قبلة على شفا الخراب

قبلة على شفا الخراب

13 0

هل تشعر بذلك؟

ذلك السكون المريض الذي يسبق العاصفة؟

كأن المدينة كلها تحبس أنفاسها،

في انتظار انفجارٍ لا يأتي من السماء… بل من الداخل.

من داخلهم.

ومن داخلي أيضًا.

الشارع كان خانقًا.

سيارات تتناثر كأشلاء،

والناس يتحركون كما لو أنهم لا يريدون أن يُوجدوا أصلًا.

كل شيء يبدو حيًّا… لكنه لا ينبض.

وهناك… على أحد الأسطح، كانت إيزابيل تراقب.

عيونها رمادية، جامدة، لا تعرف الرجفة.

كأنها ولدت من حجر.

“كم من الوقت سننتظر؟” سأل جايس، وهو يقف بجانبها.

لم تجبه فورًا.

بل أخرجت سيجارة، أشعلتها، ثم زفرت الدخان ببطء.

"حتى يرتكب خطأه الأول…"

همست كمن يحاور روح الموت.

جايس ضحك.

"أنتِ تعيشين على الحواف، إيزابيل."

نظرت له نظرةً جانبية، فيها شيء من الازدراء.

"ومن يعيش في الوسط… يُدهس."

الهدف كان في الطابق الخامس.

مخبر فاسد، تورط في تهريب معلومات لمهربين دوليين.

هدف عادي، من أولئك الذين يسهل دهسهم.

لكن اليوم… لم يكن عاديًا.

إيزابيل حرّكت إصبعها على الزناد…

ترصد حركة داخل النافذة.

"اقترب أكثر…" همست.

وفي عينيها تلك النظرة…

التي تقول: أنا لا أرحم

لكن فجأة…

رن الهاتف.

ليس هاتفها.

بل جهاز صغير وُضع سرًا في أذنها.

"انسحبي فورًا. المهمة أُلغيت."

جاء الصوت من القيادة.

صوت جامد.

محايد.

لكنها لم تكن كذلك.

"اللعنة…" تمتمت، ثم التفتت نحو جايس.

"هذا ليس خطأً عاديًا… هناك شيء أكبر."

جايس عبس: "هل ننسحب؟"

"أنا لا أنسحب… أنا أتراجع فقط كي أعود بقسوة أكبر."

قفزت من السطح، هبطت بخفة قاتلة.

الشارع ابتلعها.

والمدينة… شعرت بالخطر.

لم تكن تعرف أن هذه اللحظة، تحديدًا،

ستغيّر كل شيء.

وأن الرجل الذي حاولت صيده…

كان يصطادها، من البداية.

لم أكن أركض... بل كنت أتحرك كجزء من الظلام.

زجاجٌ مكسور تحت قدميّ، تنفّس ثقيل يتردد من الممرّ الخلفي للمخزن. الرطوبة تلتفّ حول جلدي كأنها تهمس لي: "إنه هنا."

خطواتي لا تُسمع، لكنه... هو، كان يتنفس كأن الصمت يخنقه.

من هذا الذي يحاول أن يهرب من ظلّه في حضرة امرأة لا تملك ظلًا أصلًا؟

رفعت المسدس ببطء، أصبع السبّابة ثابت على الزناد. لم أكن بحاجة للضوء، لقد تعلّمت كيف أرى في العتمة… العتمة التي صنعتني.

فجأة، سُمعت حركة سريعة من يساري.

انطلقت رصاصة.

ارتجف الجدار خلفي.

لكنه لم يكن تصويبًا... كان تحذيرًا.

تنفستُ بعمق، ثم قلت بصوت هادئ لا ينتمي لأي شعور:

"أخطأت الهدف، أو أنك فقط أردت أن ألفت انتباهي؟"

صمت...

ثم ضحكة خفيفة خرجت من الظلال، رخيمة، ثقيلة، تنتمي لرجل اعتاد اللعب على حوافّ الموت.

ظهر وجهه أخيرًا، كأن العتمة لفظته.

ليوناردو فيريرا.

نظراته مثل شفرات سكين، وابتسامته ليست إلا قناعًا مشدودًا بإحكام.

قال بنبرة تجرّني نحو قاع لا أعرفه:

"أنتِ من لا تخطئ، أليس كذلك؟"

أخفضت سلاحي… لكن نظري بقي مصوبًا عليه.

"أنا لا أكرر المحاولة، إن فاتتني الرصاصة الأولى… فربما لم تكن تلك الحرب تخصّني."

اقترب خطوة.

كل خطوة منه تفضح شيئًا بداخلي حاولتُ دفنه منذ سنوات… ذلك الارتباك الطفيف في نبضات قلبي. ليس خوفًا، بل فضول.

فضول مَن أدرك أخيرًا… أن هذا الرجل ليس مجرد فريسة.

"ولماذا تلاحقين حربًا لا تخصّك؟" سألني، نبرته متلذذة بالخطر.

أجبته وأنا أستدير حوله، كقطرة سم تنزلق على شفرة:

"لأنني أحب أن أخلق مبرراتي لاحقًا… بعد أن ينتهي كل شيء."

ضحك.

ضحكة لا تحمل سعادة، بل شيئًا يشبه الحنين إلى الألم.

"سنلتقي مجددًا، إيزابيل نوكس… لكن في المرة القادمة، لا تكوني رحيمة كما كنتِ الليلة."

وغاب.

كأن الهواء ابتلعه.

وقفتُ هناك وحدي… أستمع لصدى خطواتي داخلي، أفكر:

من ذلك الذي قرر أن يلعب معي لعبتي… وأتقنها من أول جولة؟

كان المطر يهطل… لكنه لم يُطفئ النيران في رأسي.

جلستُ على سطح إحدى البنايات القديمة، أراقب المدينة كما لو أنني أراقب لوحة رسمتها بيدي ثم ندمت على ألوانها. كل زاوية، كل ضوء نيون، كل نافذة مغلقة... تشبه جريمة لم تُكتشف بعد.

نفضتُ سيجارتي ببطء.

ورحتُ أسترجع نظراته…

ليوناردو فيريرا.

اسمه فقط كافٍ لأن يوقظ كل غرائزي القديمة. تلك التي خبأتها في صندوق ودفنته تحت طبقات من الجليد، ثم نسيت أن أدفن المفتاح.

من هو بحق الجحيم؟ وكيف استطاع أن ينطق اسمي هكذا… كأنني لست أكثر من ورقة ضمن ملفه؟

لقد تدربتُ سنين لأكون "التي لا تُعرَف"، امرأة بلا ملامح، بلا ماضٍ. وفي لحظة، مزّق هذا الغريب كل تلك الأقنعة بصوته وحده.

أدرت وجهي للسماء…

لا نجوم. كأن السماء هي الأخرى تخاف أن تكشف نفسها الليلة.

رنّ هاتفي.

"نعم؟"

كان الصوت في الطرف الآخر بارداً كالصقيع:

"جوليا قُتلت."

تجمّدت.

"متى؟"

"قبل ساعتين. أُصيبت برصاصة مباشرة في الرأس… في الحي الشرقي. وكانت في طريقها إليك."

هنا… توقّف الزمن.

جوليا؟ حبيبتي السابقة؟ شريكتي في الجريمة القديمة؟ المرأة الوحيدة التي عرفت كيف تحطّم دفاعاتي دون أن تلمسني؟

"هل قال أحد شيئًا؟ ترك أحدٌ بصمة؟"

"لا. لكن كان هناك توقيع على الجدار…"

صمت.

أجبرني على النهوض.

"أي توقيع؟"

أجاب بهدوء قاتل:

"ثلاث نقاط حمراء… على شكل مثلث."

رفعت يدي تلقائيًا إلى كتفي.

ذلك الرمز... لقد رأيته مرة، محفورًا في ظهر أحد الجثث في رومانيا قبل سبع سنوات. كان يعني شيئًا واحدًا فقط…

العودة.

نهضتُ بسرعة.

انتهت فترة المطاردة العادية… وبدأت الحرب النفسية.

هبطتُ من السطح بخفة قاتل محترف، خطواتي لم تُصدر صوتًا، ولكن قلبي… ضجّ بكل الضوضاء التي ظننتُ أنني قتلتها منذ زمن.

مشيتُ في الأزقة، أتنفس رطوبة الجدران وأشم رائحة الخطر في الهواء. هذه المدينة لا تنام، فقط تتقن فنّ التظاهر.

كنت أعرف أني مراقَبة.

الخطوات خلفي كانت خفيفة… مترددة.

"حسنًا..."، تمتمتُ في داخلي.

"فلنرَ من الجريء بما يكفي ليتعقّبني."

توقفت فجأة. ثم انعطفت يسارًا دون تحذير.

استمعتُ.

خطوتان… ثم توقف.

ثم صوت أنثوي همس خلفي:

"إيزابيل..."

أدرتُ جسدي برشاقة، وسحبتُ مسدسي في أقل من ثانية، مصوّبة إياه مباشرة بين عيني صاحبة الصوت.

لكن حين رأيت وجهها…

انخلع داخلي.

"كارمن؟"

الفتاة التي دفنتها في ذاكرتي قبل عشر سنوات. آخر شخص ظننته سيظهر مجددًا. كانت ترتدي معطفًا رماديًا يلتصق بجسدها بفعل المطر، وعيناها الخضراوان فيهما بريق مكسور، كأنها تحمل خبر نهاية العالم.

همستَ بمرارة:

"ما الذي تفعلينه هنا؟ من أرسلك؟"

كارمن ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تقدّمت خطوة.

"جئتُ لأحذركِ. لقد عاد."

لم أحتج لسؤال "من".

الجواب كان محفورًا بيننا كما تُحفر الجروح تحت الجلد.

"ليوناردو؟"

هزّت رأسها، ثم قالت بنبرة مرتعشة لكنها مملوءة بالكراهية:

"ليس وحده. إنهم كلّهم… المجلس القديم. المشروع عاد للحياة. و… أنتِ هدفهم الأول."

في تلك اللحظة، شعرتُ بجمرة قديمة تنفث رمادها داخل صدري.

كأن شيئًا كان ميتًا… استيقظ وابتسم.

"دائمًا ما كنّا نعلم أن هذا اليوم سيأتي"، قلتُ ببرود.

ثم خفضت سلاحي.

"أين التقي بهم؟"

أمسكتُ بذراع "كارمن" بعنف، نظرتُ في عينيها كأنني أبحث عن شيء… أي شيء، يثبت لي أنها ليست مجرد شبح آخر من أشباحي التي عادت لتلعب.

"أين؟"

"المنطقة الصناعية القديمة. المستودع 47… الليلة."

قلتُ:

"إذا كانت هذه فخًا، فأنت تعلمين كيف ستكون نهايتك."

هزّت رأسها ببطء، ثم تراجعت.

لم أحتج سماع كلمات أكثر.

سلكتُ طريقي بين الأزقة القذرة، كلّ جسدي مشدود كوتر قوس، وعيناي تبحثان عن أي ظل مشبوه.

مدينة مثل هذه لا تمنحك الوقت لتتراجع، بل ترميك مباشرة في فم العاصفة.

وصلتُ إلى الشقة.

بابها كان موصدًا، لكن الغريزة لم تخدعني…

أحدهم دخل.

بثوانٍ كنت داخل المطبخ، وقد سحبت خنجري الصغير من حزامي.

تحركت كأنني طيف.

في الصالة، وجدتُه.

واقفًا أمام لوح الصور الذي علّقته ذات مساء، ينظر إلى وجهي المبتسم في صورة قديمة… صورة لم أعد أشبهها.

"لم تتغيري كثيرًا يا إيزابيل."

صوته كان كفحيح أفعى.

جليدي، رزين، بارد.

استدرتُ ببطء.

وجهه لا يزال كما أتذكره… وسيم لكن محفور بالقسوة. رجل لا يرحم، ولا يُرحم.

"وأنت لم تتعلم أبدًا ألا تدخل أماكن ليست لك، كايل."

ابتسم.

"أوه، لكن هذا المكان لي أكثر منك. لا تنسي… كنتِ من صنع يدي."

اقتربتُ، وبداخلي طوفان.

لم أكن تلك الفتاة التي كان يدرّبها على القتل، ولا تلك التي بكت أمامه في الليلة التي باع فيها ولاءها.

"إذا جئت لتذكرني بماضٍ دفنته، فوفّر كلامك. أما إذا جئت لتقتلني… فحاول أن تفعلها الآن."

نظر إليّ بعينين ميتتين، ثم قال:

"لم آتِ لقتلك يا إيزابيل… جئتُ لأعرض عليكِ وظيفة."

ضحكتُ بمرارة.

"وظيفة؟ بعد كل شيء؟ بعد أن جرّدتني من هويتي وتركتني في العراء؟"

اقترب أكثر، حتى بات بيننا أنفاس.

"أنتِ أكثر من مجرد قاتلة. المشروع يحتاجكِ. المجلس يريدكِ. والمجهول… ينتظركِ."

عندما نطق ذلك الاسم، توقفت الدنيا للحظة.

المجهول… هو من كسرني، وأعاد صياغتي.

هو من كتب اسمي بالدم.

هو… من لا يزال يهمس لي كل ليلة في الظلام.

جلستُ على الأريكة التي تعرّفت إلى الكثير من دمي في ليالٍ ماضية. بدا كايل مرتاحًا جدًا، كأنه لم يكن يومًا سببًا في شتاتي.

أخذ نفسًا عميقًا، وقال ببرود:

"إيزابيل، المشروع لم يعد مجرد لعبة مافيا. لقد خرج عن السيطرة."

رفعت حاجبي بسخرية:

"وأنا ماذا؟ المُنقذة؟ أنت آخر من يطلب هذا."

أخرج من سترته صورة، انزلقت على الطاولة الخشبية المتشققة. نظرتُ.

كانت صورة… لي.

لكن لم تكن صورةً عادية.

كنتُ فيها... أقتل رجلًا. لقطات من كاميرا مراقبة، واضحة، دقيقة، دون أي مجال للإنكار.

تصلّبت ملامحي.

"كيف حصلتَ على هذه؟"

رد ببرود قاتل:

"هذه نسخة واحدة من عشر نسخ وصلت للمجلس. هناك من يحرّك الخيوط من خلف الستار، واسمك بات هدفًا."

سحبتُ الصورة، مزقتها ببطء كأنني أمزق رأسه.

"وهل تظن أني سأركض لحمايتكم؟"

اقترب مني أكثر، نظر في عيني مباشرة:

"بل ستحمين نفسك، إيزابيل. لأن المجهول لا يريد القضاء عليك فقط… بل يريد أن يُعيدك كما كنتِ. دمية."

ارتعش شيء في داخلي، لكنه لم يظهر على وجهي.

الدمية؟

تلك الفتاة ذات الشعر المنسدل والابتسامة المكسورة؟

تلك التي صممت خصيصًا لتنفذ؟ لتطيع؟ لتُقتل بلا ضجيج؟

رفعتُ رأسي بشموخ:

"إذا اقترب مني، سأجعله يندم على اليوم الذي كتب فيه اسمي على ملفّه."

قال كايل:

"لا يمكنكِ فعلها وحدكِ هذه المرة."

قلتُ بهدوءٍ يشبه عاصفةً:

"لم أكن يومًا وحدي. كان معي شيء لا تملكونه أنتم جميعًا… الجحيم نفسه، وقد علّمني كيف أعود."

سكت.

أعرف تلك النظرة في عينيه. كان خائفًا… من احتمالي أن أوافق، أو أن أرفض.

كلا الخيارين يحمل كارثة.

أغلقتُ عينيّ للحظة.

أصوات الماضي تهمس من كل زاوية، من كل ركن في هذه الشقة.

صراخي، بكائي، ضحكاتي المكسورة… كلها عادت تتنفس.

فتحتُ عينيّ.

"أرسل لي التفاصيل. لكن اعلم، يا كايل… أنا لا أعود إلا لتحطيم كل شيء."

خرج دون كلمة، ومعه رحل جزء من هدوء هذه الليلة.

أشعلت سيجارة بصمت، وجلست أتأمل اللهب الصغير…

المجهول يريدني؟

فليكن.

لكن عليه أن يتذكّر شيئًا واحدًا:

أنا لم أعد الفريسة.

أنا الذئب الذي علّمه الألم أن يبتسم قبل أن ينهش.

هل تعرف ذلك الشعور حين تسير في الظلام، وتدرك فجأة أن الظلال لا تُلاحقك... بل تسبقك؟

ذلك ما شعرت به حين خرجت من المستودع… والسماء تمطر رمادًا من ذكرياتي.

رافين كان بجانبي، لا يتكلم، لكن تنفّسه المرتبك يكشف عن عاصفة لا يريد لها أن تخرج.

عيناه تفضحان شيئًا لم يُقال… شيء أثقل من الرصاص.

سرت بصمت، خطواتي هادئة، لكن داخلي صاخب كصراخ طفل يُذبح.

توقّف فجأة.

قال بصوتٍ منخفض كهمسة سكين:

"إيزابيل… حان الوقت لتسمعي."

التفتّ إليه، عيني تحدّق في وجهه البارد.

أردت أن أصرخ عليه، أن أطالبه بالصمت، لكنني... سكتُّ.

"ما كنا نطارده… ليس مجهولًا بالنسبة لي."

ابتسم بسخرية.

"أعرفه أكثر مما أعرف نفسي."

اقتربتُ، نظراتي انغرست فيه.

"توقف عن الألغاز، وقل ما تعرفه، الآن."

تنهّد كمن يستعدّ لانتزاع قلبه من صدره.

"أخي... كان مشروعًا فاشلًا بالنسبة لهم. أرادوا خلق سلاح لا يخطئ، فأخذوا منه إنسانيته. وأعادوه… شيئًا آخر."

صمتّ.

كلماته تسللت إلى صدري كخنجر مغطّى بالعسل.

"وذلك السلاح… هو المجهول؟"

سألتُ، لكنني عرفت الجواب مسبقًا.

"ليس المجهول وحده. هو البداية فقط. هناك آخرون... وأنت، يا إيزابيل، في المنتصف تمامًا."

لم أفهم... أو بالأحرى، لم أُرِد أن أفهم.

أغمضتُ عينيّ، واستحضرت لحظة قديمة... يومها كانت النيران تلتهم كل شيء، وأنا كنت أنظر، لا أصرخ، لا أهرب… فقط أنظر.

ربما لم أكن ضحية كما ادعيت.

ربما… كنتُ وقود الجريمة منذ البداية.

في تلك اللحظة، سيارة سوداء توقفت أمامنا.

تقدّمت نحوها، فتح الباب ببطء، وكأنّه يدعوني إلى حفلة موتي.

على المقعد الأمامي… ورقة صغيرة.

فتحتها.

"مرحبًا، يا مَن صنعتِ الظل بيديكِ."

المجهول

ابتسمتُ، بمرارة.

ابتسامة من يعرف أن الجحيم ليس في الداخل… بل هو الطريق ذاته.

رفعت نظري إلى رافين.

"إن كان الجحيم قد استيقظ… فليعلم أنني لم أعد أؤمن بالفداء."

ركبت السيارة، وكانت الرائحة… مألوفة.

رائحة الخيانة.

وفي المرآة الأمامية، لمحته.

ظلٌّ في الخلف… يجلس بهدوء.

لم أكن وحدي في تلك السيارة.

في الخلف... لم يكن ظلاً، بل رجلاً.

ساكنًا، جامدًا، لكنّ حضوره كان كافياً ليربك حتى الرصاص.

لم أنظر إليه أولاً، بل ركّزت على أنفاسي... على نبضي الذي تسرّع كما لو أنه يريد الهرب من صدري.

اليد التي امتدت ببطء من العتمة إلى كتفي، لم تكن قاسية.

كانت ناعمة... مخادعة كهمسة سُمٍّ في أذن عاشقٍ غافل.

"مرحبًا مجددًا، إيزابيل."

صوته...

كأنني سمعته منذ زمن بعيد.

صوتٌ لا يُنسى، ليس لأنه جميل، بل لأنه يُفجّر فيك آلاف الذكريات التي لم تعشها بعد.

استدرت ببطء.

وفي العتمة، وقعت عيناي على وجهه.

مألوف.

بشع.

جميل.

ومكسور.

كأنّه قطعة من ماضٍ حاولتُ دفنه، فعاد إليّ بوجهٍ أكثر دهاءً.

"من أنت؟"

سؤالي خرج كهمسة... لا رجاء فيها.

ابتسم.

ابتسامة من يعرف، ويتلذذ بجهلك.

"أنا من تركك يوم سقط السقف فوق رأسك."

"أنا الذي أغلق الباب قبل أن تصرخي."

انفجرت الذاكرة كقنبلة داخل رأسي.

الليل.

الدم.

صرخات الطفلة التي لم يفتح أحدٌ لها الباب.

"أنت... أنت كنت هناك."

همستُ وكأن الهواء نفسه لا يستحق الحقيقة.

هزّ رأسه.

"بل كنت السبب في أن يكون كلّ شيء هناك."

صمت.

كان ذلك الصمت أشد من الطعن.

أثقل من ألف رصاصة.

مددتُ يدي إلى المسدس في خصري، ببطء، لكن لم يكن هناك شيء.

نظر إليّ، كما لو كان يقرأ أفكاري.

"مجرد محاولة، إيزابيل؟ أنتِ أقوى من ذلك."

أشحت بوجهي، وقاومت رغبة عارمة بالصراخ.

لكنني تمالكت نفسي. لا مجال للضعف الآن.

"قل لي ما جئتَ لأجله... أو اسحب الزناد."

ضحك.

ضحكة واثقة... مخيفة... وكأنّه يحكم اللعبة منذ البداية.

"لم آتِ لقتلك. بل... جئت لأعيدك إلى حيث تنتمين."

نظرت إليه بعينين ملؤهما السخط.

"أنا لا أنتمي إلى الجحيم الذي خرجت منه."

اقترب، حتى شعرتُ بحرارة أنفاسه تلمس وجهي.

"إيزابيل... أنتِ من صمم الجحيم."

شعرت بعظامي تتكسر تحت وقع تلك الكلمات.

كأنها ليست مجرد جملة، بل حقيقة كنت أهرب منها طوال حياتي.

هو يعرف.

كل شيء.

الماضي.

النار.

الموتى الذين دفنتُ أسماءهم في الظلال.

أغمضتُ عيني.

لكن حين فتحتهما، كان المقعد الخلفي... خالياً.

وكأنّه لم يكن هناك.

أم أنني كنت أنا من تحدّث مع ماضيها؟

هل هو رجل؟ أم… شبح الحقيقة؟

الورقة التي كانت على المقعد، تحكي كل شيء.

"كل الطرق تؤدي إلى ذات الجحيم…

لكن جهنمكِ، إيزابيل، لها مفتاح… وأنتِ صانعته."

المجهول

الظلام…

لم يكن فقط في السيارة، بل بدأ يزحف داخل رأسي، يتسلل إلى ذاكرتي، يفتّش بأصابعه الباردة عن الحقيقة التي حاولت دفنها لسنوات.

الورقة ما زالت بين يدي، وخطّه…

ذلك الخط، كنت أعرفه.

كنت أعرفه حتى وإن مزّقوا عيوني.

"المجهول"؟

أم هو… أنا؟

أوقفتُ السيارة على جانب الطريق، أنفاسي تتلاحق وكأنني أركض في سباقٍ مع شبحٍ لا أراه.

منذ متى بدأ كل شيء؟

منذ الليلة التي تركوني فيها خلف الباب؟

أم منذ أن كبرتُ وقررتُ ألا أطرق أبواب أحد؟

أعدت قراءة الجملة على الورقة مرارًا، كل مرة بصوت داخلي مختلف.

مرة بصوت أبي.

مرة بصوت أمي.

ومرة… بصوت الرجل الغامض الذي ظهر واختفى كخيال مرّ عبر قلبي.

"جهنمكِ، إيزابيل، لها مفتاح… وأنتِ صانعته."

أيّ نوع من الحقيقة تلك؟

هل كنتُ أنا السبب في كل ما حدث؟

في موتهم؟

في اختفاء ليلى؟

في النار التي أحرقت المنزل القديم؟

ارتجفت يداي.

فتحت باب السيارة، خرجت للهواء، بحثًا عن شيء يشبه الواقع.

لكن الشارع كان خاليًا.

لا ضوء.

لا صوت.

حتى الريح اختارت أن تتجاهلني.

كان عليّ أن أستفيق.

أن أستعيد السيطرة.

استدرت ببطء، وعيناي لا تزالان تتفحصان كل زاوية.

لكن لا أحد.

لا ظل.

فقط… شعور داخلي بأنني مراقبة.

هاتف رنّ داخل السيارة.

رقم مجهول.

نفس الرنين الذي سمعتُه قبل اختفاء "ماكس"، المحقّق الوحيد الذي صدّقني.

رفعت الهاتف، ببطء، وضغطت على زر الإجابة دون أن أقول شيئًا.

"وصلتِ للمرحلة الثانية، إيزابيل."

صوته. مجددًا.

رقيق، بارد، وقاطع.

"أين أنت؟!" صرخت.

ضحك بهدوء.

"في كل مكان… وفي داخلكِ أكثر من الخارج."

"المفتاح في يدكِ، لكن الباب مغلق من الداخل."

ثم انقطع الخط.

أعدت الاتصال… لا شيء.

رقم غير متاح.

بدأت أفكر:

هل كل هذا اختبار؟

هل أنا داخل لعبة؟

أم أنها ليست لعبة، بل انتقام مرسوم بعناية؟

تقدّمت نحو حقيبة السيارة، فتحتها، وهناك…

وجدت شيئًا لم يكن من المفترض أن يكون هناك.

ملف أصفر.

عليه علامة حمراء، وعبارة مكتوبة بخط يد مألوف:

"من هنا بدأ كل شيء…

واقرئي الصفحة 13 جيدًا. سيصدمك من كتَبها."

صفحة 13؟

أصابع الشك بدأت تخنقني.

لكنّني… فتحت الملف.

هناك لحظات لا يمكنك الهرب منها...

لحظات تشبه الباب المغلق من الداخل،

الذي لا مفتاح له سوى صدقك مع نفسك...

لكن ماذا لو كانت الحقيقة هي الجحيم ذاته؟

جلستُ على المقعد الخلفي للسيارة، الملف بين يدي، وأصابعي ترتجف.

أشعر وكأنني أفتح نعشًا، لا مجرّد أوراق.

كل ورقة كانت شاهدة قبر،

وكل سطر كان اعترافًا مؤلمًا... أو تهديدًا متنكرًا بالحقيقة.

الصفحات الأولى كانت صورًا، تقارير طبية، محاضر شرطة من سنوات مضت…

أسماء أعرف بعضها، ووجوه لم أرها من قبل لكنني شعرت بها تخترق ذاكرتي.

لكن كل ذلك لم يكن مهمًا،

كل ذلك كان تمهيدًا… للصفحة الثالثة عشرة.

حين قلبتُ إليها،

أحسستُ أن قلبي توقّف.

أنفاسي تجمدت في منتصف الحلق.

وشيء ما داخلي تمزّق.

كانت صفحة مكتوبة بخط يد… بخط أعرفه.

بل عشتُ سنوات وأنا أتشبث به كأنه الحبل الأخير بيني وبين من كنتُ أظنه الأمان.

كان بخط أمي.

توقفتُ عن القراءة أولًا… ثم أجبرت نفسي على المواجهة.

الجمل الأولى كانت كالتالي:

"إيزابيل، صغيرتي...

إذا قرأتِ هذا، فهذا يعني أنّ الحقيقة وجدت طريقها إليكِ، رغم كلّ محاولاتي لحمايتك منها.

اعذريني… لم أكن أماً شجاعة، بل كنتُ مجرد امرأة حاولت الهرب من ماضيها...

لكن الماضي لا يرحل، بل يعود، ويأخذ معه كل من تحبين."

حدّقتُ في السطور مطولًا.

كيف كتبت هذا؟ ومتى؟

ولِمَ تُرك لي هذا الآن، بهذه الطريقة المخيفة؟

تابعتُ القراءة رغم الألم:

"ما حدث في تلك الليلة لم يكن حادثًا، ولا حريقًا عرضيًا.

بل كان انتقامًا…

وأنا السبب."

شعرتُ أن رأسي يدور، أن الواقع يتلاشى من حولي.

أمي؟ السبب؟

أمي التي كنتُ أراها قديسة؟

التي ماتت في تلك الليلة حامية لي، لا هاربة مني؟

"سرقتُ شيئًا لا يجب أن يُسرق… وثقتُ بشخصٍ لا يجب أن يُوثق به.

ودفعت الثمن، أنا وأبوك… وأنتِ."

هذه الكلمات حفرت في روحي حفرة لا قرار لها.

أيّ نوع من السر؟

وأيّ شخص ذلك الذي تتحدث عنه؟

"اسمه… كاين."

ارتجفت يداي.

كاين.

الاسم نفسه الذي قاله الرجل الغامض عندما همس في أذني واختفى.

هل… هو؟

"إذا عاد كاين، فاعلمي أنّ كل شيء بدأ مجددًا،

وأنّكِ، دون قصد، ستكونين المفتاح الثاني...

لا تفتحي الباب يا إيزابيل.

لا تفتحي الباب."

أغلقتُ الملف بقوة، وكأنني أمنع لعنة من الهروب.

أنظر من حولي…

كل شيء بدا ساكنًا،

لكن داخلي كان عاصفة.

كاين…

ذاك الذي لا يظهر إلا حين يحين وقت الحساب.

ذاك الذي لا أحد يعرف وجهه، لكنه يعرف وجوهنا جميعًا.

رنّ الهاتف مجددًا.

الرقم نفسه.

لم أتردد.

"الصفحة الثالثة عشرة، ها؟"

كان صوته... هادئًا. كأنّه يقرأ أفكاري.

"كنا ننتظر أن تصلي إليها."

"أين أنت؟!" صرخت.

"أنا الباب يا إيزابيل...

وأنتِ المفتاح."

ثم أغلق.

في تلك اللحظة… أدركت أنني لم أعد أهرب من المجهول.

بل أنا…

صرت جزءًا منه.

______________________________________

إنتهى الفصل ♥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات المجهول

المؤلف Rit_al 💋
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة