ها أنا أجلس في هذا المقعد الضيق، في حافلةٍ تهبطُ بي من جامعتنا إلى حيث أقطن.
بلدٌ بعيد، غريب، وليس ببلدي الذي تعودتُه، حيث كل شيءٍ كان مألوفًا، ودافئًا، ومُطمئنًا.
كنتُ قد هربتُ من كل شيءٍ، أو بالأحرى، جاءت بي الظروف إلى هذا المكان الذي لا يشبهني، حيث اللغة تبدو لي جرسًا أجنبياً، والوجوه تتلاقى بعينين باردة، لا تعرفني، ولا أعرفها.
المكان هنا يختلف. الناس هنا يختلفون. وحتى الهواء الذي أتنفسه يحمل عبقًا غريبًا، يجبرني أحيانًا على أن أشدّ الحجاب حول رأسي، كأنني أحتمي بظلٍ صغير في عالم كبير.
كل يوم، أستقلّ هذه الحافلة المزدحمة، أرى وجوهًا لا تعرفني، وأشخاصًا لا أدري شيئًا عنهم. أجلسُ على المقعد المجاور لنافذتي، أتحسّس هدير الطريق، وأُمسك كتبي، لكن الأفكار تشرد بي بعيدًا.
في ذلك اليوم بالذات، عندما نظرتُ إلى المقعد المقابل لي، كان يجلس هناك رجل غريب. لم أره من قبل. عيونه تراقبني بهدوء غريب. لم أستطع أن أصف شعوري، كانت تلك النظرات مختلفة، مشحونة بشيء لا أعرفه بعد.
لم أره يتحدث إلى أحد، ولم يُبدِ أي اهتمام ببقية الركاب من حوله، كان وحيدًا في عالمه الخاص، أو ربما كان يحاول فهم عالمي الصغير الذي لا يراه أحد.
لم أرغب أن ألتفت إليه كثيرًا، لكن كلما نظرت بعيدًا عن النافذة، وجدته ما زال هناك. وكأن شيئًا ما يجذبني إليه، أو يدعوني لفهم شيءٍ أكبر.
كانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها رحلتي الحقيقية في هذا البلد الغريب، حيث لا تكون الكلمات كافية، والصمت أبلغ من أي كلام.
وهكذا، كان لقاء غريب في حافلة عادية، بداية قصة لم أكن أتخيلها.
بعد دقائق كنت أحاول أن أشغل نفسي بالكتاب الذي بين يديّ، لكن عيني لم تكفّ عن التسلّل نحوه بين لحظة وأخرى. لا أدري لمَ، لكنه كان ما يزال يحدّق بي. لا بجرأة فظة، بل بنظرة طويلة، ساكنة، لكنها لم تكن عابرة.
ثم، فجأة، ابتسم.
لم تكن ابتسامة واسعة، بل هادئة، ناعمة، لكنها جعلتني أضطرب.
ما الذي يدفعه للابتسام؟ لمَ أنا بالذات؟
أخفضت بصري على الفور، وشددت حجابي أكثر حول وجهي.
بدأ القلق يهمس في رأسي: "ربما لاحظ شيئًا... ربما ظنّ أنني ضعيفة، أنني غريبة عن هذا المكان، ويمكن استهدافي."
في لحظتها، بدأت أتشبّث بحقيبتي، كأنني أتمسّك بها لتحميني.
مرّ الوقت ببطء، وكأن دقّات قلبي تُحصي كل ثانية تمر.
الحافلة بدأت تقترب من محطتي. نهضتُ بخفة حين نادى السائق اسم الحي، ولم ألتفت لأي شيء. لا له، ولا لعيونه التي شعرتُ بها تلاحقني حتى وأنا أتحرك. نزلت.
لكن لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد.
خطوات خفيفة خلفي. التفتُّ بخفة، فرأيت ذلك الشاب نفسه. يسير خلفي، ليس بسرعة، لكنه يقصُر المسافة بيننا شيئًا فشيئًا.
اقترب، ثم نادى بكلمة قصيرة بلغة إنجليزية مكسورة:
"Excuse me...?"
تجاهلته. أسرعتُ الخطى. لم أُرد أن أبدو ضعيفة، لكنني لم أكن مطمئنة أيضًا. كلّ شيءٍ في هذا البلد مختلف، حتى الغرباء.
نادى مجددًا، لكني كنت قد وصلت إلى الزقاق الذي يؤدي إلى مجمع السكن الخاص بي. نظرتُ خلفي مرةً أخيرة، كانت عيناه ما زالتا هناك، تحملان دهشةً لم أفهمها... وشيئًا آخر لا يمكن ترجمته.
دخلتُ البوابة، وأغلقتها خلفي، ثم تنفستُ ببطء.
"ربّاه، ما الذي يحدث؟ ولماذا أنا؟"
ألقيتُ الحقيبة بهدوء على الأريكة القريبة، ثم خففت حجابي عن رأسي. سكنتْ شقتنا الصغيرة تلك لحظة صمت عميقة، لم يقطعها سوى صوت أنفاسي المتسارعة.
نظرتُ حولي. لا أحد هنا بعد. أخوتي لم يعودو من عملهم بعد، كما يبدو. كنت أعيش معهم منذ أن أتيت إلى هذه البلاد، وهم يكبروني بأعوام، يرعونني كأنني ابنتهم، لا شقيقتهم.
اتجهتُ إلى غرفتي، وقلبي لا يزال مشوشًا. لم أستطع منع أفكاري من العودة إلى ذلك الرجل، تلك النظرة، تلك الابتسامة، وتلك الخطوات خلفي...
أغلقت الباب خلفي، وجلستُ على سجادتي، لا رغبة لي في الطعام أو الكلام أو حتى النوم. كان الملاذ الوحيد الذي يرتاح إليه قلبي: كتاب الله.
سحبتُ المصحف من رفّه، فتحته عشوائيًا، كأنني أبحث بين آياته عن إجابة، عن طمأنينة تُطفئ اضطرابي.
وقعت عيناي على قول الله تعالى:
> "وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا"
(الفرقان: 63)
شعرتُ بأن الآية تخاطبني مباشرة... أن الله يراني.
ربما لم يكن الرجل نيته سيئة، وربما كنتُ سريعة في خوفي، لكن الحذر فريضة، وليس ضعفًا. والسكينة الحقيقية لا تأتي من البشر... بل من الله.
أغمضتُ عيني، وأخذت أرتّل ببطء، آيةً تلو آية، حتى عاد قلبي لينبض بهدوء.
ـــــــــــــــــــــــــــ
الحمدلله تم نشر اول بارت من الرواية😭
بعرف انو البارت كتيرر قصير بس هي البداية يعني التمهيد مشان ندخل للرواية ✨
بتمنى تعجبكن كتبولي بالكومنتات وعلقوا بين كل فقرة
هاد حسابي الانستا
https://www.instagram.com/rosa_noir8?igsh=N3pjanVhcG80b3Q5
Ayshaa Alzeen