في زقاق قديم من أزقة مدريد، تتناثر مقاهٍ صغيرة تقف في وجه الزمن كأنها تنتمي إلى عصر آخر. اختار الثلاثي مقهى "إيل بوين كافيه"، مقهى عتيق يحتفظ بطابعه الكلاسيكي، جدرانه مكسوّة بصور ممثلين من الخمسينيات، ورائحة القهوة فيه تسبقه إلى الخارج كدعوةٍ صامتة لا تُقاوم.
جلسوا عند الطاولة المجاورة للنافذة، حيث يتسلل ضوء الشمس بنعومة، لينعكس على كوب روزاليا المصنوع من الخزف الأبيض، المرصّع بخطوطٍ ذهبية.
روزاليا، كانت ترتدي معطفًا كريمي اللون، مع وشاحٍ رمادي خفيف يلف عنقها، وقد رفعت شعرها إلى الأعلى بتسريحة غير متكلفة. عيناها العسليتان كانتا مليئتين بالحيوية، على الرغم من الإرهاق الخفيف الذي يلوّن أسفل جفنيها.
سلفادور بدا كعادته: رجلٌ من صخر. يرتدي سترة جلدية سوداء فوق قميص داكن، وشعره الأسود الكثيف مسرّح إلى الخلف بدقة. عيناه السوداوان لا تفصحان كثيرًا، لكنه حين يتكلم، يخترق كلماته قلب من أمامه.
أما لوكا، فكان بألوانٍ زاهية لا تليق إلا به. جاكيت أخضر زيتوني فوق تيشيرت أبيض مرسوم عليه كرتون سخيف، وحذاء رياضي لا يليق بمحقق، لكنه يلائم قلبه الساخر.
قال لوكا وهو يحرّك ملعقته في كوبه:
"تخيلوا لو أن جورج يتردد على هذا المقهى دون أن نعلم... ربما هو الجالس هناك، يراقبنا الآن ونحن نضحك كأننا في عطلة!"
ابتسمت روزاليا، وردّت بسخرية:
"لو كان هنا، لانتحر من كثر هرجك."
ضحك سلفادور بخفة وقال:
"لوكا... لو طاردت المجرمين كما تطارد المزاح، لانتهت القضية قبل أن تبدأ."
تعالت ضحكاتهم، ثم صمت الجميع للحظة. صمت خفيف، لكنه كان كافيًا ليتسلل التفكير إلى رؤوسهم.
قالت روزاليا، وقد خفَّ ضحكها:
"الرسالة التي عُثر عليها بجانب الجثة الثالثة... الخط كان أنيقًا جدًا. نظيف، لكن مرتبك، كأنه يحمل ندمًا ما."
نظر إليها سلفادور باهتمام، وقال بنبرة منخفضة:
"هل لاحظتِ المسافة بين الكلمات؟ الطريقة التي كانت فيها الحروف 't' و 'h' ترتفع قليلًا... إنها توحي بشخص تلقى تعليمًا بريطانيًا، أو عاش هناك فترة."
لوكا، وقد بدا عليه الاندهاش:
"انتظر، هل نحن أمام قاتل متعلم؟! دايمًا كنت أظنهم مجرد وحوش بلا وعي."
قال سلفادور:
"الجهل ليس شرطًا للجريمة، كثيرٌ من القتلة قرأوا دوستويفسكي وهاملت، لكنهم اختاروا الشر."
الشيطان لا يطرق باب الجاهل فقط، بل يُغري العاقل بذكاء مضاعف.
---
الطرقات المبتلة، و بعد حديث من القلوب.
انفضّ الجمع بعد ساعة. لوكا تلقى اتصالًا مفاجئًا، تغيرت ملامحه بعده، فودّعهم على عجل وقال:
"عليّ الذهاب، هناك أمر يستدعي حضوري... لا تنتظروني."
اختفى بخطواته السريعة، بينما خرجت روزاليا مع سلفادور. كان المطر قد بدأ ينثر قطراته على الأرصفة، لا بغزارة، بل برقة تُشبه الندم.
فتح سلفادور باب السيارة لها، فقالت بدهشة:
"لم أتوقع أنك من النوع الذي يفتح الأبواب."
ردّ بابتسامة خفيفة:
"أنا لا أفتحها للجميع... فقط لمن يملكون فوضى جميلة."
نظرت إليه بأبتِسامة خجولة، مع تورد وجنتيها.
ركبت السيارة، وجلس هو خلف المقود، ثم انطلقا بهدوء. داخل السيارة، ساد صمت لثوانٍ، فقط صوت المساحات يكسر هدوء المطر.
قالت روزاليا:
"هل تصدق أنني كنت أكتب القصص البوليسية في الثانوية؟ كنت أضع لنفسي اسمًا مستعارًا... إلينا ديلاكروز. لم أكن أعلم حينها أن الواقع سيفرض عليّ قصته الخاصة."
قال سلفادور، وعيناه لا تفارقان الطريق:
"وأنا كنت أقرأ القصص البوليسية، لا لأجل المتعة، بل لأفهم والدي...كان شرطيًا، ومات أثناء مطاردة."
توقفت عن التنفس للحظة، ثم قالت بهدوء:
"ألم يكن ذلك دافعًا لتكره هذا الطريق؟"
ردّ، وقد بدا صوته وكأنما ينحت من الحنين جدارًا صلبًا:
"أردت أن أفهمه... وعندما فهمته، أحببت ما كان عليه."
ثم أضاف بنبرةٍ أكثر لطفًا:
"وأنا الآن...أفهمك."
نظرت إليه، فوجدت فيه دفئا لم تكن تظنه ممكنًا. سلفادور، الذي يُخيفها أحيانًا بهدوئه، يبدو الآن إنسانًا أكثر من كونه ضابطًا.
بعض القلوب لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالصمت الذي يُقال في الوقت المناسب
السيارة تنساب على الإسفلت المبلل كأنها تعبر على ورق زجاجي، المطر يهمس على النوافذ، والأنوار تنعكس على الزجاج مثل خيوط ضوء تائهة في مدينة غارقة في الغموض.
روزاليا كانت تنظر من النافذة، بينما أصابعها تعبث بالوشاح الرمادي الملفوف حول عنقها.
قالت، وكأنها تخاطب الزجاج:
"أحيانًا أشعر أنني لا أنتمي لهذا العمل... الجرائم، الموت، الأسرار الثقيلة... كل شيء يبدو أكبر مني."
نظر إليها سلفادور للحظة، ثم عاد بعينيه للطريق وقال بنبرة ثابتة:
"بل أنتِ جزء منه... ولستِ مجرد مراقبة. نظرتكِ للتفاصيل ليست عادية، وطريقتك في الربط بين الأمور... ذكية، لكنها تأتي من مكان حساس، وهذا نادر."
ابتسمت بخفة وقالت:
"هل هذه مجاملة أم تحليل جنائي؟"
ردّ بابتسامة شبه خجولة:
"شيء بين الاثنين... لا تصدقي كل ما أقول، لكن لا تتجاهليه تمامًا."
صمتت لحظة، ثم قالت:
"تعلم يا سيد ... منذ بدأت التحقيق في هذه القضية، لم أعد أنام جيدًا. أحلم بوجوه الضحايا، أحاول أن أتخيل آخر لحظاتهم، وكأنني كنت هناك."
عقد حاجبيه،ثم ادار المقود لليمين.و نظر اليها:"لماذا سيد.. اسقطي الرسميات، سلفادور فحسب" ردّ بنبرة أبطأ قليلاً:
"الحساسية الزائدة سلاح ذو حدين يا روزاليا. تجعلكِ تفهمين الآخرين، لكنها تؤذيكِ أيضًا. تعلمين... المحقق الجيد لا ينسى الجريمة، لكنّه لا يسمح لها أن تعيش بداخله."
نظرت إليه هذه المرة، مباشرة، عيناها تحاولان سبر أغواره:
"وأنت... كم عدد الجرائم التي تعيش داخلك؟"
تردد قليلًا، ثم قال:
"كثير... لكنني تعلّمت كيف أغلق عليها الباب... وأحيانًا، أتركه مواربًا لأتذكر من أنا."
قالت بنبرة دافئة، وقد عاد نظرها للطريق أمامها:
"أعتقد أنني كنت مخطئة بك... في البداية ظننتك متحجرًا."
ردّ ضاحكًا لأول مرة منذ بداية المساء:
"وأنا ظننتكِ كثيرة الكلام... اتضح أننا على حق جزئيًا."
ضحكت، وضحك معها. كان الضحك صادقًا هذه المرة، كأن بينهما اتفاق خفي بأن يتوقفا عن ارتداء الأقنعة، ولو قليلًا.
وصلت السيارة إلى الحي الذي تقطن فيه، فتوقفت بهدوء.
قالت وهي تنزل مع إبتِّسامتها الظَّريفة :
"شكرًا... على إيصالك، وعلى حديثك...لقد استمتعت كَثيرا ."
بادلها الإبتسامة و أجاب:
"لا شكر على واجب... خصوصًا حين يكون الواجب يخصّك.. و من الجَيد سمَاع هذا ."
---
دخلت روزاليا البيت وهي تخلع معطفها ببطء، الكعب العالي الذي اعتاد جسدها عليه طوال اليوم بدا وكأنه عبء ثقيل الآن. الهواء في المنزل دافئ، تفوح منه رائحة الثوم المقلي والبصل المشوّح، رائحة تُشبه الذاكرة... وتُشبه البيت.
رفعت حاجبها باستغراب، ثم نادت: "لوكا؟"
خرج لوكا من المطبخ وهو يرتدي مئزرًا رماديًا مطبعًا بعبارة "Chef de corazón"، وعلى خده الأيسر نقطة صغيرة من صلصة الطماطم.
"أوه، عادتي السرية انكشفت!" قال وهو يلوّح بالملعقة الخشبية.
ابتسمت روزاليا ونظرت إليه بمرح:
"هل تطبخ؟ أم تُجري تجربة علمية تنتهي بانفجار؟"
ردّ وهو يتجه نحو الطاولة الصغيرة بالمطبخ:
"بيني وبينك... بدأت الطبخ لأهرب من التفكير... ثم صرت أطبخ لأشعر أنني أُطعم العالم."
قالت مازحة:
"أو لتجبرني على الغسيل لاحقًا، أليس كذلك؟"
ضحك وهز رأسه:
"بصراحة؟ لا. اليوم خصيصًا، كنت أعلم أنكِ ستعودين متعبة. والجو بارد... فقلت لنفسي، لماذا لا أكون الرجل المثالي ليومٍ واحد فقط؟"
جلست روزاليا على الكرسي القريب من الطاولة، وضعت رأسها بين راحتيها وقالت بتنهيدة: "أحتاج لهذا اللطف... أكثر مما أظن."
اقترب لوكا، ووضع أمامها طبقًا من باستا آل فورنو الساخنة، تنبعث منها رائحة الزعتر والجبن الذائب.
"هل تتذكرين عندما كانت خالتي تطهو هذا الطبق؟ كنا نتشاجر على أطرافه المحمصة."
قالت بابتسامة دافئة:
"نعم... وكنت دومًا تسرق الجبن الزائد قبل أن يوضع في الفرن."
قال وهو يجلس أمامها:
"الجبن لا يُسرق، يُنقذ من الذوبان الزائد."
ضحكت ضحكة خافتة خرجت من أعماق التعب، ثم رفعت نظرها إليه وقالت بجدية لم تعتدها: "لوكا... أنا محظوظة بك."
توقف عن الأكل، ثم قال بنبرة خفيفة، عميقة: "وأنا... أخشى أن أفقدكِ كما فقدنا أشياء كثيرة. لذلك، حين لا أستطيع مساعدتكِ في عملك، على الأقل... أعدّ لكِ العشاء."
أحيانًا، الطهي هو الطريقة الوحيدة التي يقول بها القلب: "أنا هنا من أجلك."
ثم واصل الحديث وهو يملأ الطبق الآخر:
"أخبريني... كيف كان يومكِ؟ اعني مع سالفادور، عندما ذهبت.. "
بدأت تحكي له ، عن سلفادور، عن المطر، وعن الضحكات الخفيفة التي تسربت وسط الحذر. استمع إليها بانتباه نادر، يقاطعها فقط بتعليقات ساخرة لطيفة و قد رفع حاجبه الايسر :
"آه، سلفادور.. لِماذا يَبدوا شاعرياً للغاية ؟ ذلك الرجل الذي يمشي وكأن العالم يدين له بمليون يورو؟"
"هيه، لا تكن قاسيًا، هو في الحقيقة... عميق."
نظر إليها بتركيز، ثم قال متفاجئًا:
"أوه، هل أعجبتِ بجزءٍ منه؟ أعني... بشخصيته!"
احمر وجهها قليلًا، فغيرت الموضوع:
"هل قلت إن هذا الجبن مستورد؟ إنه أفضل من طبخك المعتاد."
"ها! اعترفي لا مجال للهرب..، اعني كُل مااذكر اسمه عيناك تبتسم.!"
لوحت له بيدها بطريقة تُناسب ظرافتها: "بِحقك يارَجُل.. ليس بتلك الدرجة،اعني هو فقط."
نظر لها، و رفع حاجبه. و وضع يديه فوق الطاولة متشابكتان:"هو ماذا."
وضعت كفيها على وجنتيها،و مرفقيها على الطاولة. و حدقت في السَّاعة امامها و أبتسمت :" اعني هو وسيم للغاية، يملك عينان سوداء رائعة و عميقة... طوييل للغاية، اجل طويل...لديه كتفان عريضان جذابان ،شعره ناعم و لامع و مسرح بإنتظام، استطيع القول بأنني اشتم رائِحة غسول شَعرِه من عشرة أمتار. و أسلوب مَلابسه أنيق للغاية يَرتدي الأسود كثيراً، أرتدي مِثله لوكا..!،حتى انَّه عاقِل للغاية و هادئ و " تَوقفت فجأة عندما فرقع لوكا إصبعيه في وجهها رمَشت ثم انزلت يديها و قالت:" ماذا؟"
ضم لوكا يديه لصدره ثم نظر اليها و رفع حاجِبه الأيسر:"هل أنتِ ثَمِلة ؟. "
ردت روزاليا عليه بعد مارفعت حاجبها له و نفثت شعرها من على كتفِها:" مالذي تقوله."
رد عليها لوكا مُجددا بنبرة مرتفعه قليلا و هو ينظر إلى عسَليَتيها الجميلَتين :" هل نظرت الى نفْسك، و انتِ تتحدثين عنهُ... مِن الجيد حتى الآن... لَم تأتي بسيرة عضلاته و ملمسَها.هذا يعني أننا بأمانه حتى الآن "
صُدمت من كلامه. و فتَحت عينِيها الواسعتين على اخِرها، و قد أحمرت خجلاً. أخذت عُلبة المناديلِ، بِجانِبها ثُم رمتها عليه و قد تنجبها
قالت ببطء:"انتَ سَخيف لِلغاية."
ضحك الاثنان، ضحكة خفيفة، منزلية، تُشبه الليل الدافئ بعد عاصفة. ثم انطفأت الضحكة قليلاً حين نظر لوكا إليها وهمس:
"مهما تغير كل شيء... أنا دائمًا هنا، ."
بعض البيوت لا تُبنى من الطوب... بل من الأكتاف التي نرتاح عليها.
---
𝐒𝐨𝐣𝐢𝐞 || 💎"