كل من يقترب من السرّ يخرج مبللاً، لكن ليس كل مَن يرتوي منه يعيش ليحكيه.»
______________________________________
خرجت السيارة من تحت ضوء الزيتون وكأنها تجرّ ورقة تاريخٍ قد طويت للتو. نابولي تلوّح في الأفق بحوافّها المكسورة؛ منارة قديمة، مبانٍ متقاربة، وبحارٌ تهمس بالكثير ولا تكشف إلا القليل. اطلعت إيزابيل على الخريطة التي أعدّها راين؛ خطٌّ دقيق يصل بين نقاطٍ مبهمة: الرصيف الأزرق Collina Vlll — Santa Lucia — الكنيسة الغارقة (San Pietro Sommersa).
راين جلس أمام جهازه المحمول، عيناه تتبادلان الأرقام والخوارزميات كمن يقرأ نبوءات إلكترونية. كان الثقل على صدره واضحًا، لكنه لا يترك فريقه يشعر بضعفه.
— «المسافة قصيرة لكنّها مخاطرة مركّبة. الحشود على الرصيف الغربي قد تكون فخًا مزدوجًا: مراقبة بصرية مع كمائن أرضية.»
ابتسمت إيزابيل ببرودٍ لم يَزل يليق برمزها الجديد، وقالت:
— «نفترض أن الأرض ليست صديقة. ناتيك إلى الماء من الخلف. قاربٌ صغير، حاجب بصري، ثلاثة رجال تحت غطاءٍ محليّ—مثلما كنا البارحة.»
كارمن رتّبت بنادقها داخل الرف القماشي، تلمس الزوايا كأنها تطمئن أنها لا تحمل شيئًا مزيفًا. ماركو رتب الصندوق بجانب الدفتر، راين أغلق سيرفره في وضعية الطيّ، كأنه يغلق باب غرفة نوم طفل عند منتصف الليل.
في الطريق، ظلّت الصورة الصغيرة في رأس إيزابيل: ليوناردو على الشرفة، يبتسم نصف ابتسامة، يقول لها كلماتٍ تبدو وكأنها وعودٌ متأخرة: «إذا فتحتيه… احمِ قلبك.» لم تكن وعودًا، كانت مرآة ثانية؛ شيءٌ بين خصمٍ وفارسٍ، بين تحذيرٍ ورغبةٍ.
---
وصلوا إلى قريةٍ ساحلية صغيرة، حيث تُخفي بيوتها الحديثة بقايا أثار رصيف قديم. الانزلاق إلى الماء تمّ في هدوءٍ حاذق؛ القارب النفّاث الصغير أخذهم بين أمواجٍ قصيرة. على بعد مئتي متر، ظهرت كنيسةٌ نصفها تحت البحر: سقفها مكشوف، برجها يلمع برصاصة من صليبٍ ينتصب في الهواء. الصخر حولها يشكل مساراتٍ ضيقة؛ عند المدّ العالي تختفي الكنيسة تمامًا، وعند الجزر تظهر البوابة الحجرية لمن يريد أن يرى ما تحتها.
نزلوا على شاطئٍ حجريّ قرب المدخل البحري المؤدي إلى الدهليز الذي كان يعرفه القليل؛ لوكا تأقلم مع الأرض سريعًا، خطواته هادئة، أي شيء فيه يحمل ماضياً من حركةٍ نظامية.
— «نخفي القارب هنا. خمسةٌ منا يمشون إلى البوابة، الباقون يغطون الخلف. لا طلقات إلا إن انفلت شيءٌ لا يُقَبَل.» وجهت إيزابيل الأمر كما لو أنّ الكلمة بحدّ ذاتها سيف، وما أن انقضّت على الهواء حتى شعر الجميع بثقلها.
اقتربوا من البوابة. كانت مصنوعة من حجرٍ رمليّ قديم، محفور فوقه دوائرٌ وبقايا رموزٍ لا تُقرأ إلا إن ملكت مفتاحها. راين مرّر البطاقة الشفافة على شقٍ صغير في جانب القفل — لم يحدث شيء. ثم كرّرها، ثم مال على جانبٍ آخر؛ أوردة البطاقة تفاعلت مع الحفر، ظهرت خطوط ضوئية دقيقة، واللوح عنقّد على صريرٍ خفي.
فجأةً، اندفع من الظلال ضجيجُ خطواتٍ، أصواتٌ إيطاليةٌ مطمئنة تقول: «لا تزعجوا القرويّين»، ثم تشتّت إلى فحيح رصاص. نزع الحاضرون قناع الصبر.
كانت المشكلة هنا أنّ أثينا لم تكن تلعب وحدها؛ هناك مجموعات محليةٌ مدفوعةٌ بالنقود، بعضهم يعرفون الطريق، وبعضهم يعرفون الوجوه. امتلأ المكان بصدى إطلاق نارٍ محدد، نيرانٌ تكتيكية متوازنة لوحيّ المناضلين المتدربين.
إيزابيل انطلقت. ليست كما انطلقت قبلها آلاف المرات؛ هذه المرّة كانت رئةُ القائدِ تخرج موجاتٍ منظمة. ركضت نحو المدخل بحركةٍ جعلت جسمها سهمًا؛ تسللت بين أحجار البوابة، كشفت شقوقها، لمسّت بأناملها المكان الذي ينفتح فيه الحجر.
في الطرف الآخر، ظهر ظلّ طويل: ليوناردو. لا مجيئه عشوائي، بل تخطيط متكامل — كان على وشك أن يضع نفسه كما الفقيمة التي تُطفئ فتيل نيران كثيرة. وقف مقابل الباب، ووجهه يحمل ملامح التعب الأخطر: رجلٌ يأخذ قرارًا بينما يعرف ثمنه.
نظرت إليه مباشرة، وقالت بهدوءٍ تَكتنفه حرارة:
— «لم تمنع نفسك من أن تأتي.»
أجابها بنبرةٍ لا تبتعد عن نعومة السكين:
— «أردت أن أرى إن كنت ستأخذين المفتاح بيديك أم ترفعينه بيدٍ ترشّ السّم.»
لم تثره الأسئلة الحديثة، بل سحب لـيواردو جهازًا صغيرًا، وضعه على شق الحجر، صوتٌ وميضُه دقّ، ثم اختفى حجرٌ صغير وأسفلَه درج يهبط نحو ظلمةٍ مبللة.
نزلوا. النفق كان باردًا؛ قطرات ماءٍ سقطت من السقف كأنّ السقف نفسه يذرف دموعه. تحوّل الطريق إلى سلسلة من حجراتٍ صغيرة متصلةٍ بفتحات زجاجيةٍ قديمةٍ تسمح لوميض قمرٍ متسلّل أن يرسم خطوطًا على الصفائح المعدنية. الهواء يغيّر طعمه: من الملوحة إلى رائحة معدنٍ مخلوطٍ بعفن المختبرات.
في منتصف القاعة، فتحت بابٌ من الحديد، وكشف داخلها مختبرٌ صغير؛ أنابيب، برطمانات، صفيحة رقيقة تقرأ نبض الذاكرة. هناك، على طاولة معتمة، وضع صندوقٌ صغيرٌ—ليس الصندوق الأسود الكبير، بل صندوقٌ أقل حجمًا، ملفوفٌ بشريطٍ قديم. فوق الورق، صورةٌ ضبابيةٌ لرجلٍ أصغر سِنًا، يرتدي معطف مختبر: عبارة خطّها قلم رفيع: «V.F – 2016». وخيط تركيبٍ صغير مرسوم على هامش الورقة: مصغر—تخصيص—استدعاء.
راين اقترب ببطء، مسح الطبعة على الشاشة، ثم حفرت عيناه أكثر:
— «هذا… هذا ليس مجرد اسم. إنها إشارة إلى ذلك المشروع الذي كانوا يظنه ميتًا. V.F… Vincenzo Ferrera؟»
صمتٌ ثقيل. جملةٌ واحدة يمكن أن تهزّ أرواحهم: ليوناردو، هل هذا اسمٌ مألوف؟ لكنه لم يكن مجرد اسم؛ كان لسان التاريخ.
في تلك اللحظة، ارتفع صوت؛ بابٌ صغيرٌ من خلف المختبر انغلق بصخب. ظهر رجلٌ مسنّ، شعره أشيب جزئيًا، ووجهه حفرةٌ لا عاطفة فيها—يداه ترتعشان قليلاً. كان بقايا قائد تجربات، شخص يعرف كيفية جعل الضحايا آلات. عيناه بحثتا في الوجوه حتى توقفت عند ليوناردو.
— «حسنًا… جاء البعض ليلعبوا لعبةَ الغاز مع أهل البحر.» قال بصوتٍ جاف. «أربع سنواتٌ وأنا أبحث عن من يكسر عرفًا قديمًا—من يمنعنا من فتح الباب الثالث بطريقتنا.»
لم تنفك إيزابيل عن النظر إلى الرجل. كان في خاطره صور هذه الوجوه، وجوهٌ تعرف أن تسرق الأسماء وتحوّل البشر إلى رموز.
استدار فجأة إلى ليوناردو بسؤالٍ قاسي:
— «ألم تعلم أنّك تركتَ غبار مشروعنا في رجاله؟»
ليوناردو أومأ: «علمت. لكن لم يعد إسمي مجرد ماسكة على سجل. أصبح تساؤلًا: هل تستحق الأمواج أن تمحو هذه الوجوه أم نكتب اسمائنا فوقها؟»
في خاطرةٍ سريعة، ظهرت له صورةٌ من الماضي: قاعةٌ بيضاء، أصوات أجهزة، طفلٌ صغير يُسمى V.F يقف أمام شاشة—هو هنا، ذاكرةٌ قديمة. كان المشهد كلّه في فلاشٍ بارد؛ ليوناردو في ذلك اليوم، لم يكن إرهابياً، بل حلقة في آلةٍ كبرى. لم يذهب حبٌّ في قلبه، لكن انطفأ شيءٌ آخر—ضميره لم يُمحَ، بل تلوَّن.
وهو يخرج من ذاك الماضي بخطى ثابتة، أوقف الجميع بكلمةٍ لا تخلو من الحزم:
— «قد تكون أثينا عقلًا، لكنّ الماضي له صوت. إذا أردتم أن تنزعوا النخاع—فعليكم أن تعرفوا من زرعه. هذا المختبر… هو البداية، وليس النهاية.»
ابتلعوا الكلمة كما لو أنها قطعة مريرة جداً. إيزابيل أخرجت يديها من جيبيها، مدّت الأصابع على لوحةٍ باردة، ثم همست لنفسها:
— «نحن لا ندخل لإغلاق الباب فحسب… نحن ندخل لنرى من كتب الأسئلة في داخله.»
وفي ذلك الوقت—وفي صمتٍ لم يعِده أحدهم—سمعوا صوت خطواتٍ على الدرج الحديدي. لم تكن خطوات غريبة. كانت خطوات شخص يعرف كيف يقطع الحبال دون أن يسمعها.
نظرت إيزابيل إلى ليوناردو:
— «هل ستبقى معنا إلى الداخل… أم أن دورك ينتهي عند البوابة؟»
نظر إليها لفترةٍ وجيزة، ثم أجاب بلا ترددٍ يكاد يكون اعترافًا ولم يكن:
— «أنا هنا لأنني إن لم أكن، سيأتون بعدكم بمفاتيح. وسأقف لأمسك المفتاح حين يقرر التاريخ من يستحق الفتح.»
ابتسمت إيزابيل نصف ابتسامة. لم تكن عاطفةً كاملة ولا برداً مطلقاً. كانت اتفاقًا ينبت في حلبة الحرب: أن يلتقيا حيثما تشتعل الحقيقة، وأن يمنحا بعضهما مساحةً للبقاء إن اختارا ذلك.
ثم دخلوا معًا إلى غرفةٍ أصغر، حيث تنتظرهم شرائحٌ من ذاكرةٍ قديمة، لوحات تسجيل، وأوراق تغلغلت فيها سنوات التجارب. وفي زاويةٍ من الغرفة، هناك جهازٌ صغير عليه بطاقةٌ شفافةٌ أخرى… تحمل اسمًا، لكنه ليس اسمًا عادياً. كان اسمًا معلقاً بين الذكر والعدم: Locus Veritas — ومفتاحٌ ثالثٌ يرمز للبوابة القادمة.
لم تنتهِ الرحلة. كانت البداية فقط قد عادت لتقول: العد التنازلي بدأ.
تجمّد الهواء لبرهة، كأنّ الغرفة نفسها تستنشق قبل أن تخرج زفيرها الأخير. شاشةٌ قديمة على الطاولة تُظهر موجاتٍ بانورامية متقطعة، ولوحاتٌ سيراميكية متناثرة تشبه أحجيةً نُهشت حروفها. أمامهم، كان جهاز التسجيل الصغير يهمهم بخفوت، كمن يهمس باسمٍ منسيّ.
راين اقترب ببطء، وضع الشريحة التي استخرجها ليوناردو على القارئ المصغّر. مضت ثانية ثمّ أخرى، والضوء الأخضر ينبض كقلبٍ لا يزال يُحاول أن يبقى على قيد الحياة. الشاشة تلألأت، وانسابت بياناتٌ بصيغٍ جافة: رموز مشروع، معالجات، أسماء مختصرة—ثم عنوان واحد واضح كندبة:
PROJECT ATHENA — NOMINAL: PHASE II.
كاد كريس أن يسقط من الصدمة. قال بصوتٍ كأنه يُنقُب عن شيءٍ في داخله:
— «هل يعني هذا… أنهم أعادوا تفعيل المرحلة؟»
ابتسم الرجل المسنّ في الزاوية، ابتسامة لا تحمل رحمة:
— «ليس أعادوها. لم تنم أبداً. ما فعلتموه الليلة ليس سوى نباحٍ يوقظ الكلب الذي ينام تحت البيت.»
إيزابيل نظرت إلى الشاشة ثم رفعت وجهها ببطء، عيناها لامعتان كما لو أن ظلاً من الذكريات يلمع فيها بعنف:
— «مَن هم الضحايا؟» سألتها بصوت مُنخفِض.
المسنّ تحرّك كأنّه يفتح صفحةً قديمة في ذاكرته، ثم قال بمرارة:
— «أطفالٌ، جنودٌ، وجماعاتٌ اعتقدنا أننا حفظناها في خزائن مُغلقة. هم — والمئات— خُدعوا بأنهم خيارٌ؛ خُدعوا بأن إرادتهم مسألة تحديثٍ برمجيّ. NOMINAL لم يكن اسماً لقاعدة بيانات فحسب. كان اسمًا لحقلٍ يتغذّى على الأجساد.»
سكتت الكلمات، لكنّ الصوت في الغرفة لم يزل يَصدح. ليوناردو مسَح يده على ذقنه، ثم قال بلا هوادة:
— «لو ظننتم أنّ الطريق إلى قلب أثينا يمرّ عبر صندوق أو رقاقة، فقد فاتكم أنّه يمشي في أجساد الناس. إن أردتم أن تقضوا عليه—تابعوا من أين بدأت الجروح، لا من حيث يحاولون إخفاؤها.»
راين غمز بوجهٍ شاحب:
— «الزمان مسألة. إذا كانت هذه الشريحة تشير للفترة الثانية… فهل هناك مراحل لاحقة؟»
المسنّ بدا وكأنّ كلمات السنين تنكسر على لسانه:
— «المرحلة الثالثة لم تُكتَب بعد على الورق. لكن القلوب التي تمرّ خلالها تُحوّل إلى مفاتيحٍ—وأثينا لا تترك مفاتيحها سواها.»
وسط هذا الهمّ، سمعوا وقع أقدامٍ سريعة على السلم الحديدي. ظلّ صغيرٌ مرّ أمام الفتحة، ثم دخلت منه امرأةٌ نحيلة، شعرها مربوطٌ بعقدة، ووجهها يحمل علامات تعبٍ لكن في عينيها نورٌ لا يخبو. كانت ترتدي سترة معملٍ قديمة، وعلى يديها آثارٌ من حبر ومواد كيميائية. توقفت أمام الطاولة ونظرت إلى الجماعة قاطبةً، ثم تحدّقت في إيزابيل لفترة أطول:
— «أنا ماريا. كنت مشرفةً هنا قبل أن يتحوّل المختبر إلى سردابٍ لخططٍ أجنبية. تركتُ لأنّي لم أستطع أن أنطق بما فعلناه. لكنكم—أنتِ—تبدين وكأنك تبحثين عن جوابٍ فقط لا عن حربٍ عبثية.»
إيزابيل أمسكّت بحزمة من الأوراق القديمة، طرحت السؤال القصير:
— «أين تُخبّئون أسماء الذين خُلّصوا؟»
ماريا همست:
— «في قواعد بيانات مُشتّتة عبر ثلاث قارات. لكنّ أحداً لم يكتب اسمكِ هناك… لا بعد. هناك مفتاحٌ واحد يربط القواعد: دفترُ تجربٍ قديم؛ إن وجدتموه، فقد عثرتم على ما يربط أثينا بعالمهم.»
الدفتر—كانت كلماتها مثل مشعلٍ في يدٍ مرتجفة. راين نهض على عجل، يفتّش الطاولة سريعًا، حتى ارتطم أصبعه بشيءٍ بارز تحتها. أخرج صندوقًا رقيقًا، فتحه بعناية. بين صفحاته، دفترٌ مخطوط بيدٍ ثابتة، صفحاتٌ فيها جداولٌ، نتائجٌ، أسماءٌ مختصرة، وتعليقاتُ صغيرة بحبرٍ أحمر: «اختبار 47: استجابة NOMINAL عند التعريض لتردد 9.3Hz — نتائج مُقلقة.»
أمسكت إيزابيل بالدَفتر، وشعرت بأنّ صفحةً من حياتها تُقلب أمامها—صفحةٌ كانت تحتوي تعليقًا مجهولاً كتبه أحدهم قبل سبع سنوات: «إن فتحتِ الباب… تأكّدي أنكِ تعرفين من سيغنّي معك.»
نظرت إلى ليوناردو، وكان في عينيه شيءٌ أقرب إلى الندم من الغضب. همس بصوتٍ يكاد لا يسمعونه إلا همسُهم الداخلي:
— «أنا لغز نصبتُه لنفسي. لم أصلْ إلى الحقيقة كمن يسطع ضوءًا على لوحة؛ أنا وصلتُ إليها مثل من يفككُ ساعةً ويرى كيف تقتل الوقت. هذه الشريحة التي حملتموها… هي جزءٌ من ملفّ اسمه «V.F»… Vincenzo Ferrera—ذلك الرجل هنا—كان معلمًا، أو مأساةً، أو الاثنين معًا. إنه يعلم أين تُدفنُ الأوراق.»
كارمن مدّت يدها نحو الدفتر، قلبت الصفحة بصرامة:
— «هنا… اسمٌ! قائمةٌ بأرقامٍ، ثم أسماءٌ مختصرة: «L.V—A.T.H.E.N.A—NOMINAL—OPERATION 0»»
قال راين بصوتٍ خفيضٍ:
— «هذه ليست مجرد أسماء. هذه خارطةٌ. إذا قرأنا مساراتها، فقد نجد أين تُحفظ المفاتيح الفعلية—أناس، مختبرات، عمليات.»
ماريا نظرت إلى الشريحة والدفتر ثم استدارت ببطء، كما لو أنها تريد أن تقول شيئًا لكنها تختزن خوفًا:
— «كان هناك من حاول أن يوقفهم. دفع حياته. ختموا اسمه في جدار النوم. اسمه—»
توقفت، ورفعت رأسها ببطء:
— «—اسمه كان…» ثم التقطت نفسها وقالت بصوتٍ أنحف: «لن أذكر اسمه هنا. كل من عرفه مات بطريقةٍ أو بأخرى أو اختفى. لكن في صفحات الدفتر، هناك إشارة إلى مكانٍ وحيد: بيتُ صيدٍ على شاطئٍ مهجور. جرةٌ حمراء في المطبخ تعلوها رقعةٌ من قماش مزخرف. تحته لوحة حجرية مزيّنة: فيها رمزٌ لدرسٍ قديم—«مفاتيحٌ للذاكرة».»
صمتٌ. الجميع يتلقى الخبر كما لو أنه طقسٌ لإعلان جديد. وكان السؤال الوحيد يرتسم على وجوههم: هل هذا المكان هو ما سيقودهم إلى النواة، أم فخٌ آخر يتسع لحجمهم كله؟
أخذت إيزابيل نفسًا عميقًا، وضعت الدفتر في صدر معطفها، ووضعت يداً على حافة الطاولة كما لو أنها تمسك بخيطٍ يصلها إلى السطح. قالت بصرامةٍ لا تبرم إلا من يعرف ثمن القرار:
— «نحن نمضي. لا مزيد من المماطلة. لوكا، أعدّ الطريق البحري إلى الشاطئ هناك—نهاية الخريطة تقول إن الجرة الحمراء موجودة شمال رصيفٍ قديم. إذا دخلنا بيت الصيد، فقد نعرف من كان يبيع الحقيقة… أو من كان يشتريها.»
نظر ليوناردو إليها طويلاً، ثم أجيب بصوتٍ رقيقٍ وحانٍ:
— «سأرافقكم. ليس لأنني أثق أنكِ لن تفتحِ الصندوق في وجهي—لا أعتقد أن أحدًا يملك تلك الجرأة بلا ثمن—بل لأنني لم أرَ من يملك نظرةً تشي بالقدرة على كتابة خاتمةٍ لا يندم عليها التاريخ.»
وبينما أعدّوا أنفسهم للرحيل، اجتمعوا للحظةٍ صامتة؛ الدفتر بين أيديهم كقنبلة بطيئة الإيقاد، والشريحة في جيب راين كنبضةٍ لا تُطفأ. خارج المختبر، صوت البحر يعزف على شاطئٍ بعيد، لا يهمُّ إن كانوا سيأتون اليوم أم سيأتون غدًا: أثينا الآن تعلم أن أحدًا يحفر في قلبها، وأنّ مسار التكملة سيكتب بالدم لكن بوعي.
انطلقوا. الباب الحديدي أُغلق ببطءٍ خلفهم، وصدى خطواتهم انحشر في الممر كما لو أن المدينة نفسها تتنصت. النهاية؟ أم بدايةٌ، أقوى من أي وعد؟
Rit_al 💋