حين يولد الجحيم من رحم الهدوء

حين يولد الجحيم من رحم الهدوء

22 0

أنا لا أركض\.

أنا لا أصرخ\.

أنا لا أبكي\.

لكن لا تظن للحظة أنّي لا أحترق\.

أنظر إليهم… أولئك البشر العاديين، يضحكون، يتثاءبون، يهرولون إلى أعمالهم كأن لا شيء تحت جلد هذا العالم يتآكل\.

وأنا؟

أنا لست منهم\.

أنا امرأة ولدت من رماد\.

1

من نار لم تخمد\.

من جثة أمٍّ لم تُدفن\.

من ليلٍ بلا شروق\.

هل أخيفك؟

كان يجب\.

اسمي؟

لن يهمّك الآن\.

لكنك ستعرفه\.\.\. تمامًا كما تعرف الألم حين يلدغك أول مرة دون إذن\.

لم أكن سوى شبح في مدينة لا ترحم\.

باردة؟ نعم\.

خالية؟ أحيانًا\.

لكن لا تخطئ الظن… أنا مليئة\.

مليئة بالصراخ الذي لم أسمح له بالخروج\.

بالبكاء الذي نحرته عند حنجرتي وابتلعته كسمّ\.

بكل الوجوه التي خانتني، ثم ابتسمت في وجهي وكأنها لا تحمل سكينًا خلف ظهرها\.

أنا تلك التي تصمت حين الجميع يتكلم\.

وتضحك حين الكل ينهار\.

أنا التي لا تثق… لا تنسى… ولا تسامح\.

في ذلك الصباح، وقفت أمام المرآة، أراقب انعكاسي وكأنني أتفحّص ضحية\.

شعري الأسود مربوط بإحكام\.

قميصي الرمادي يلامس جلدي كقيد خفي\.

عيني؟

تتوهج بلون العاصفة\.

فأنا لا أضع كحلًا\.\.\.

أنا أضع سلاحًا\.

لم أكن أرتدي ثوبًا من القوة…

أنا كنت القوة\.

رنّ الهاتف\.

رقم مشفر\.

ثلاث نغمات فقط، ثم انقطع\.

كلمة السر\.

رسالة وردت فورًا:

\> "الموقع: المجزرة القديمة\.

الهدف: غير محدد\.

الخطر: مرتفع\."

ابتسمت\.

المجزرة؟

أحب الأسماء ذات الطابع الحميم\.

ارتديت معطفي الطويل، وضعت المسدس في جانبي، والسكين خلف ظهري، والهاتف على الوضع الصامت\.

هل كنت ذاهبة للحرب؟

ربما\.

لكن من قال إنني خرجت منها أصلاً؟

ركبت السيارة، وأدرت المحرّك، والمطر بدأ يقرع على الزجاج\.

كأنه يريد أن يمنعني… أن يغسلني من شيء لن يُغسل أبدًا\.

لكنني لا أنصت للمطر\.

المطر يشعر…

وأنا، منذ زمن بعيد، كففت عن الشعور\.

حين وصلت إلى الموقع، كان المكان كما تذكّرته…

باردًا، مظلمًا، وصامتًا\.

كأن جدرانه تهمس لي: "مرحبًا بكِ مجددًا يا صغيرة\."

دخلت، ببطء، دون صوت\.

كل خطوة كانت إعلان حرب\.

كل شهيق كان وصية ميت لم يُدفن بعد\.

وفجأة…

خطوات خلفي\.

سريعة\.

منتظمة\.

استدرت ببطء\.

لا خوف\.

فقط ترقّب\.

هناك، في نهاية الممرّ، وقف هو\.

لن أقول اسمه الآن\.

لكن إن أردت الحقيقة، لم تكن أول مرة نلتقي…

ولن تكون الأخيرة\.

تابعني بصمت\.

عيناه كأنهما تعرفان أسراري كلها\.

ذلك النوع من النظرات التي لا تُنسى\.

كأنك رأيت وجهه في كوابيسك، أو في طفولتك… أو في اللحظة التي فقدت فيها نفسك\.

"أخيرًا، جئتِ\."

قالها، دون أن يبتسم\.

"أنت من استدعاني\."

أجبته بجفاف\.

"وما زلتِ تطيعين\."

ابتسم\.

وهنا… كان يجب أن أطلق النار\.

لكني لم أفعل\.

لأن شيئًا ما… أخطر من الرصاص… كان قد بدأ\.

أتعرف ذلك الشعور الذي يتسلل إليك فجأة دون مقدمات؟

كأنك تُغرز بإبرة من ذكرياتك؟

هكذا كانت نظرته\.

لم تكن عيناه سوداوتين كظلام الزنزانات، بل كانتا رماديتين\.\.\. كرماد جثّة لم تحترق كليًا\.

بكل بساطة، كان يشبه النهاية\.

تقدّمت منه، خطوة فقط\.

فما عاد قلبي يُهزّ\.

وما عدتُ أعترف بالمسافات\.

"ما الذي تريده مني؟"

سؤالي كان واضحًا… قاطعًا\.

ضحك\.

ضحكته لا تُشبِه الضحك… إنها تهديد مقنّع\.

"أريد أن أراكِ تفعلين ما كنتِ تهربين منه طوال حياتك\."

صوته… كان أشبه بموسيقى جنائزية\.

"أنا لا أهرب،" قلت، ووضعت يدي على خصري\.

أنا لا أهرب…

أنا فقط أؤجل الانفجار\.

اقترب مني\.

مسافة شهيق\.

"تبدين أقوى مما توقعت،" همس\.

"أنت أضعف مما توقعت،" رددت ببرود، ورفعت حاجبًا بسخرية\.

لحظة صمت\.

ثم هبّت ريح قوية، كأن المكان نفسه رفض وجودنا\.

"إيزابيل،" نطق اسمي لأول مرة\.

كأنه جرح نادى باسمي كي ينزف أكثر\.

أغمضتُ عينيّ لحظة\.

ذلك الاسم…

كنت أظنه مات\.

"لا تنادِني بهذا\."

"لكنك لا تملكين سواه\."

أردت أن أهاجمه\.

أن أضع رصاصتي بين عينيه\.

لكنني لم أفعل\.

ليس لأنني خائفة… بل لأنني أريد أن أسمع\.

لأني أريد أن أفهم\.

"هل هي عملية اغتيال؟"

"ربما،" أجاب\.

"هل الهدف واضح؟"

"لا شيء واضح… غيرك\."

صمت\.

أنا الهدف؟

أنا الطريدة؟

لا، لا… هذا مستحيل\.

أنا الصيّاد\.

أنا التي تقتل دون أن تلمس\.

أنا التي تصنع الرعب من مجرد نظرة\.

"لماذا أنا؟"

سألته، وهذه المرة، بصوت منخفض\.

أشار إلى صدره\.

"لأنكِ هنا… حيث مات كل شيء، وما زلتِ تنبضين\."

كلامه كان رمزيًا… مزيجًا بين لغز وقنبلة مؤجلة\.

"ما الذي تريده بحق الجحيم؟\!"

صرخت به أخيرًا\.

اقترب أكثر… ولمس وجهي\.

ذلك اللمس…

لم يكن فيه دفء\.

كان كصفعة من ماضٍ قذر\.

"أريدكِ أن تتذكري، إيزابيل\."

"أتذكر ماذا؟"

"أين كنتِ حين سقطتِ\."

"أنا لم أسقط\."

"بلى… فقط لم تنتبهي\."

تراجع، واستدار، وبدأ يمشي بعيدًا\.

كأن كلماته كانت القنبلة التي جاء ليرميها ويرحل\.

"سأنتظر عودتكِ،" قال دون أن ينظر خلفه\.

"لا تنتظر كثيرًا…"

"ما من جحيم يعود مرتين\."

لكنه اختفى…

قبل أن أنهي عبارتي\.

كما ظهر فجأة… رحل فجأة\.

وبقيت وحدي،

في قلب مكان

ينزف ذكريات،

ويُغلق أبوابه على امرأة…

بدأت تستعيد موتها\.

هل تعتقد أن أقسى ما في الألم هو الوجع؟

لا، يا عزيزي القارئ\.\.\.

الأقسى أن تعرف الحقيقة متأخرًا،

بعد أن تكون قد وقّعت روحك على عقد الصمت\.\.\.

وارتديت قناع القوة حتى صدّقك الجميع — حتى أنت\.

عدتُ إلى الشقة\.

نفس الباب، نفس الجدران، نفس العتمة التي كنت أُحبها ذات يوم…

لكنّها لم تعد لي\.

كأن الجدران نفسها لفظتني، كأن رائحة المكان أصبحت غريبة…

لم أعد أجد نفسي في المرآة\.

ألقيت المعطف على الأريكة، وسحبتُ زجاجة النبيذ من أعلى الرف\.

اللون… أحمر قاتم\.

أشبه بما سال على يدي قبل سنوات\.

لكنني لم أرتجف\.

القاتلون لا يرتجفون\.

جلست على الأرض\.

متعبة؟ لا\.

ضائعة؟ ربما\.

هاربة؟ دائمًا\.

ركّزت عيناي على الفراغ أمامي\.

لكن الفراغ لم يكن فارغًا\.

كان محشوًا بوجهه\.

بصوته\.

بكلماته التي لم يترك لها تفسيرًا\.

"سأنتظر عودتكِ…"

من قال إني رحلت أصلًا؟

أنا كنتُ هنا، لكن بجسد آخر\.

روحٌ خالية من نفسها\.

رنّ هاتفي\.

رقم مجهول\.

طبعًا\.

رفعتُ السماعة،

وقبل أن أقول شيئًا،

جاء الصوت… ناعم، أنثوي، لكن قاتل:

"السيد كروس يُرسل تحياته… ويقول إنكِ تأخرتِ\."

كروس؟

الاسم… غريب… لكن مألوف\.

"مَن أنتِ؟"

"مجرد ناقلة رسالة،" قالت\.

ثم أُغلِق الخط\.

هل قلت لك إن الحياة عندنا تُدار بلغة مختلفة؟

لسنا عاديين\.

نحن أبناء الظل\.

نحن نعيش في الفراغات… بين الرصاصة والفكرة، بين الكذبة والحقيقة، بين من نكون… ومن يتوقعون أن نكونه\.

فتحت صندوقًا تحت سريري\.

داخله، مسدّس قديم…

ورائحة دم لم تجفّ\.

مذكّرات قديمة، صورة ممزقة لرجل بلا ملامح، ومفتاح صغير\.

ذلك المفتاح… لم أستخدمه منذ عشر سنوات\.

لكنه ما زال يحتفظ بثقله في يدي،

كأن الذكرى معدنٌ لا يصدأ\.

وضعت المفتاح في جيبي\.

وارتديت قفازاتي السوداء\.

لا حاجة للمكياج\.

وجهي هو السلاح\.

خرجت\.

المدينة نفسها\.

لكنني اليوم لا أختبئ\.

بل أبحث\.

خطوتي الأولى كانت إلى "ذاكرة الخراب"\.\.\.

ذاك المقهى المهجور الذي كان مقرًا لأكثر اللقاءات كسرًا للنفوس\.

كان فارغًا، بالطبع… لكنه ليس خاليًا من الأرواح\.

جلست في الركن الذي كنّا نراقب منه العالم دون أن نشارك فيه\.

وجلستُ، كأنني أستعيد مَن كنت\.

صوت قادم من الخلف:

"تبدين أقل موتًا، إيزابيل\."

استدرت\.

هو\.

بوجه جديد\.

بلحية خفيفة، ونظرات لا تحمل أي اعتذار\.

"لمَ أنت هنا؟"

"لأنكِ فتحتِ الباب\."

"لم أفتحه\."

"المفتاح بجيبك\."

لم أرد\.

لأن الرد الوحيد كان في قبضتي\.

مسدسي\.

"كروس؟"

سألته\.

هزّ رأسه\.

"أنا كروسي، أنتِ ظلّي\."

ابتسم…

وكأن كل ما عشته كان مجرّد مقدمة…

لقصة لم تبدأ بعد\.

هل سبق وشعرت بأنك تجلس أمام عدوك، لكنك لا تعرف من المجرم؟

هو\.\.\. أم أنت؟

ذلك الشعور الغامض الذي يشبه الجلوس في قاعة محكمة،

لكن دون قاضٍ، دون هيئة محلفين…

فقط اثنان،

أحدهما ينتظر الحكم، والآخر يمسك بالمطرقة\.

جلستُ أمامه، ونظراته كانت مسمارًا يُدقّ في صدري بهدوء\.

جسده مائل إلى الاسترخاء،

لكنه لم يكن مسترخٍ أبدًا…

الهدوء في ملامحه كان مضللًا،

كهدوء البحر قبل أن يبتلع السفينة\.

"تبدّلتِ،" قالها بصوته المنخفض، وكأنه لا يُلقي ملاحظة، بل حكمًا\.

رفعت حاجبيّ، ورسمت ابتسامة سامة على شفتي\.

"ومن لم يتبدّل؟ حتى الجحيم تغيّر مذاقه… لم يعُد يحرقني\."

ابتسم\.

ليس بتلك الابتسامة التي تُطمئن،

بل بابتسامة تُخبرك أن الشكّ فيك ما زال قائمًا…

وأنه يراكِ، كما لم يرَ أحدٌ من قبل\.

"لكنني لم أتغيّر\."

قالها بنبرة واثقة، ورفع كوبه نحو فمه\.

"وهذا تحديدًا ما يثير القرف\."

يا لغرابة هذا المشهد…

كأننا عاشقان سابقان نتحاور في ذكرى رومانسية،

بينما الحقيقة؟

كلانا يحمل جُثة في حقيبته…

ولا أحد يُريد الاعتراف\.

"ما الذي جئتِ من أجله، إيزابيل؟"

سألني، وعيناه تفضحان نهمًا لا علاقة له بالحب\.

"لأذكّرك أنني لم أعُد تلك الفتاة التي تضحك حين تكذب\."

أجبتُ وأنا أضع ساقًا فوق ساق، أقطع الهواء بيننا بجسد لا يعرف التردد\.

"لا تكذبي… أنتِ لم تتوقفي عن الضحك قط، فقط غيّرتِ السبب\."

"وربما تغيّرت الضحية\."

صمتٌ مفخخ بالاحتمالات\.

وفي عقلي…

كان كل شيء يعود للوراء،

نظراته، صوته، حتى عطْره\.\.\.

كأن الذاكرة تحفر قبرًا جديدًا داخل رأسي\.

"إيزابيل… هل تعلمين؟"

همسها وهو ينحني قليلاً نحوي،

"كلانا ميت\. الفرق الوحيد أنني أعترف\."

حدّقت فيه للحظة، وفي داخلي صراع بين أن أصفعه أو أقبّله…

لكنني فقط قلت:

"الميت لا يتكلم… إلا في الجحيم\."

نهضت من مكاني\.

انتهت الجلسة\.

أو هكذا ظنّ\.

لكن حين مررت من جانبه،

همس: "حين تشتاقين، عودي\."

أجبت دون أن ألتفت:

"حين أشتاق… سأدفنك حيًا، لتظلّ تسمع قلبي ينبض في مكان آخر\."

خرجت\.

الهواء كان خانقًا،

لكن ليس أكثر من تلك العيون التي تحاول التهامك ببطء\.

أنا لم أعُد تلك الطفلة…

أنا الآن السكين التي نحتتُ بها قبري،

ثم استخدمتها في نحت ملامحي من جديد\.

أنهيتُ هذا اللقاء بوجهٍ جامد،

لكن داخلي؟

كان كعاصفة اختنقت داخل زجاجة\.

وكانت الخطوة التالية…

لا تقل هدوءًا،

لكنها حتمًا… ستبدأ بصوت رصاصة\.

هل تعرفون كيف يبدأ الانتقام؟

ليس برصاصة…

ولا بصفعة…

بل بنظرة واحدة،

تخرج من عينيك دون أن تعي،

وتقول لكل من يراك: "احذر، فقد نجوتُ من الجحيم، ولن أتركك تمرّ\."

خرجتُ من المطعم كأنني أخرج من جنازة\.

ليس جنازته…

بل جنازتي السابقة\.

تلك الفتاة التي جلست أمامه كانت أنا، لكنّي الآن لا أحمل سوى رمادها\.

الليل يتلوى كأفعى جائعة،

والشوارع تنكمش تحت كعب حذائي،

كأنها تعرف أن خطواتي تحمل وعدًا لا يُكسر\.

لم أذهب إلى منزلي\.

أوه، لا\.

المنزل الآن ليس إلا مكانًا للنسيان،

وأنا؟ لستُ في مزاج يرحم الذاكرة\.

توجهت إلى العنوان القديم\.

المخزن المهجور، الذي كان ذات يوم مقرًّا لضحكاتنا،

ثم أصبح قبرًا لأسرارنا\.

الهواء هنا يختنق بنفسه،

والجدران تمتص أي صوت كأنها تخاف من الحقيقة\.

لكنني لا أخاف\.

دخلت، يدي على السلاح المخفي في سترتي\.

رائحته لا تزال في المكان،

كرائحة الخيانة،

لا تزول بسهولة\.

"مرحبًا بعودتك،" قال الصوت خلفي\.

لكني لم ألتفت\.

"تأخرتِ\."

تابع بصوت يحمل استفزازًا لذيذًا\.

استدرت ببطء، والنظرة في عينيّ كانت كافية لأن تُعلن الحرب\.

"أنا لا أتأخر، أنا أختار اللحظة المناسبة\."

كان واقفًا هناك، مرتخي الكتفين،

لكنه لم يكن مسترخيًا\.

الرجل الذي اعتدت أن أُصدّق ابتسامته،

بات الآن الخصم الوحيد الذي أُجيد قراءته\.

"عرفتِ أنني هنا، أليس كذلك؟"

قال وهو يقترب\.

أجبت ببرود:

"كما أعرف أن أنفاسك مرتبكة… هذا لا يحدث حين تكون بخير\."

كان الفاصل بيننا شبرًا،

لكن في الحرب… الشبر يقتل\.

قال بهدوء:

"لماذا عدتِ، إيزابيل؟"

"لأضع نهاية لما بدأته\."

"لكن النهاية تكون حين يموت أحدهم، أليس كذلك؟"

ابتسمت، ورفعت المسدس نحو صدره\.

"إذن لننتظر من ينهار أولًا…"

لكن قبل أن أضغط الزناد…

همس:

"قبل أن تقتليني، هناك شيء عليك سماعه\.

هناك من عاد… من ماضيك\.

ولن يكتفي بالفرجة\."

انكمشت يدي على السلاح…

تجمّدت أنفاسي\.

اسمٌ واحد فقط يمكنه أن يُربكني…

"من؟"

سألته\.

لكنه لم يُجب\.

بل ابتسم\.

وبتلك الابتسامة…

بدأت الحرب\.

هل اختبرتم يومًا ذلك الشعور عندما تُسحب الأرض من تحت أقدامكم، لكنكم تبتسمون؟

ابتسامة لا لذة فيها،

بل سخرية…

سخرية من القدر، من الوجع، من أنفاسكم التي ما زالت تجرؤ على البقاء\.

كان صوته لا يزال يتردد في رأسي\.

"هناك من عاد… من ماضيك\."

تلك الكلمات لم تكن مجرد جملة،

كانت جرس إنذار في رأسي،

كأنها تُعلن أن كل ما دُفن… لم يمت\.

تقدمت نحوه خطوة\.

"قل لي اسمه، أو ستكون آخر كذبة تنطقها\."

لكنه لم يتحرّك\.

كان هادئًا… أكثر من اللازم\.

ورأيت في عينيه شيئًا جديدًا،

خوفًا مموهًا بثقة\.

قال:

"إذا أخبرتكِ الآن، ستنهارين\.

وأنا لا أريد أن أراكِ ضعيفة، إيزابيل\."

قهقهت بسخرية،

"ضعفي مات قبل أن يولد… على يدك\."

أطلقت النار…

لكن الرصاصة لم تكن لتقتله،

فقد أصابت الجدار بجانبه،

فقط لأثبت له أني لا أهدد عبثًا\.

اقترب مني، وبصوت خفيض قال:

"عودته ليست مجرد شبح من ماضيك…

إنه عائد لينتقم،

وليبدأ بكِ\."

ترددت أنفاسي، لكنها لم ترتبك\.

سألته:

"أتقصد… هو؟"

أومأ\.

وهنا…

ابتسمت\.

ضحكت\.

ضحكة طويلة… مجنونة… مخيفة حتى لي\.

"ليعد إذًا،" همست\.

"لكن عليه أن يعرف شيئًا…

أنا لم أعد تلك الفتاة التي كان يعرفها\.

الآن… أنا السكين، وأنا النار، وأنا الجحيم ذاته\."

خرجت من المخزن، وقلبي ينبض كطبل حرب\.

السماء كانت تمطر…

لكن المطر لم يكن باردًا\.

كان كأن السماء تبكي لأجلي،

أو ضدي،

لستُ واثقة\.

رائحة البارود على يدي،

والأرض تحت قدمي،

لكن الماضي…

عاد،

ومعه كل شيء كنت أظن أني قتلته في داخلي\.

أقسمت في تلك الليلة…

إن كانت هذه حربًا،

فلن أكون ضحية\.

أنا إيزابيل…

وسأجعلهم يندمون أنهم تركوني أتنفّس\.

هل مررتم يومًا على اسم… يشعل في داخلكم ثورة من العدم؟

اسم لا يُقال، بل يُخنق\.

اسم يشبه الخطيئة… لا يُنطق دون أن تنزف الروح\.

جلستُ وحدي في السيارة، أنظر للمرآة الخلفية، وكأنني أترقب شيئًا لن يظهر\.

لكنني أعلم…

الشبح الذي عاد لا يحتاج إلى جسدٍ ليرعبني، يكفي اسمه\.

"رايلي\."

همستُ به، وكأنني أفتح قبراً\.

الاسم خرج من فمي كنصلٍ قاطع…

وحين نطقته، شعرت بأن الهواء صار أثقل،

كأن الكون كله توقف ليستمع\.

رايلي لم يكن مجرد شخص في حياتي،

كان اللعنة التي تعلّمت كيف أحبها،

ثم كيف أهرب منها،

ثم… كيف أنكر وجودها\.

لكنه عاد\.

وبعودته… عاد كل شيء إلى الصفر\.

قبل سنوات، كنت فتاةً تؤمن أن الحب ينجو\.

الآن؟

أنا امرأة تعرف أن الحب يقتل…

وأن رايلي هو أول قاتل\.

رنّ هاتفي\.

كان جايس\.

لكن صوته هذه المرة لم يكن عادياً\.

قالها بسرعة، كمن يُفرغ قنبلة:

"إيزابيل… هناك جثة\."

ابتلعتُ اللعنة، وقلت بهدوء:

"أرسل لي الموقع\."

لكنه تمتم:

"إنها ليست جثة عادية…

إنها توقيع\."

انكمش قلبي\.

"أي توقيع؟"

قال بصوتٍ لم أسمعه منه من قبل:

"تم ذبحه،

وعلى الحائط مكتوب…

‘اشتقت إليكِ، صغيرتي\.’"

تجمّدت\.

ليس بسبب الجثة،

بل بسبب الجملة\.

رايلي وحده…

كان يناديني "صغيرتي"\.

في الماضي، كانت تلك الكلمة ملاذًا\.

أما الآن؟

فهي إنذارٌ ببدء الجحيم\.

قدتُ كأنني أطارد موتي\.

كل لمسة على عجلة القيادة كانت كأنني أسترجع الماضي بأصابعي\.

كل شارع، كل إشارة، كل عاصفة… كانت تهمس لي:

"عاد\."

حين وصلت، كان المشهد كما توقعت\.

لكن الشيء الذي لم أتوقعه…

هو أن دمي لم يبرد\.

بل احترق\.

نظرت إلى الحائط…

العبارة مكتوبة بالدم\.

كل حرفٍ فيها لم يكن مجرد ذكرى،

بل طعنة\.

استدرت، وقلت لجايس:

"لن أهرب هذه المرة\."

نظر إليّ وقال:

"ولا تُخطئي الطريق\."

أجبته بعينين لا ترفّان:

"بل سأصنع الطريق… من جثثهم\."

الدماء لم تكن على الحائط فقط،

بل كانت على الأرض،

كأن الجريمة لم تكن قتلًا… بل طقسًا مقدّسًا،

تم تنفيذه بعناية… لأجلي\.

نعم، لأجلي\.

تقدّمت بخطوات ثابتة، أدرس كل تفصيلة في المكان،

من زاوية الطعنة،

إلى طريقة تمزيق الأوتار الصوتية،

إلى وضعية الجثة…

كانت كلها رسائل مشفّرة،

وأنا أعرف لغتها\.

جايس كان يراقبني،

لكنه لم يتدخّل\.

يعرف أنني حين أكون في هذا الوضع…

لا أحتاج لكلمات، بل لصمتٍ يحترق\.

"أين عثرتم عليه؟"

سألت بنبرة لا تحتمل المساومة\.

"في مقبرة قديمة… مهجورة من أكثر من عشرين عامًا\.

لا يوجد كاميرات، لا شهود، لا دليل…

إلا هذه الجملة\."

أشرت إلى الحائط، وقلت:

"هذا ليس تهديدًا\."

تراجع خطوة، مصدومًا\.

"ماذا إذًا؟"

نظرت في عينيه، وقلت ببرود:

"هذا وعد\."

كان يعرفني جيدًا\.

ويعرف أنني لا أرتجف من الدم،

ولا أتهرب من الماضي\.

لكن هناك شيءٌ واحدٌ أخشاه…

رايلي، عندما يعد\.

لأنه لا يفي… بل يُنفّذ

أخرجت قفازاتي، وبدأت أفتّش الجثة\.

كل قطعة فيها تروي لي رواية\.

"الجلد مخدوش عند الرقبة…

هذا يعني أن القاتل استخدم خيطًا نحاسيًا…

وليس سكينًا منذ البداية\."

جايس تمتم:

"كأنك ترينه\."

أجبته دون أن أرفع رأسي:

"لأنني أعرفه أكثر مما أعرف نفسي\."

"كان يعشق التفاصيل…

حين يقتل، يقتل كمن يعزف سيمفونية\.

ولا يترك نغمةً ناقصة\."

اقتربت من الحائط، ولمست الكتابة\.

دمٌ حقيقي، لكنه لم يجف تمامًا\.

"لم يمضِ وقت طويل على خروجه من هنا\."

أدرتُ وجهي لجايس، وقلت بنبرة صارمة:

"نحن لا نطارد قاتلًا\.

نحن نطارده هو\."

ارتبك قليلًا\.

"لكن… لم نرَ دليلاً مباشرًا على أنه—"

قاطعت كلامه، وحدقت فيه:

"لا تهمّني الأدلة\.

حين تعيش في الجحيم… لا تحتاج لخرائط لتعرف مَن أشعل النيران\."

كان جايس يحاول التماسك، لكنه بدأ يدرك…

أن ما نحن فيه… ليس قضية،

بل إعلان حرب\.

وحين يكون رايلي طرفًا في الحرب،

فالخسائر لا تُقاس بالأرقام،

بل بالأرواح التي تحترق قبل أن تُدفن\.

"إيزابيل…"

ناداني بصوت منخفض، كمن يخاف أن يسمعه الماضي\.

"هل أنت مستعدة لتُقاتلي شبحه… من جديد؟"

نظرت إليه بابتسامة خافتة، مريرة،

وقلت:

"الشبح لم يعُد شبحًا يا جايس…

لقد عاد ليرقص على قبورنا\."

\-

لم يكن المكان مجرد مسرح جريمة\.

كان لوحةً فنية من الجنون،

جُرّدَت من كل منطق… وكل رحمة\.

لكن هل تعلم ما كان مخيفًا حقًا؟

أنني شعرت بشيءٍ يشبه الراحة\.

نعم…

وسط كل هذا الدم والفوضى،

شعرتُ أنني عدتُ إلى حيث أنتمي\.

"هو يستدرجنا،" تمتم جايس\.

"لا،" همست أنا، "هو لا يستدرج أحدًا… بل يفتح الباب فقط\."

خرجنا من المقبرة، والليل يغلي فوقنا بصمتٍ ثقيل\.

كأن النجوم رفضت أن تشهد على ما هو قادم\.

السيارة كانت تنتظر\.

الصمت بيننا لم يكن راحة… بل توتر مُقطّر\.

"سيكون هذا خطيرًا،" قال جايس أخيرًا\.

"أنتِ تعلمين، أليس كذلك؟"

التفتّ إليه، نظرت لعينيه\.

"جايس… الخطورة كانت خلفي،

أنا الآن أركض نحو الجحيم،

مشتاقة لاحتراقه\."

قاد السيارة بصمت\.

أنا جلست، ظهري مستقيم،

يدي في حضني، لكن عقلي في عالمٍ آخر\.

– ذكريات –

"هل تظنين أني سأترككِ تنامين الليلة؟"

قالها بصوته العميق، وهو يقترب،

كأن خطواته توقظ فيَّ كل رعشةٍ ممكنة\.

"رايلي… لسنا في مزاج المزاح الآن\."

"وأنا لا أمزح، إيزابيل\.

أنتِ لي… حتى حين تقررين الهرب\."

"أنا لا أهرب… أنا أنجو\."

ضحك بصوتٍ خافت، وقال:

"وأنا لا أقتلك… أنا أحبك\."

تنهّدت\.

ذلك الحب… كان خنجرًا\.

وأنا الآن أحمله بيدي… لا قلبي\.

"إلى أين؟" سأل جايس، وهو يتأهب لتدوير المقود\.

"الكنيسة المهجورة خلف جسر وولنغتون\."

تردد للحظة، ثم قال:

"هناك؟\! لكن لا أحد يذهب—"

"هو يذهب\."

سكت\.

لأنّه بدأ يفهم…

أنني لا ألاحق رجلًا\.

بل أُلاحق قدرًا\.

الطريق كان موحشًا\.

الرياح تصفر عبر النوافذ،

والعالم خارج السيارة بدا كأنّه لا يخصنا\.

"هل ما زلت تحلمين به؟"

صوته كان هامسًا… هشًا\.

لم أنظر إليه\.

بل أغمضت عيني، وقلت:

"أنا لا أحلم، جايس…

أنا أعيش كابوسي متيقظة\."

وصلنا\.

الكنيسة كانت هناك…

كأنها تتنفس الألم في صمت\.

خطوتُ أول خطوة نحو البوابة،

وقلت لنفسي:

"هذه ليست النهاية يا رايلي…

هذه الرقصة فقط… ما بدأت بعد\."

الصمت…

ذلك الوحش الذي التهم كل الأصوات في المكان\.

حتى أنفاسي صارت تخجل من نفسها\.

الكنيسة كانت خربة…

مُهشّمة الزجاج، يتدلّى من شبابيكها

شبح قديم… يشبه الخيانة\.

"رايلي…\!" ناديت، كأنّ اسمه مفتاحٌ لعالمٍ تحت الأرض\.

لا إجابة\.

فقط تلك الصدى العابر…

وكأن أحدهم يكرّر اسمه بحقد\.

جايس وضع يده على كتفي\.

كانت يده باردة… أم إنني أنا من احترقت؟

"إيزابيل، هل أنتِ متأكدة أن هذا—"

"أنا لا أبحث عن يقين، جايس…

أنا أبحث عن الحقيقة، حتى لو كانت تحترق\."

دخلت\.

الخشب تحت قدميّ كان يئنّ…

والجدران تنزف رطوبةً وعفنًا\.

لكن هناك، في الزاوية…

شخص\.

واقف\.

ساكن\.

كأنّه انتظرني طوال هذا العمر\.

"رايلي؟"

لم يجب\.

خطوتُ نحوه، كل خلية في جسدي تصرخ،

لكنني… أنا إيزابيل، أنا لا أعود للخلف\.

"تأخّرتِ،" قالها\.

بصوتٍ لم يتغيّر\.

بنبرة… لا تزال تقتلني\.

"وأنت لم تتغير،" رددت\.

اقتربت\.

"كنتُ أظن أن الجحيم سيأكلك\."

"هو أكلني… وعلّمني كيف أهضم الألم\."

ضحك\.

ضحكة مجنونة…

كأنّه رحّب بي إلى مملكته الخاصة\.

"هل جئتِ لتقتليني؟" سأل\.

"جئتُ لأفهم\."

"فهمُكِ سيكلّفكِ حياتك\."

"إذن لن تكون أغلى مما دفعت\."

اقترب أكثر\.

والعتمة بيننا تتلاشى\.

عيناه… لا زالتا كما هما\.

مزيج بين الشهوة… والندم\.

"هل تشتاقين لي، إيزابيل؟"

نظرتُ له طويلاً\.

ثم ابتسمت\.

"لا أشتاق… لكنني تذوّقتُ الجحيم، ووجدتُه يشبهك\."

فجأة… سحب مسدسه\.

"إما أن ترحلي… أو تنضمي لي\."

لم أرتبك\.

بل فتحتُ سترتي…

وكشفت عن المسدس الخاص بي\.

"لا أرحل، رايلي…

ولا أنتمي\."

تلاقت نظراتنا\.

اللحظة انفجرت بالصمت\.

وفي الخارج،

سقطت أول قطرة مطر\.

تبعها رعد…

ثم برقٌ كشف كل الندوب التي لم تلتئم\.

و من هنا بدأ كل شيئ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات المجهول

المؤلف Rit_al 💋
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة