في صدرها، وقالت:
"ربما لهذا يبدو متحفظًا... يتجنب الجميع، حتى أنا."
رمقها لوكا بنظرة طويلة، ثم سأل بهدوء:
"وأنتِ... هل تشعرين نحوه بشيء؟"
احمر وجهها قليلًا، وأجابت وقد تجنبت عينيه:
"لا أعلم... لكن كلما تحدّث، أشعر أن قلبي ينصت له أكثر مني."
ابتسم لوكا، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل أشبه بابتسامة رجل يخفي ألمًا. نظر بعيدًا، إلى الحديقة، وقال وكأنما يحدث نفسه:
"أحيانًا، لا يكفي أن ترى من تحب سعيدًا... بل يجب أن تتعلّم كيف تخفي انكسارك كي لا تسرق منه تلك السعادة."
---
كان سلفادور في الطابق السفلي من منزل لوكا، حيث اتخذت إحدى الغرف كمكتب مؤقت للتحقيقات التي يعملون عليها. كانت الغرفة هادئة، إلا من صوت قلب الساعة القديمة على الحائط، وصوت الأوراق حين يتنقّل بينها بأصابعه الطويلة. جلس إلى طاولة خشبية، أمامه ملف جلدي داكن كُتب عليه بحروف صغيرة باهتة: "J.G."
كان قميصه الأسود يضفي على بشرته البيضاء مزيدًا من الشحوب، وعيناه السوداوان، اللتان أخفتا الكثير، تراقبان الكلمات بصمت لا يخلو من التوتر. بدا عليه الإرهاق، لكنّه كعادته، لا يظهر أي ضعف.
دخل لوكا إلى الغرفة بصمت، بشرته الحنطية انعكست على ضوء المصباح الخافت، وشعره الأسود بدا غير مرتب، فيما كانت عيناه الخضراوان تتأملان صديقه القديم بحذر.
رفع سلفادور رأسه فجأة، وقال وكأن الفكرة كانت تطوف في رأسه منذ لحظات:
"كيف حال روزاليا؟"
تفاجأ لوكا قليلاً، لكنه أجاب بهدوء:
"بخير... على ما يبدو."
قال سلفادور دون أن يحيد بنظره عن الأوراق أمامه:
"هي طيبة... أكثر مما يجب."
لم يُجب لوكا، فاكتفى سلفادور بإضافة:
"انتبه لها، لا أريد أن تتورّط بشيء لا علاقة لها به."
اقترب لوكا قليلًا، وقال بنبرة غير مباشرة:
"أتحاول حمايتها؟"
رمقه سلفادور بنظرة حادة، ثم قال:
"أحاول منع الظلام من التهام النور الذي بقي في هذا المكان... وهذا يشملها."
سحب ورقة من بين الأوراق، تفحّصها لثوانٍ، ثم قال:
"جورج لم يكن مجرّد اسم في سجل قديم... لم يكن أحد يفهمه، ولهذا ظنّوا أنه انتهى."
قال لوكا بصوت منخفض:
"ظننتُ أنك توقفت عن ملاحقته."
ابتسم سلفادور ابتسامة خافتة، بلا فرح:
"جورج لا يُلاحق... هو يُراقَب، من بعيد. تمامًا كما يفعل هو بنا."
اقترب من النافذة، وحدّق في الظلام الذي غطّى الحديقة الخارجية، ثم تمتم:
"ما حدث مؤخرًا ليس عشوائيًا... كل ضحية كانت رسالة، لا مجرد جريمة."
لوكا نظر إليه مطولًا، ثم قال:
"هل تشك أنه عاد؟"
أجابه سلفادور دون تردّد:
"أنا لا أشك... أنا أستعد."
ثم استدار نحوه، وقال بجدية:
"لوكا... مهما حدث، أبقِ روزاليا بعيدًا عن هذا. هي لا تعلم في أي هاوية نعيش... ولا أريدها أن تسقط."
هزّ لوكا رأسه موافقًا، لكنه في داخله شعر بقلقٍ يتسرّب إليه من بين كلمات صديقه، كأن شيئًا يقترب... شيئًا لا يشبه الماضي، بل أسوأ منه.
---
فجر يوم جديد
في حي هادئ على أطراف المدينة، خيّم صمت ثقيل على الشوارع، كأن الفجر تأخر عن الحضور خشية مما حدث هناك.
الشرطة تطوّق منزلًا صغيرًا، حديقته مليئة بالورود الذابلة، والنوافذ مغلقة بستائر باهتة اللون. سيارات الإسعاف توقفت، لكن لا حاجة للعجلة... فالجسد الذي وُجد بالداخل لم يكن بحاجة إلى إنقاذ.
الضحية: شابة في منتصف العشرينيات، تُدعى "كارلا"، تعمل معلمة رسم في إحدى المدارس. كانت ممددة فوق سريرها، مغطاة بملاءة حريرية بيضاء، لا آثار صراع، ولا صراخ سُمع، فقط هدوء مخيف يُحيط بجثتها.
لكن الأغرب... كان وجهها.
عيناها مفتوحتان على اتساعهما، كما لو أنها فوجئت برؤية شخص تعرفه. وعلى شفتيها بقايا ابتسامة مشوشة... هل كانت ابتسامة ثقة؟ أم خيانة؟
في يدها وردة حمراء مجففة، وُضعت بعناية، وبين أصابعها ورقة صغيرة مطويّة، كُتب فيها بخط رشيق:
"الخيانة لا تقتل الجسد... بل تقتل الروح أولًا.
كارلا، هل كنتِ تشبهينها؟
J.G."
على الحائط خلف السرير، كانت هناك لوحة رسم غير مكتملة. وعليها، بخط أحمر لامع، كُتب:
"الفن لا يُنقذ أحدًا."
التحقيق بدأ، والضباط يتبادلون النظرات، فهذه الجريمة تشبه جريمة الأسبوع الماضي... ولكن هناك شيء مختلف في هذه.
واحد من المحققين قال بصوت خافت:
"هل لاحظت؟ لمسة القاتل... أصبحت أكثر شخصية."
ولكن لا أحد يعلم أن القاتل لم يكن يتطوّر فقط... بل كان ينكشف شيئًا فشيئًا.
---
صباح اليوم التالي - موقع الجريمة
وقف سلفادور وسط الغرفة، عاقد الحاجبين، يتأمل تفاصيل المشهد بعين الخبير. نظراته كانت حادة، دقّيقة،
إلى جانبه وقفت روزاليا، تمسك بدفتر صغير، تسجّل الملاحظات التي يُمليها عليها. كانت عيناها البنيتان تدوران في المكان بفضولٍ لا يخلو من القلق، وشعرها البني المموج مربوط بنصف رفعة أنيقة، يُظهر النمش الخفيف على وجنتيها.
"لا توجد آثار اقتحام، ولا بصمات على المقبض، وهذا يعني أن الضحية كانت تعرف القاتل..." قالها سلفادور بنبرة هادئة، كما لو كان يحكي قصة، لا يحقق في جريمة.
أضاف وهو يقترب من السرير:
"وضعية الجسد... السكون، الوردة، الورقة... كل شيء هنا مقصود، لا شيء عشوائي."
روزاليا تمتمت:
"هل تعتقد أنه هو نفسه؟ نفس القاتل؟"
أجابها دون أن ينظر إليها:
"جورج؟ نعم، بل يبدو أكثر... شاعرية هذه المرة."
اقترب لوكا، وقد بدا عليه التوتر. رمش بعينيه الخضراوين وهو يحدق في اللوحة التي كُتب عليها بالدم: "الفن لا يُنقذ أحدًا."
قال ببطء:
"أتعني أنه... يعرف الضحية شخصيًا؟"
نظر إليه سلفادور لثانية طويلة، ثم قال:
"أو لعلها تُشبه من يعرفها. أحيانًا، ننتقم من صورة قديمة، لا من شخص حي."
نظرت روزاليا إلى الوردة الجافة وقالت بخفوت:
"وكأنها طقس... قاتل لا يقتل من أجل القتل، بل ليبعث برسائل..."
هزّ سلفادور رأسه، وقال:
"تمامًا، وهذا ما يجعلنا في سباق معه... هو يكتب رسالة، ونحن نحاول ترجمتها قبل أن تصل إلى ضحيتها التالية."
خرج من الغرفة فجأة، وتبعاه إلى الخارج، حيث كانت الشمس بالكاد قد بزغت. وقف في الحديقة، تنشّق الهواء، ثم قال دون أن يلتفت إليهما:
"يجب أن نفكر كأنه... لا كأننا نطارده فقط. جورج لا يترك شيئًا للصدفة."
لوكا اقترب منه وسأله فجأة، بنبرة جادة:
"هل سبق والتقيت به، شخصيًا؟"
لم يجب سلفادور مباشرة، فقط ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
"كلنا التقينا به... بأشكالٍ مختلفة. أحيانًا في شخصٍ نحبّه، وأحيانًا في وجوهنا نحن."
نظرت روزاليا إليه باستغراب، كأنها شعرت أن كلماته تنزف شيئًا من ألمه، لكنها لم تجرؤ على السؤال.
في تلك اللحظة، رنّ هاتف سلفادور، فتحه، كانت رسالة قصيرة، بلا اسم مرسل، فقط سطر واحد:
تجمد في مكانه، ثم أغلق الهاتف، وقال دون أن يلتفت:
"علينا العودة إلى المكتب."
𝐒𝐨𝐣𝐢𝐞 || 💎"