لا أعلم تمامًا ما الذي شدّني إليها، لكنني لا أذكر يومًا نظرت فيه إلى أحد بهذا الشكل.
كنتُ أجلس في الحافلة، بعد ان تعطلت سيارتي . أضع سماعات الأذن، أراقب المارّة من خلف الزجاج، وأنتظر أن أصل إلى حيث أُقيم. إن الايام تصبح مملة وقاتلة ايضاً.
لكن هذا اليوم... كان مختلفًا.
حين صعدت إلى الحافلة، رأيتها. فتاة تجلس وحدها قرب النافذة، ويوجد شيء على رأسها يغطي شعرها ، ووقارٍ يشبه الصمت.
كان في ملامحها شيءٌ لا يُشبه هذه المدينة. شيءٌ لا أستطيع وصفه. عينان تخفيان شيئًا عميقًا، لا أدري إن كان حزنًا، أم تعبًا، أم خوفًا. كنتُ أحدّق دون وعي، وقلبي يتساءل... من هي؟
لم تكن تنظر إليّ، لكنها كانت تشعر بوجودي. أراها تتحرك قليلًا في مقعدها، تشد حجابها كلما شعرت بأنني أنظر، وتضم حقيبتها بقوة كأنها تخشى أن تذوب.
حين التقت عيناي بعينيها، ابتسمت. لم أرد أن أخيفها... أردت فقط أن أطمئنها. أردت أن أقول، دون كلمات: "لا تخافي، لن أؤذيك."
لكن ابتسامتي لم تُقابل سوى بانكسار نظرتها، وانخفاضها سريعًا إلى كتاب بين يديها. بدت وكأنها تطوي نفسها عن العالم.
في لحظة ما، بدأت الحافلة تتباطأ. وقفتْ، وأدركتُ أنها ستنزل. لم أكن أعرف لمَ نهضتُ بعدها. لم تكن هناك خطة. لم يكن هناك دافع عقلاني. فقط... شيءٌ بداخلي أراد أن يقترب.
نزلت، ولحقت بها. كانت تسير بخطى سريعة، حذرة، وعندما ناديت عليها بكلمة بسيطة:
"Excuse me...?"
لم تلتفت.
ناديت مجددًا، لكن خطواتها ازدادت سرعة، كأنني لاحقتها بسوء نية.
لم أقصد شيئًا سوى الحديث. لم أكن أبحث عن مغامرة، ولا عن قصةٍ عابرة. كنت فقط... مفتونًا، بطريقة لم أعهدها من قبل.
كنت أريد أن أسألها... عن اسمها، عن بلدها، عن سرّ ذلك الشيء الذي تلفّ به رأسها، وتلفّ معه حضورها كله.
لكنها اختفت خلف بوابةٍ صغيرة، وأغلقتها خلفها.
وبقيتُ واقفًا، في شارع لا أعرفه، أمام بابٍ لا أجرؤ أن أطرقه.
ـــــــــــــــــــ
لم يكن هذا الصباح مختلفًا كثيرًا عن سابقيه... لكن في داخلي، شيءٌ ما لم يكن كما كان.
وقفتُ أمام المرآة أعدّل حجابي، وقلبي يردد الآية التي قرأتها بالأمس مرارًا:
"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا..."
كأنها أصبحت رفيقة يومي.
خرجت من البيت بعد أن حييتُ أخوتي، ومشيتُ باتجاه الحافلة التي تقلّني إلى الجامعة. لم أكن من هواة الحديث، ولا حتى مراقبة الوجوه. كنتُ أمرّ كمن لا يريد أن يترك أثرًا، أو أن يراه أحد.
لكنني رأيته مجددًا.
الرجل الغريب نفسه... الأجنبي. نفس النظرة، نفس الابتسامة الخفيفة، وكأن عينيه تريدان أن تخبراني بشيء لا أفهمه.
منذ متى أصبح يركب الحافلة ذاتها؟ لم أكن أراه من قبل. فهل أصبح يتعمّد؟ هل يتبعني؟
قلبي بدأ يهمس بريبة...
> "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ..."
(الحجرات: 12)
خفضت بصري، وذكّرت نفسي: ليس لي أن أحكم على نيّات الناس، وأنا لم أسمع منه حرفًا.
عدت إلى دروسي في الجامعة، جلست حيث أجلس دائمًا، وأنهيت ما يلزم دون أن أتحدث لأحد. أحب صمتي، وأكره العيون التي تتفحّصني كما لو كنت غريبة عن هذا العالم.
حين صعدت الحافلة في طريق العودة، كان هناك.
لم أرفع نظري إليه، لكنني شعرت به. جلست في آخر مقعد، ولملمت حجابي حولي، وأمسكت حقيبتي كأنها درعي الأخير. كانت الحافلة شبه فارغة، والمدينة تغفو في شمس المساء.
لكن ما لم أتوقعه... حدث.
صوت ضحكٍ خشنٍ من مجموعة شبّان يجلسون في الطرف المقابل. كلمات غير مفهومة، لكن معانيها كانت واضحة. خطواتهم تقترب... أحدهم قال:
"ليش هيك عاملة حالك راهبة؟ تعالي نحكي شوي..."
واصبح يقترب مني اكثر خطوتان فقط تفصله عني
تجمّدت في مكاني. لا حركة. لا رد. فقط ارتجاف خفيف في أطرافي.
وفجأة...
"Hey! Leave her alone."
كان صوته قويًا، حازمًا، وكأن السكون انكسر. التفتُّ لأراه واقفًا بيني وبينهم. نظراته صارمة، لا تشبه تلك الابتسامة الهادئة. أحد الشبان تمتم بكلمة، وضحك الآخر، لكنهم لم يتراجعوا وقاموا بلكم ذلك الشاب الاجنبي الغريب ولااعلم لماذا انقبض قلبي خوفاً عليه
ابتعدوا أولئك عنه يعودون الى مجلسهن
لم أكن أعرف ماذا أقول. شعرتُ بالضياع للحظة.
جلس في المقعد المقابل لي، بهدوء... لم يقترب أكثر. ظلّ ينظر إليّ دون كلمة، أخرج من جيبه منديل ومسح اثار الدماء التي كانت بجانب أنفه، ثم مدّ يده بلطف وهو يهمس بصوت منخفض:
"I’m Nicola... Just wanted to say hi."
نظرت إليه للحظة، ثم خفضت بصري. ترددت، قلبي ينبض، لم أكن أريد الحديث... لكن الكلمات خرجت مني وحدها، ولأول مرة:
"شكرًا لك... لكن... لكن ديني لا يسمح لي أن أُصافح الرجال."
سحب يده فورًا، دون ضيق. فقط ابتسامة خفيفة، كأنها احترام صامت.
وقفت عند المحطة التالية، وحين فتحت باب الحافلة ونزلت، سمعت صوتًا خافتًا يقول:
"Take care."
لم ألتفت. فقط مضيت...
حين وصلت إلى باب البيت، أحسست بثقل غريب على كتفيّ، كأن شيئًا ما عَلِق بروحي ولم أستطع التخلص منه. لم أكن خائفة تمامًا... لكن قلبي لم يكن مرتاحًا.
فتحت الباب بهدوء، دخلت كما أفعل كل يوم، وضعت حقيبتي في الزاوية، ثم ذهبت مباشرة إلى غرفتي.
أغلقت الباب، وجلست على سجادتي، أخرجت مصحفي، وفتحت دون أن أختار، فقط دعوت ربي أن يهدئ قلبي، فجاءتني الآية:
> "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
(الرعد: 28)
ابتسمت... كأنها كتبت لي وحدي.
بدأت أقرأ، صوتي هامس، خافت، لكن بداخلي عاصفة كانت تهدأ مع كل حرف. كنت أحتاج هذا السكون، بعد ذلك الموقف في الحافلة، وتلك الكلمة التي قلتها لأول مرة.
"شكراً... لكن ديني لا يسمح لي أن أُصافح الرجال."
كنتُ صارمة... نعم. لكنني لا أعلم لماذا بدا في عينيه شيء يشبه الاحترام، لا الاستغراب.
أغلقت المصحف، وخرجت من الغرفة. كانت الساعة قد قاربت الثالثة، وأخوتي سيعودون قريبًا من عملهن. دخلت المطبخ وبدأت أُعدّ الغداء...
العدس، كما يحبون. وخبز محمّص. ورشة كمّون.
لم أكن ماهرة في الطبخ، لكنني كنت أحاول، وكل مرة كانا يقولان: "تمام، بس ناقص ملح!" ويضحكان.
أثناء انشغالي بالمطبخ، راودتني الفكرة من جديد... "هل كنتُ سأشعر بالأمان لولا تدخّله؟"
حاولت أن أطرد الصورة من رأسي. لا، لا أريد أن أفكر فيه. لا أريد أن أحفظ ملامحه أو نبرة صوته وهو يقول:
"Hey! Leave her alone."
أطفأت الغاز، وضعت الطعام في الأطباق، رتّبت السفرة، ثم جلست بانتظار مجيىء أخوتي
لم أخبرهم. لم أستطع.
فكّرت أن أتكلم. فقط لأخفف عن نفسي، لكني أعرف طبعهم... سيغضبون ، وقد يبحث عن ذلك الأجنبي... "نيكولا".
كانوا أخوتي صارمين في هذه الاشياء لكنهم في نفس الوقت لايؤذون أحدا لكن
لا داعي لأن أُشعل نارًا أنا لا أعلم كيف أطفئها.
أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى المائدة. كل شيء جاهز.
لكن داخلي... ما زال ممتلئًا بأسئلة لا جواب لها.
.
.
.
البارت التاني كل اسبوع لح انشرلكن بارت ياحلوين وطبعا لح كفي الرواية حسب التفاعل والكومنتات💗✨
علقوا بين كل فقرة بحب شوف ارائكن وكيف عم تفكروا😭
Ayshaa Alzeen