بوابة الغواصين

بوابة الغواصين

13 0

«في الحقول، تتعلّم الحقيقة أن تمشي حافية.»

«البحر لا يرحم من يطلب منه أن يكشف أسراره؛ لكنه يكافئ من يعرف متى يغلق عينيه ويغوص بعمق.»

______________________________________

الطريق الريفيّ إلى التلة الثامنة كان يلتفّ مثل ثعبانٍ عجوز يجرّ قشوره على حجارةٍ دافئة. سيارة «بيك آب» ترابية اللون تهتزّ فوق الحصى، في صندوقها الخلفي أكياس سمادٍ خاوية تخفي تحتها الصندوق الأسود، ووجوه الفريق مطفأة بقبعات قطنٍ رخيص ونظاراتٍ شمسية بلا ماركة. رائحة زيت الزيتون القديم تتسرّب من المعاصر البعيدة، تختلط بنسيم البحر الذي لم ينسَ نابولي بعد.

قال كريس وهو يمسك بالمقود بيدٍ ويعدّ الحفر باليد الأخرى:

«إذا اصطدمتُ بحفرةٍ أخرى سيظنّ الناس أنني فعلًا مزارع.»

كارمن تمسح خريطةً ورقية بقلمٍ رصاص:

«الطريق الفرعي التالي يمين. بعد الجسر الحجري، ثلاث بيوتٍ حجرية، ثم علامة خشب محفور عليها «VIII».»

راين، وقد أعاد تغليف جهازه بجلدٍ رمليّ:

«لا بثّ. كل هواتفنا على وضع ميت. إن تحدّثنا مع السماء، ستتذكّرنا السماء كثيرًا.»

إيزابيل صامتة، عينان تلتقيان في المرآة الخلفية بعيني الحرفين L.V على غلاف الصندوق. منذ قال ليوناردو: «Locus Veritas» وهي تتعامل مع كل حجرٍ، كل ظلّ، كأحرفٍ في جملةٍ أكبر. رفعت رأسها حين ظهرت العلامة: لوح خشب باهت محفور عليه VIII وخصلة غارٍ جافة مربوطة بمسمار.

توقّفوا على حافة المصطبة الأولى من الحقل. أشجار الزيتون تمتدّ على مدرّجاتٍ حجرية قديمة، كل شجرةٍ أقدم من حكاية. على اليمين بيتٌ حجريّ من غرفةٍ واحدة، نافذته شريط حديد زِنجاري. على السطح، جرة ماءٍ مقلوبة. التفاصيل هنا ليست ديكورًا؛ إنها مفاتيح.

«انظروا إلى الجرة.» قالت إيزابيل. «مقلوبةٌ كي تقول إن الماء ليس في البيت.»

«بل في الأرض.» التقط راين الإشارة. «غرفة صهريج أو قنوات ريّ قديمة… بوابة سفلية.»

كريس يترجّل، يمدّ ظهره كأنه يشكو:

«إذا كان الباب في الأرض، فليكن القلب في الركبتين.»

اقتربت إيزابيل من جذع الزيتونة الوسطى. ندبةٌ طويلة على اللحاء، كأن أحدًا مرّر عليها سكينًا قبل سنين، والندبة تنتهي بثلاث خدوشٍ مائلة تشكّل سهمًا صغيرًا نحو الجنوب. انتقلت إلى التالية… ندبة مشابهة، سهمٌ آخر، لكن بزاوية مختلفة. أخذت وقتها: تفحّصت ثماني أشجارٍ متتالية. في ذهنها خريطة صغيرة تتكوّن من سهامٍ متقاطعة.

«امشوا معي.» قالت. «ثماني أشجار، ثمانية أسهم. نقطة التقاطع… هو «الموضع»».

مشوا يُعيدون رسم البوصلة على التراب. عند المصطبة الثالثة، تلاقت الأسهم على بقعةٍ فيها حجرٌ دائريّ غريب وسط التراب، غير متناسق مع بناء المدرج الحجري. ركعت، أزاحت التراب، ظهر صفيح حديد قديم بقبضةٍ صدئة.

«قفل؟» سأل ماركو، وهو يمدّ يديه.

—«انتظر.» أخرجت البطاقة الشفافة، رفعتها على زاويةٍ تداعبها شمس الظهر. ظهر على سطحها نمطٌ ضوئيّ، خطوط متقاطعة تتشكّل لحظةً ثم تختفي. مرّرت البطاقة على الصفيح… لا شيء.

راين همس:

«قد تحتاج إلى مستقطب. الضوء ليس كافيًا.»

كارمن التقطت مرآةً صغيرة من حقيبتها، لوّحت بها لتكسر شمس الظهيرة زاويةً حادة على البطاقة. انبثق النمطُ ثانية: ثمانية خطوط قصيرة تتجمّع في دائرةٍ أصغر، وفي مركزها… رمز مفتاحٍ بسيط.

مرّت البطاقة على القفل، وسمعوا «طَقّة» خفيفة، ليست ميكانيكية بالكامل؛ هناك كهرباءٌ عتيقة تستيقظ كحيوانٍ جفّ حلقه. شدّ ماركو القبضة فارتفعت الصفيحة، وتنفس الصهريج من تحته هواءًا باردًا رطبًا، رائحةُ طينٍ وصدأ.

«مصيدة أم دعوة؟» قال كريس وهو يحدّق في السواد.

«كلاهما.» ردّت إيزابيل. «ننزل أنا وكارمن. راين، كريس، تغطية فوق، ماركو يحرس الصندوق. لا خطأ.»

نزلتا عبر سُلّمٍ معدنيّ ضيّق محفورٍ في جدار البئر. تحت، قبوٌ حجريّ مستطيل، سقفه مقبّب ومغطّى بملحٍ أبيض، والقاع طبقة ماءٍ بارتفاع الكاحل. على أحد الجدران لوحة معدنية قديمة، وعلى حافتها نفس الختم: L.V صغير جدًا لولا أن العين تعلّمت أن تبحث عنه.

«مررّي البطاقة هنا.» قالت كارمن.

مرّرتها. ظهرت إضاءة خافتة من خطٍّ رفيع، تدرّجت كأنها تتذكّر كيف تضيء. انشقّت اللوحة مثل كتاب، فبدت خلفها مقصورةٌ صغيرة بحجم خزنة، في داخلها أنابيب عينات، رقاقة ذاكرة مكسوّة بالسيراميك، ومغلفٌ كرتونيّ قديم مربوط بخيط.

مدّت إيزابيل يدها إلى المغلف أولًا. الورق يحترق من الزمن. فتحت، قرأت:

«إذا وصلْتِ إلى هنا، فأنتِ لم تُطلقي الرصاصة التي صنعوها لكِ. هذا يعني أن باب الزيتون يُفتح لكِ. خذي الرقاقة. لا تكسري الأنبوب الأبيض.»

تحت السطر توقيع حرفين فقط: V.F.

كارمن التفتت نحوها:

«V.F… فيريرا، لكن الاسم الأوّل ليس L.»

«فينتشنزو؟ فيتوريو؟» تمتمت إيزابيل، والذاكرة تنبش الأصوات المخزونة: غرفة اختبار. صوتٌ بارد يقول «ليس حبًا، تدريب».

راين من الأعلى همس عبر القناة المغلقة:

«سيّارة تتوقّف على الطريق. اثنان، ربما ثلاثة، ليسوا فلاحين. عندنا دقيقة.»

«استخرجي الرقاقة وخذي الأنبوب الأبيض برفق.» قالت إيزابيل لكارمن.

أدخلت كارمن ملقطًا مطاطيًا، رفعت الأنبوب الأبيض بعناية: داخله سائلٌ حليبيّ ونجمة بلاستيكية صغيرة كأنها سدادة. أخذت الرقاقة السيراميكية، وضعتها إيزابيل في جرابٍ مبطّن داخل معطفها.

صوتُ حذاءٍ على الحديد من الأعلى. كريس يهمس:

«زائرون.»

إيزابيل أغلقت المقصورة، أطفأت الضوء. غاصتا في الظلّ خلف عمودٍ حجريّ، تمسّكتا بالسلاح كأنه تنفّس. نزل رجلٌ واحد أولًا، صوتُ أنفاسه خبير، ليس سائحًا. تلاه الثاني، وفي الأعلى ظلّ ثالث يقف على فوهة القبو، لا ينزل ولا يرحل.

تبادل الرجلان كلماتٍ قصيرة بالإيطالية: «تحتنا ماء… رائحةُ معدن… الحقائب؟»

مدّ الأول مصباحًا يدويًا. في اللحظة التي لامس فيها الضوء سطح الماء انعكس كحدّ سكين على جدار القبو. رفعت إيزابيل يدها، إشارة رصاصةٍ واحدة. اهتزّ جسد الأول عندما ذابت ركبته بطلقةٍ كاتمة من مسدسها. الثاني انقضّ العتمة كوحشٍ أعمى، لكنه تعثّر على خطوة السلم. هاجمته كارمن من الجانب، قبضت على معصمه وكسرت زاوية المرفق بالركبة، فوقع السلاح في الماء. ضغطت فمه بقطعة قماشٍ مبللة، أسكتت صرخته إلى همهمةٍ غاضبة.

من الأعلى، الثالث أطلق رشقة عمياء نحو الظلام. ارتدّت الرصاصات على الحديد، رائحةُ بارودٍ حادّة. رفع كريس رأسه من جانب فوهة القبو، وسدّد تحت إبط الرجل تمامًا. سقط.

«نظيف.» قال بهدوء.

«اسحبوا الأجساد للظلّ، وانهضوا.» صوت إيزابيل لا يرتعش.

عادوا إلى السطح بسرعةٍ مدروسة. في الحقل، الريح تحرّك الأوراق بكلامٍ خفيض. ماركو كان عند السيارة، الصندوق بين قدميه، عيناه على الطريق. لوّح بيدٍ قصيرة: «لا أحد غيرهم.»

«إذن أحدٌ جرّب الحظّ قبل أثينا.» قالت كارمن وهي تعيد شعرها إلى قبعتها.

«أو أثينا جرّبت بوجوهٍ محليّة.» ردّ كريس.

وقفت إيزابيل عند حافة المصطبة، نظرت أسفل الطريق. سيارة رمادية متربة تنتظر في ظلّ شجرة تين. شخصٌ واحد يجلس على غطاء المحرّك، يداه في جيبي معطفٍ زيتونيّ رخيص، نظراته لا تُخفي أنه يراقبهم منذ وقتٍ أطول مما يجب. لمّا اقتربوا خطواتٍ ثلاث، رفع كفّيه ببطء كمن يسلّم نفسه للفكرة قبل الرصاصة.

قال بالإيطالية أولًا، ثم تراجع إلى عربيةٍ مكسّرة الأطراف:

«لا تُطلقوا النار. اسمي لوكا فيرّو… كنتُ جيلاً سابقًا من شرطة المال «غوارديا دي فينانزا»، ثم… صرتُ لا أحد. أنا هنا لأن شخصًا ما وضع اسمي في ظرفٍ ثانٍ على الرصيف الأزرق قبل ثلاثة أيام.»

«من وضعه؟» قالتها إيزابيل بحدّة زجاج.

«حرفان.» ابتسم بفتور. «L.V.»

رفع كريس حاجبه. ماركو شدّ قبضته على الصندوق أكثر. كارمن اقتربت نصف خطوة، عينها تمسح قامته، خريطة ندوب على يده اليمنى، طريقة وقوفه على ساقٍ أكثر من الأخرى: رجل تدريبٍ قديم، اختار أن يبدو غبيًا ولم ينجح تمامًا.

«الحرفان لُغزٌ قديم.» قالت إيزابيل. «ما خدماتك يا لوكا؟»

«خريطةُ الأنفاق تحت التلة، مَن يشتري الزيت ومن يبيع الدم، ومفتاحٌ يفتح باب الكنيسة الغارقة إذا وصلتم إليها.»

«ومن قال إننا سنذهب إلى كنيسة؟»

«من يترك بطاقةً شفافة على رصيفٍ أزرق لا يضع المحطة التالية في غرفة فندق. إنه يخبّئها حيث يركع الناس ولا يصدّقون.»

بدّل نظراته بين الوجوه، ثم استقرّت على الصندوق:

«ولديَّ خبرٌ سيئ: أثينا ليست بعيدة. إن تأخّرتم عشر دقائق، سيأتي الفلاحون المسلّحون الذين أرسلَتهم بأجورٍ تُدفَع زيتًا ونقودًا ليروا ما تحت الزيتون غير الزيتون.»

صمتٌ صغير. الهواء يثقل عندما يحضر خيارٌ ثالث غير القتال والهروب: التحالف المؤقت.

قالت إيزابيل:

«إذا كذبتَ سأعلّمك كيف يصمت المقابر. إذا صدقت نخرج من هنا أحياء.»

«تبدو الصفقة عادلة.» قال لوكا، وضحك ضحكة رجلٍ يعرف أن العدل كلمةٌ بلا أسنان إذا لم تحرسها بندقية.

قادهم عبر طريقٍ جانبيّ يعرفه الفلاحون لا الخرائط. بين أشجار الزيتون، مدخلٌ ثانٍ للقبو لم يرَوه أول مرة: باب خشبيّ منسوخ من لون الأرض، يُفتح بنقرتين على مسمارٍ مخفيّ.

«هذا ممرّ الخدمة القديم. المتديّنون الأوائل رأوا الماء سرًّا… فأخفوه من العيون.» تمتم لوكا.

«ومن أخفى الماء… أخفى النار معه.» ردّ كريس.

في قاعةٍ سفلى متصلة بالصهريج، وجدوا غرفةً صغيرة تشبه مكتبًا نُسخت أوراقه إلى حجر: رفوف، حافظة معدنية، آلة ضغطٍ قديمة معطوبة. مدّت كارمن مجسًّا تحت الطاولة:

«أسلاك دافئة… تفجيرٌ متأخر أو جهاز حرق.»

«أثينا تكره الأوراق التي لا تموت.» قال راين، وركع يقرأ نمط التيار: «هنا «NOMINAL»… نفس الخوارزمية التي رأيتها ليلة المخزن. إن تسلّلت، يبدأ الحرق.»

«إذن لا تتسلّل. قل له «صباح الخير» أولًا.» قالت إيزابيل، وجلست أمام الحافظة المعدنية كأنها تتهيأ لصلاةٍ غير مؤمنة.

أخرجت البطاقة الشفافة، مرّرتها على لوح صغير في زاوية الحافظة. هذه المرة انفتح قفلٌ ميكانيكي قديم، لا كهرباء. داخل الحافظة دفترٌ مغطّى بشمعٍ طريّ، وكيسٌ صغير من قماش الكتّان. فتحت الدفتر: صفحات من أسماء، تواريخ، مبالغ، أسهم صغيرة مرسومة قرب بعضها، تلتقي عند كلمةٍ واحدة تتكرر كالنقطة في نهاية الجمل: A.T.H.E.N.A. في الكيس حجر صغير أملس… حين قلبته على ظهره كان محفورًا: L.V.

«أحجار طريق.» همست كارمن.

«والطريق…» قال لوكا، يشير إلى الهامش حيث رمز صليبٍ صغير: «ينزل من الزيتون إلى الماء، ومن الماء إلى «الكنيسة الغارقة» في سانتا لوشيا.»

«اسم الكنيسة؟» سألت إيزابيل.

«سان بيترو سومرسا. نصفها تحت البحر، نصفها فوقه. عندما تنخفض الأمواج… يظهر الباب.»

قبل أن يلتقطوا أنفاسهم، اهتزّت الأرض اهتزازةً ناعمة، ثم صفّر جهاز راين:

«مؤقّت حرق بدأ في غرفةٍ موازية! ثلاث دقائق والحرارة تصل إلى هذه الحجرة.»

«من فعل هذا؟»

«إشارةٌ وصلت من فوق. أحدهم مرّ على المسمار الخطأ… أو ضغط الزرّ الصحيح.» قال لوكا وهو ينظر إلى السقف بحذر.

«لا نأخذ إلا ما لا يُحرق.» قالت إيزابيل، وقد لفت الدفتر بقطعة قماشٍ مبللة. ناولت الرقاقة لراين. «احمِ هذه بنابِك.»

«وماذا عن الأنبوب الأبيض؟» تذكّرت كارمن.

«لا يفتح. إذا كسرتَهُ تغيّر وجه المدينة.» ردّ لوكا بنبرةٍ لا تحتمل المزاح.

«كيف تعرف؟»

«لأنني كنتُ يومًا الرجل الذي يقرأ فواتير الزيت… ويوقّع على فواتير الدم.»

حرارةٌ ترتفع. دخانٌ رفيع يتسلّل من شقّ في الجدار كأفعى.

«مخرجنا؟» سأل كريس.

«من هنا.» لوكا ضرب لوحة حجرية بقبضته، انزلقت نصف شبر، انكشف خلفها نفقٌ يخرج إلى قناة ريّ قديمة تنتهي عند خندقٍ خلف الحقل.

تقدّم ماركو أولًا يحمل الصندوق. تبعه راين وهو يخفي الرقاقة تحت سترته. كارمن وكريس يغطّيان الخلف. حين مرّت إيزابيل عند الفتحة التفتت إلى لوكا:

«إذا خرجنا… نذهب إلى سانتا لوشيا. ترسم الطريق ونحن نختار أين نكسره.»

«أوافق… إن اخترتِ أن تُبقي البندقية مصوَّبة إلى صدري لا إلى ظهري.»

«لا فرق بين الاثنين… إذا مشيتَ في الاتجاه الصحيح.»

خرجوا إلى الخندق البارد فيما تصاعد خلفهم زفيرُ النار. ارتفع عمود دخانٍ خفيف من شجرة زيتونٍ عجوز، كأنها تتأوّه. استدار ماركو لحظةً، ثم أكمل. على الطريق الرمليّ، كانت السيارة الرمادية قد اختفت. الصمتُ عاد، لكنه لم يعد بريئًا.

ركبت إيزابيل جانب السائق هذه المرة. وضعت الدفتر في حجرها، فتحته على صفحةٍ عشوائية: اسمٌ، تاريخ، سهمٌ صغير يميل نحو جهةٍ تشبه الغرب. كتبت بقلم رصاص على الهامش: S. Lucia — Submerged Gate.

ثم قالت، بلا خطبة، بلا أناشيد:

«الوجهة التالية: الكنيسة الغارقة. هناك سيعترف الباب الثالث بمن لا يبيع الحقيقة للملح.»

تحرّكت السيارة. على الهامش، في ظلّ جدارٍ حجريّ بعيد، وقف رجلٌ يراقبهم من بعيد بمنظارٍ صغير. لم يرفع لاسلكيًا. لم يدوّن شيئًا. فقط قال لنفسه بصوتٍ لا يسمعه أحد:

«حسنًا… فلنرَ إن كانت تعرف السباحة.»

وفي فيلّا تطلّ على خليج نابولي، وضع ليوناردو حجرًا أملسَ فوق حجرٍ آخر على مكتبٍ من خشب الجوز، كل حجرٍ محفور عليه حرفان صغيران: L.V. لم يبتسم. فقط همس:

«الباب الثالث لا يفتح بالمفاتيح… بل بالنَفَس.»

ثم قام. الحرب تنتقل من التراب إلى الماء، ومن الرصاصة إلى الرئة. وإيزابيل، التي اختارت أن تقود، لم يعد أمامها إلا أن تتعلّم كيف تُمسك أنفاس فريقٍ كامل تحت سطحٍ لا يرحم… كي لا تخرج أثينا من البحر بتيجانٍ ملحية وابتسامة خالدة.

انقضت الساعات بين نبضة وأخرى كأنها قراءات أجهزة لا تعرف الرحمة. السيارة الريفية تمشي على طرقٍ لا تصلح إلا لمن يمتلكون ذاكرة الجذور، ولأولئك الذين عُرفوا منذ زمنٍ بأنهم يستطيعون قراءة أسماء الحجارة. نابولي تتبدّل خلف النوافذ: بيوتها العتيقة تزدحم بأرواح لا تنام، وبواباتٌ حجرية تقود إلى ديرٍ لم يعد يذكره سوى الملاحين والقديسين الذين لم يغادروا موتهم بعد.

عند مدخل البلدة التي تحتضن سانتا لوشيا، أوقفَت إيزابيلُ السيارة في ظلّ ظلين؛ ظل شجرةٍ عتيقة وحافةِ رصيفٍ نصف مُستعاد. الطلب كان بسيطًا على الورق: كنيسةٌ غارقة تظهر عندما تهدأ الأمواج وتنكشف عين البحر عن بوابةٍ من الحجر. لكن داخل الصندوق على حجرها، كانت هناك أشياء أكثر خطورة من مجرد خرائط ودفاتر.

نزل الفريق بهدوءٍ اعتادوه في الليالي التي يقرؤون فيها أسماء الموت في قوائم البضائع. لوكا اختفى نحو الحقول كسمكةٍ قديمة تبحث عن جسرٍ يعرّفها على الشاطئ. كارمن، بعينها التي لا تعرف النعومة، تحرّكت لتضبط الممرّات، تحسّ أن شيئًا ما لا يزال يراقبهم من السماء. راين كان يحمل الرقاقة ويعيد تهيئتها في جيبه كما لو أنّه يحمل جنينًا رقميًا يحتاج إلى دفء؛ ماركو حمل الصندوق وكأنما رفع ثقل تاريخٍ لا يريد أن يركن في الرفوف.

اقتربوا من البحيرة الصغيرة التي تغذي القناة المؤدية إلى الكنيسة. سطح الماء كان براقًا مثل لوح مرآةٍ مظلم، يعكس سحبًا قصيرة، لكنه لا يكشف أكثر مما يريد. الرياح كانت تلتهب أحيانًا لتهمس بين أوراق الزيتون، تقول لهم: «لا تقتربوا إنكم لا تعلمون اسم البحار».

نزلوا بسلمٍ حجري مهترئٍ إلى شاطئٍ حجري، وخلفهم اختفى صوت خطواتٍ لم تفارقهم منذ الصباح. إيزابيل تشعر بثقل المفاصل ونقطة ألم في رقبتها من تعب السهر، لكن عيناها لم تفقدا الصرامة. أمامها، على بعد مئة متر تقريبًا، ارتفعت قمة صليبٍ حجرية تبدو على هيئة مشرفةٍ على خليجٍ صغير؛ عندما تنحسر الأمواج، يظهر جزءٌ من بابٍ حجريٍ قديم فوق سطح الماء، وبالقرب منه قنديلٌ نحتيٌّ قديم يُدلّ على أن القدماء عرفوا كيف يدفنون أسرارهم.

قالت إيزابيل وهمسها يقطع صمتَ المكان:

«إذا ظهر الباب، فالعين التي تُراقبنا ستعرف أننا وصلنا. كل شيء يجب أن يكون جاهزًا قبل أن ترتفع الأمواج ثانية.»

لوكا عاد وهو يحمل ملفاً صغيراً ملفوفاً بشريطٍ قماشي:

«اليوم أصبحوا هنا. قال لي رجلٌ في المقهى أن هناك قاربين يرسوان قرب الطرف الغربي منذ الفجر. لا يركبونهما الصيادون.»

كارمن بدت بلا مفاجأة:

«أثينا لا تترك شيئًا للصدفة. إن كانت تعلم أن أحدهم يحاول فتح موضع الحقيقة فهي تحضر لليلة احتفالٍ.»

تحرّكوا عبر حجراتٍ رطبة، كلما اقتربوا إلى الشاطئ زادت رائحة الملح واختفت رائحة التراب. مشوا في صفٍ واحد كالجنود الذين لا ينطقون شيئًا بعد موت ضابطهم. الوصول إلى بوابة الكنيسة كان كالاقتراب من فم حوتٍ؛ لا يبدو أن للداخل بابًا واحدًا، لكن لِلخارج طرقٌ متشابكة. الباب الحجري كان مغطى بطحالب، في مركزه نقشٌ بسيط: صليب خماسي تتقاطع فيه خطوط هندسية كسجلٍ هندسي قديم.

اقترب راين من القفل المزخرف، أخرج الهاتف الخاص الذي لا يتصل بالعالم، وضغط على بروتوكولٍ صامت. الرقاقة التي أخذها من القبو استجابت كأنها توقظ ذاكرةً طويلة النسيان؛ أضاءت خطوطٌ خفية على اللوح، ثم اصفرّ الضوء بردٍّ واحد، وكأنها تعرف أن من أمامها يحمل مفتاحًا وشيفرة.

ظهر فجأة صوتٌ من الخارج كالتيه: خطواتٌ سريعةٌ تقطع شرود البحار، ثم بدأت رؤوس رجالٍ مموّهين باللون الداكن تظهر من خلف الصخور. كانوا كثيرين، ليسوا صيادين، عيونهم جامدة، وجلودُ وجوههم تقول إنهم لا يعرفون الرحمة. أثينا أرسلتهم بالملابس المحلية لتبدو كأنها حربٌ بلدية ولا احتراف، لكنها هنا في حقيقتها تريد أن تضع قدميها في قلب القضية.

إيزابيل أعطت الإشارة. كان تنفيذها مثل إيقاعٍ منسق جيدا: ماركو يضع الصندوق على قاعدة معدنية مؤقتة مزوّدة بأحزمة، راين يركب واجهات للتشويش، كارمن تبدأ بتغطية محيطٍ محدد بطلقاتٍ تحذيرية تُجعل الرجال يعتقدون أن هناك كمينًا أكبر من الذي هم فيه. لوكا يتولى التواصل المحلي، يصرخ بجملةٍ قصيرة باللغة المحلية: «السلطة قادمة اهربوا!» وكأن كل هذه العبارات مفاتيح لذرّ الرماد في العيون.

لكن أحدهم لم يهرب؛ خطوةٌ واحدة خطفتهم من الجدار، ورجل طويل القامة يمشي بثباتٍ كأنه رائد على خشبة مسرحٍ لا زال له جمهور. كان قناعُ نصف وجهه معدنيًّا، لكنه هذا القناع لم يكن مجرد حماية؛ كان شهادة أنه من فرعٍ أعمق من أثينا. الوقفة كانت أنيقة، تحوي ثقة من لا يخشى العدو لأن العالم محاطٌ بشبكةٍ. رفع يده ببطءٍ وأشار بإصبعٍ واحدٍ إلى الصندوق المغطى.

صمتٌ مطبق. الكفايات على الزناد. الريح تصيح شيئًا عن منازلٍ بعيدة. ثم… عرف الجميع الصوت قبل رؤية الوجه. هو لا يحتاج لتعريفه بعد الآن، ذلك الصوت الصدئ لكنه حاد: «إيزابيل».

تجمّع الضوء حوله حينما خلع القناع أخيرًا؛ وجه ليوناردو ظهر كما لو أنّك تذكرت اسمًا عرفت معناه دائمًا. لم يبتسم. لم يكن في الحنو ما يوحي بأنهما قد يتحاوران؛ لكن ثمّة شيء في صوته ذاك المساء جعله يبدو كأنه يحمل دعوة مَضمرة.

«يا لها من نظرةٍ مرعبة،» قال نبرة باردة، «أتيتِ تبحثين عن حقائقٍ ترفض أن تُنطق؟»

ردّت إيزابيل وهي لا تزال تمسك سهماً في يديها:

«لست أبحث عن الحقائق لأدين بها أحدًا، بل لأجعلهم أخيرًا يكفّون عن بيعها.»

ضحك محيط الرجال كتمتمة موجة على الشاطئ. أصواتٌ مبهمة. ثم فجأةً، اندفع أحد المسلحين باتجاه الصندوق، كمن يريد أن يلمس قلب العالم قبل أن يتدرب على قراءته. كان له هدفٌ واحد: فتح الغطاء، وبه تبدأ سلسلةٌ من الأحداث لا رجعة فيها.

هنا، توقفت إيزابيل. ليس لأن الخطر صار مباشرًا أو لأن المسدس قد حان موعده، بل لأن المفاجأة كانت أن يتدخل ليوناردو. لم يكن التدخل من باب المشاجرة فحسب. تقدم بخطوةٍ واحدة، وضع يده على حافة الصندوق وكأنه يأخذ منه شحنةً يعرف كيف يفرغها. الصوت الذي تلى هدوئه كان أقسى من أي إطلاق نار.

«لا تفتحوه بهذه الطريقة،» قال. «إن هزّ البيت بمفاتيحهم، سيفتحونه جميعًا، ومن ثم ستجدون أنكم من دفنتم أنفسكم في البحر.»

نظر الرجل الذي اقترب بحذرٍ بالغ، وبدا كأنه يقرأ في حكمٍ لم يفهمه. ثم التفت إلى ليوناردو بحدةٍ: «من أنت؟!»

رد ليوناردو ببرودٍ شديد: «سيد مكانٍ لا يزال يؤمن بأن الذهب هو من يشتري الحقيقة. لكني أفضّل الحجارة.»

اللحظة انشقت بشقين شقٌ فيه صوت هدير البحرية وشقٌ فيه هدير الأقدام. الرجال المموّهون هجموا جماعةً على المجموعة. إطلاق نار متقطع، ضوء مصابيحٍ يسقط كأحجار نارية، ظلّان يركضان، وصرخاتٌ قليلة تختصر ما تبقى من اللطف.

في خضم الفوضى، كان لخطوةٍ واحدة وقعٌ آخر: إيزابيل قفزت على صندوقٍ جانبي، أمسكَت بالغلاف، كشفت الجزء العلوي بيدٍ ثابتة خاطفة، ورفعت غطاءً داخليًا صغيرًا يرضع مفاجأةً من خدعة أثينا لا رقاقات متوهجة، ولا صفارات تشفير، بل سطرٌ واحد مكتوب بحبرٍ باهت:

«لمن يُحِبُّ القلب: لا تفتح الباب إن لم تغنِّ الطقسَ في ليلتك؛ فالباب لا يفتح لمن لا يثق بدمعه.»

وقف الجميع للحظة. كلماتٌ تبدو كما لو أنّها كتبت لمن يعرفهم جميعًا: «...إيزابيل.» كانت الجملة الأخيرة تخنق المكان؛ فهي لا تشبه كتابات أثينا، بل توقيعٌ شخصيّ، أو تهديدٌ أعمق.

ابتسم ليوناردو ببرودٍ لا يخلو من حزنٍ قديم، ثم أمسك بمقبضٍ خفيٍ في جانب الصندوق، سحب شيئًا صغيرًا شريحة سيراميك ملفوفة في ورقٍ دهني. رفعها إزاء الضوء، ومرّرها راين على واجهةٍ محمولة. ظهرت سلسلة بياناتها مختصرات، تواريخ، أسماء. توقّف راين عند كلمةٍ واحدة: «EXPERIMEN VANTA MEMENTO».

قال راين بصوتٍ ذائب: «هذا هو… هذا هو ما حمّل في رأسه… وفي رأسها… وكل من كانوا تدريبا للمشروع.»

ابتسمت إيزابيل ثم أمسكت بعظمها من كلماتٍ قد حملت معها حكايةً سبع سنواتٍ كبُرَّت قُربها: «وأنا ما زلت أرفض أن أكون نسخةً من أمرٍ لم أختره. لن أكون برنامجًا لا تراوده نفسه. سأكتب النهاية.»

الأسلحة توقفت لوهلة؛ ليس خوفًا من الرصاصة التي قد تقتل، بل من أثر الجملة التي طرقت على أبواب الذاكرة. ثم تنفّست كارمن بحدةٍ وقالت: «نحصل على الشريحة ونذهب الكنيسة لن تبقى تحترق حتى نردّ عليها.»

لوّح ليوناردو بيده فانسحب الرجال المموّهون إلى الظلال كما لو أنهم مجرد نقوشٍ على جدار. تبادل مع إيزابيل نظرةً قصيرة؛ لم تكن مسالمة، لكنها لم تكن عدائية فقط كانت اعترافًا بمصيرٍ مشترك، أو نقاشًا بين قاتلين عن طريق الصدفة.

قبل أن يغادر، همس ليوناردو، بصوتٍ كأنه يهمس في أذن الزمن:

«عندما تقرأ الحقيقة أمواجها الأولى، تأكدي أنكِ تعلمين كيف تُنقذين من يسبحون معها. لا تفتحي الباب وحدك. لا تفتحي قلبك وحدك.»

ثم التفت ومشى، والبحر خلفه يلتهم صدى خطواته، تاركًا وراءه رائحة دخانٍ وحبرٍ قديم، وفريقًا واقفًا على رصيفٍ لا يعرف إن كان سيغرق أو سيبني من الماء جسراً.

إيزابيل وقفت دقيقةً تنظر إلى البحر، ثم عادت إلى الصندوق. كفّها لامست الحافة الباردة، ثم أغلقت الغطاء بعناية. عاملتها كما يُعامل إنسانًا مريضًا بحاجةٍ من يعيره كتفًا. قالت بصوتٍ هادئ لكن عالٍ بما يكفي ليصل إلى آذان من حولها:

«بوابة الغواصين لن تُفتح إلا إذا عرفنا أن من بداخلها يختار الحياة على أن يقتلها من أجل مخططٍ عارض.»

رفعوا الصندوق، ومشوا عبر الطريق الترابي، نحو سيارةٍ تنتظرهم في ظلّ الزيتون. نابولي أمامهم كصفحةٍ يمكن أن تمحوها أمواج، لكنهم يعرفون الآن أنَّ الحقيقة لا تُمسح بسهولة. كانت الشريحة في جيب راين، والرسائل القديمة على الطاولة الصغيرة في المصنع، ووجوهُ رجالٍ تقلّب كلماتهم بين من يسرق ومن يقدس.

وفي الداخل، تحت القمر، هناك أسماءٌ تُكتَب وتُمحى، لكن من بين كل تلك الأسماء، كان اسم واحد ينبض بقوةٍ مختلفة: إيزابيل. هي لم تعد مجرد رسالةٍ رُسِلت عليها مفاتيح قديمة، بل امرأةٌ اختارت أن تقود، أن تصنع قوانينها، وأن تحدد لمن يُمنح الحق أن يفتح بوابة الغواصين أو يغلقها إلى الأبد.

_____________________________________

إنتهى الفصل

رأيكم بالتعليقات؟!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات المجهول

المؤلف Rit_al 💋
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة