لا أعلم لِمَ أمسكتُ هذا القلم، ولا لماذا أفتح هذه الصفحة البيضاء الآن.
لكنّني أشعر أن شيئًا ما… يجب أن يُكتب.
لم أعتد أن أكتب عن أشخاص،
ولم يسبق لي أن منحت صفحةً من دفتري لقلبٍ بشريّ خارج دائرتي.
ولكن… هذه المرة مختلفة.
لا أعلم الشعور الذي اجتاحني حين جلس بقربي.
ولا لماذا ظلّت كلماته تتردد في رأسي حتى الآن.
حين قال:
"قرأتُ البارحة.... شيئا اسمه الاسلام.. قرأت أن هناك إلهاً لايشبه الآلهة التي سمعت عنها في طفولتي
إنه يسمع.. حتى لو لم اعرف كيف ادعوه."
بدا وكأنه كان يُحادث نفسه،
ولكن… شيء في روحه وصل إليّ.
لم أجب
أردت أن أقول شيئا …
لكنني خفت.
منه؟
لا.
من نفسي.
أخاف أن أنجرف خلف صدق لا أعرف ما وراءه.
أخاف أن أنسى المسافة التي يجب أن تبقى، حتى لو بدا العالم يضيّقها.
ومع ذلك…
حين نظرت إليه دون أن ألتفت،
رأيت في عينيه شيئًا غريبًا.
ليس إعجابًا…
بل سؤالًا طويلًا.
ترى…
ما الذي يبحث عنه؟
وما الذي وجده في ديني، لم أجده أنا بعد؟
----
أغلقتُ الصفحة، وطويتُ قلبي معها.
لا أدري إن كنتُ قد ارتحت، لكنني شعرتُ كأن شيئًا استقر… أو على الأقل، توقّف عن الدوران مؤقتًا.
استقمتُ من مكاني، خرجتُ من غرفتي، واتّجهت إلى المطبخ.
أعددتُ مائدة الطعام بهدوءٍ يُشبه مزاجي، ووضعتُ كل شيء في مكانه، كأنني أُعيد ترتيب روحي بترتيب الصحون.
دقائق، ودخل عمر أولًا، يلوّح بجهازه في يده كعادته:
– "تخيلوا! أول يوم رمضان رح يكون ثلاثاء غالبًا، يعني ما رح نداوم!"
لحِق به ياسر بعد قليل، وضع مفاتيحه على الطاولة كالعادة، ثم جلس بهدوءه المعتاد.
سألني بنبرة دافئة:
– "كيف يومك؟ كنتِ طالعة؟"
جامعة فقط… الأستاذ أعلن عن جدول الامتحانات."
قلتُها وأنا أملأ لهم الأطباق.
تابعت:
– "امتحاني الأول بعد ست أيام. المواد كثيرة… والوقت قليل."
عمر قطّب حاجبيه وقال وهو يتناول تمرة من الطبق الصغير أمامه:
– "جد؟ بلّشي من اليوم… وإلا رح تضطري تسهري كل ليلة!"
ثم أضاف كمن اكتشف أمرًا عظيمًا:
– "بس تخيلي تدرسي ونتسحر بعدين! رمضان لحالو بيعطي جوّ حلو."
ياسر ابتسم وقال بصوت هادئ:
– "رمضان شهر تهيئة للقلوب قبل الأجساد."
ثم نظر إلينا وأضاف وكأنه يُذكّر نفسه قبلنا:
> "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون."
[البقرة: 183]
خيم صمت صغير بعد الآية.
أحبّ صمات الآيات… كأنها تترك أثرًا لا يحتاج شرحًا.
نظرتُ إلى طبق الحساء أمامي، وقلت بهدوء:
– "إن شاء الله بحاول أوازن بين الدراسة والعبادة."
قلتُها، وأنا أفكر… أن شيئًا آخر أيضًا، يحتاج وعيي هذه الأيام.
....
الشمس لم تكن حارقة، لكن الهواء بدا متعبًا… كأنّه يركض منذ الفجر، يحمل على كتفيه ثِقل الأيام القادمة.
خرجتُ من البيت مبكّرة، وكنتُ أحمل حقيبتي وقلبي بنفس اليد. لم أستطع المراجعة كثيرًا صباحًا… لم يكن ذهني مستقرًا.
وربما… ليس بسبب الدراسة فقط.
وصلتُ إلى الحرم الجامعي، صعدتُ الدرجات بسرعة، كأنني أهرب من شيء لا اسم له.
في طريقي إلى المدرّج، التقيتُ بـ رنا وسيرين، زميلتَيّ، كُنّ يجلسن في ركنٍ صغير، يتبادلن الأحاديث والضحكات.
جلستُ معهنّ، وابتسمتُ بهدوء.
– "وجد، حضرتِ المحاضرة الماضية؟ قال الدكتور إنو الامتحان رح يكون من الشرح أكتر من الشرائح."
قالتها رنا وهي تتصفح هاتفها.
– "نعم… حضرت. ودوّنت أغلب الملاحظات."
أجبتُها بينما أُخرج دفتري من الحقيبة.
– "هو قال شي عن عدد الأسئلة؟"
سألت سيرين بفضول.
– "ما حدّد… لكن قال إنو لازم نركز على المفاهيم، مش التفاصيل."
رددتُ بتركيز، وأنا أراجع ما كتبته.
قبل أن نكمل الحديث، انفتح باب القاعة بقوة خفيفة، فرفعت إحداهن رأسها وقالت:
– "لقد اتى …"
دخل البروفيسور، فنهضنا جميعًا، وبدأت المحاضرة.
لم أستوعب معظم ما قيل… لا أعلم لماذا.
شعرتُ أنّ ذهني يُشتّت نفسه عمدًا.
والسبب؟… لا أريد أن أسأل نفسي بصوتٍ مرتفع.
ـــــــ
خرجتُ من باب الجامعة مع تدفق الطلاب، وسرتُ بهدوءٍ إلى الحافلة.
ركبتُ كعادتي، واخترتُ المقعد القريب من النافذة.
لكنّي تجمّدتُ للحظة، عندما رأيته يجلس بالفعل في المقعد المقابل، الذي لطالما جلس فيه بعدي.
لم ينظر إليّ في البداية… كان كأنّه يُفكّر.
جلستُ، فتحتُ هاتفي كمن يُخفي ارتباكه خلف شاشة.
لكنه التفت إليّ… وبصوتٍ منخفض، سأل:
– "هل تسمحين لي أن أشاركك شيئًا؟"
لم أُجب… لكنّ نظرتي لم ترفض.
قال بهدوء، دون أن يحاول الاقتراب:
– "اشتريتُ كتاب القرآن… بالإنجليزية، لأنني لا أفهم العربية جيدًا.
أمس، توضأت… لأول مرة في حياتي.
بحثت في الإنترنت: كيف أتوضأ؟
وأعدت الفيديو ثلاث مرات… ثم فعلت كما رأيت."
كان صوته خافتًا… كأنه يخشى أن يُسمعه أحد.
– "لا أعرف… هل فعلتُه بشكلٍ صحيح؟
لكنّي حاولت.
ثم فتحت الكتاب، وقرأت:
'ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره'
وقرأت بعدها:
> 'إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا'"
سكت، ثم تنفّس ببطء، كأنه لا يعرف ما ينتظر.
بقيتُ أنظر إلى الشارع من خلف الزجاج، وقلبي… كان أقرب إليه من عينيّ.
ثم… وجدتُ لساني يسبق خوفي، وقلت بهدوء:
– "الله لا يُضيع من يبحث عنه."
ثم أضفتُ:
> "والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا… وإن الله لمع المحسنين."
[العنكبوت: 69]
نظرتُ إليه، ثم صرفت بصري.
لم أُرد قول أكثر من ذلك.
هو… فقط ابتسم.
ابتسامة لم تكن خفيفة، ولا ثقيلة.
ابتسامة حقيقية… كأنّه وجد شيئًا.
...
لا أعلم ما الذي يُقلقني أكثر… الكلمات التي قالها، أم الطريقة التي اختار بها أن يُخبرني بها.
من بين عشرات الوجوه… لماذا يُحدثني أنا؟
ولماذا يخبرني عن تفاصيل صغيرة، شخصية، لا تُقال بسهولة؟
هل أراد أن يطمئنني؟ أم يطمئن نفسه؟
وهل أنا… فقط مُستمعة صامتة، أم أنّه يرى فيّ شيئًا؟
الكلمات ما زالت تتردّد في رأسي، تلك الآيتان اللتان قرأهما بصوتٍ هادئ.
وفي لحظةٍ شعرتُ أنّي أعرفه منذ زمن… لا أعلم من أين أتاني هذا الشعور، لكنّه لم يكن غريبًا.
ربما لأنّه، ولأول مرة، بدا لي… شخصًا يبحث عن معنى، لا عن شخص.
وصلتُ إلى البيت، وفي قلبي صوتٌ لا أستطيع إسكاته.
---
كان عُمر قد عاد قبلي بقليل، وبعد أن غيّرت ملابسي، سمعتُه يناديني:
– "وجد، هل ما زلتِ ترغبين بشراء ملابس جديدة للجامعة؟"
– "نعم… إن كان الوقت يسمح."
– "يلا، نخرج الآن قبل أن تغلق المحلات."
ركبتُ بجانبه في السيارة، كعادتي منذ كنتُ صغيرة.
هو لا يتكلّم كثيرًا، لكنه دائم الانتباه.
في الطريق، شغّل قرآنًا بصوتٍ خافت، فابتسمتُ في داخلي… لا أعلم لماذا، لكنّي شعرتُ أن كل شيء يُشير إلى معنى واحد.
---
قضينا قرابة ساعتين في السوق.
اخترتُ عباءتين بلونين هادئين، وبعض اللوازم الصغيرة.
عُمر لم يُعلّق كثيرًا، فقط كان يُبدي رأيه إذا سألته، وأحيانًا يُشير لشيء يراه مناسبًا.
حين عدنا، كنتُ مرهقة… لكنّي سعيدة.
ليس بالملابس، بل بشيء لا أعرف كيف أسمّيه.
ربما لأنّي… للمرة الأولى منذ زمن، أشعر أن داخلي يتحرك.
ليس بفوضى، بل بشيء يشبه اليقظة.
كأنّ شيئًا ما… بدأ يتغيّر.
---
لم تكن تتحدث كثيرًا… لكنها قالت ما يكفي.
جملة واحدة فقط، بل آية.
قالتها بصوت خافت، كأنها تضع بين يديّ شيئًا ثمينًا، وتمضي.
> "والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا.... وإن الله لمع المحسنين
"
هي ذاتها. الآية التي وقعت أمامي بالأمس حين فتحت المصحف للمرة الأولى.
صدفة؟ لا أدري.
لكنّ صوتها وهي تهمس بها، بدا لي مختلفًا… كأنّها لم تكن تردد كلمات، بل تُسلّمني مفتاحًا، وتغلق الباب خلفها بلُطف.
منذ أن افترقنا، وأنا أحاول تذكّر النغمة التي نطقتها بها.
ليس صوتها، بل وقع الكلمات كما خرج من فمها.
كيف جمعت الحزم والطمأنينة في لحظة واحدة؟
وكيف استطاعت – ببضع كلمات – أن تُربكني أكثر من كلّ ما قرأته حتى الآن؟
لم تكن تُحاول أن تُقنعني… ولم تُناقشني.
لكنّ ما قالته، هزّ شيئًا داخلي.
فكرتُ كثيرًا…
إن كانت تلك الجملة الصغيرة، كافية لتفتح بابًا في داخلي،
فماذا يوجد خلف الباب؟
لا أدري ما الذي جعلني أعود إلى ذات الصفحة، كأنّ قلبي تعلّق بحروفٍ لم أفهمها تمامًا… لكنني شعرت بها.
> "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم."
قرأتها مرارًا. ولم تكن المرة الأولى.
لكنها اليوم… بدت كأنها تنظر إليّ.
ذلك الصوت، صوتها، حين قالت الآية، لم يفارق أذني. لم تكن نبرة تعالٍ ولا وعظ. فقط هدوء… كأنّها تؤمن بها بما يكفي لتمنحني طمأنينة من لا أعرفه، لكنها تعرف من تؤمن به.
أغلقت المصحف برفق، ثم وضعته داخل الدرج بهدوء يشبه الحياء. لا أعرف لماذا أخفيه.
كأنّ قلبي يخشى أن يُسأل: "منذ متى صرت تهتمّ؟ ومن علّمك أن تهتمّ أصلاً؟"
أمسكت دفتري الصغير… المفكّرة التي لم أكتب فيها منذ زمن. كتبت:
"ثمّة سلامٌ صغير… يتسلل إلى صدري كلّما قرأتُ ما لا أفهمه. كأنّ اللغة لا تهمّ، وكأنّ ثمّة نداءٌ من نوعٍ آخر. أهو الإيمان؟ أم الفضول؟ أم أنّي تعبت من كل الأصوات التي لم تمنحني شيئًا إلا ضجيجًا؟"
رفعت رأسي. شعرتُ فجأة بثقلٍ في صدري. ليس خوفًا… بل تفكيرًا.
كيف ستكون ردة فعلهم؟
أمي… ستصرخ، ربما، تتهمني بأنني خُدعت، أو أنني ضعيف. ستقول لي كلامًا قاسيًا، كما اعتادت حين لا تفهمني.
وأبي؟ لا أعلم. هادئ هو… لكنّه لا يحب الصدمات.
تنفست ببطء، وأغمضت عيني.
حينها… فُتح الباب فجأة. – "نيكولا؟" كان صوت أمي.
شهقت، دفعت الدفتر والمصحف إلى داخل الدرج بسرعة، وقفت وكأنني ارتكبت خطيئة. – "نعم، ماما؟" – "أين كنت؟ لم أسمع صوتك. كل شيء بخير؟" – "كل شيء تمام… فقط كنت أفكر قليلاً."
نظرت إليّ بريبة… ثم قالت: – "لا تُكثر التفكير… تعرف أنه يؤذيك."
ابتسمتُ، رغم أن التفكير هو ما أنقذني من السقوط آلاف المرات
نزلتُ إلى الطابق السفلي حين نادتني والدتي للمرة الثالثة.
كنتُ قد حفظت نبرة صوتها حين يُغلّفها الغضب الناعم… كأنّها تُطرّز انزعاجها بخيوط من السكر.
لكنها، حين تنظر، لا تُجيد التخفّي.
الجلوس إلى المائدة لم يكن صعبًا، الصمت كان.
والدي جلس على الطرف المقابل، يضع الملعقة برتابة، كما اعتاد كل يوم.
رفع نظره فجأة، وقال بصوته العميق:
لماذا تغيّبتَ عن الشركة هذا الأسبوع؟"
بلعتُ لُقمة لم تكتمل، ثم مسحت فمي بمنديل ببطءٍ كأنّي أشتري وقتًا:
ذهبت يوم الإثنين، فقط تأخّرتُ بالعودة."
حدّق بي طويلًا… كان يعرف أنّي لم أذهب.
لكنه لم يعلّق.
والدتي، كعادتها، لم تنتظر لحظة صمت حتى تملأها.
نظرت إليّ كما تفعل حين تشكّ بشيء:
تخرج كثيرًا هذه الأيام، وتعود متأخرًا… ولا تستخدم سيارتك. هل يمكن أن نعرف أين تذهب؟"
نظرتُ إلى صحن الطعام، كأنّه سيمنحني إجابة.
كيف يمكنني أن أقول؟
أنني أذهب إلى الحافلة لا لسببٍ محدد، بل لأني أريد أن أراها؟
أنني بتُّ أقرأ كتابًا لا يُشبه كتبهم، وأبحث في دينٍ لم يُربّوني عليه؟
أنني –للمرة الأولى– أشعر بشيء لا أستطيع الإفصاح عنه، ولا حتى الهروب منه؟
قلتُ بصوتٍ خافت:
أحاول أن أفهم شيئًا... عن نفسي."
صمتا.
لم تكن جملتي كافية لهما، ولا واضحة.
لم يُقاطعني والدي، لكن والدتي تقدّمت بسؤالٍ أقسى من نبرته:
وهذا الشيء… يخصّنا؟ أم هو شيء يجب أن نخاف منه؟"
كلماتها كادت تخترقني.
فكّرت أن أقول: بل يجب أن تؤمنوا أنه جزء منّي، لا منكم.
لكني لم أُرد أن أُشعل حربًا.
قلت بهدوء:
لا تخافوا. فقط… امنحوني وقتًا."
نزل السكون على الطاولة، كأنّهم تذوّقوا مرارًا في جوابي.
Ayshaa Alzeen