على عرش الدم 2

على عرش الدم 2

14 0

دوّى الانفجار في مؤخرة المخزن كصفعةٍ من نار. ارتجّت الصناديق، وتشققت إحدى المصابيح الفلورية فانسكب النور على هيئة شراراتٍ متقطّعة، كأن المكان كله ينهج قبل أن يختنق.

صرخت إيزابيل بصوتٍ حاد:

«راين، ستروب على الممر الأيمن! كارمن، دخّان يسار! كريس معي للأمام!»

استجابت الأوامر كالرشقة الأولى من سيمفونية حرب؛ قنبلة ستروب بيضاء انفجرت في الممر الأيمن فأعمَت حراسًا يندفعون، وعلى اليسار تكوّنت سحابة دخان كثيف ابتلعت الليزر الأحمر لأسلحتهم.

ليوناردو لم يتحرّك خطوة إلى الخلف، بل خلع قفازًا واحدًا وكبس زرًا على سوارٍ أسود في معصمه، فاهتزّت مكبّراتٌ مخفية في السقف وأطلقت صفيرًا قصيرًا. انزلقَت من بين الروافد وحدات آلية بحجم الحقائب، فتحَت أجنحة معدنية وأطلقت رشقات دقيقة من طلقات «فراجمِنت» تقطع الهواء مثل بردٍ معدني.

همست كارمن وهي تنكمش خلف رافعة شوكية:

«مدافع مُسَيّرة!»

ردّت إيزابيل وهي تُخْرج قنبلةَ نبضٍ كهرومغناطيسي صغيرة:

«قَطّعي صلتها، والباقي عليّ!»

أطلقت القنبلة «EMP» فارتعشت الوحدات الآلية، تعثّرت ثانيتين… وكان هذا يكفي. قفزت إيزابيل على صندوقٍ قريب، انزلقت فوق حافته، أطلقت طلقتين على قاعدة أقرب طائرة مسيّرة فهبطت كحشرةٍ محترقة. على الجانب المقابل، كان ماركو (رجل الفريق الضخم) يجرف حارسًا بكتفه فيطرحه أرضًا ثم يثبّت الكعب على معصمه ويجرده من السلاح بحركة واحدة.

من عمق الممر، انبثقت موجةُ مهاجمين بثيابٍ داكنة واقياتُ صدورهم تحمل شارةً لا تتبع فروع ليوناردو. لاحظ راين ذلك أولًا:

«هذه ليست ألوان فيريرا… إنهم طرف ثالث!»

أجابه ليوناردو ببرود وهو يطلق رصاصةً واحدة أصابت خوذة قائدهم من مسافةٍ مستحيلة:

«أثينا لا تحبّ أن يشاهد أحد مسرحها عن قرب.»

تلاقت عينا إيزابيل بعينيه لحظةً خاطفة فوق لمعان الدخان. لا صداقة في النظرة، ولا عداءٌ خالص شيءٌ يقف بينهما مثل شفرة.

اندفعت فرقة أثينا بمثلثٍ هجومي: إثنان يثبّتان، ثالث يلتفّ، ويأتي الرابع بساطورٍ إلكتروني لقطع الكابلات وتعمية الكاميرات. رفعت إيزابيل يدها إشارةً صامتة، تزحلقت تحت خطّ النار، سحبت خصمًا من ساقيه، ضغطت ذراعَه إلى الخلف حتى سمعت طقّة خفيفة، ثم رمت الجسد على زميله لتصنع لحظة ارتباك. كريس من فوق الرافعة صبّ النار من بندقيته القصيرة «SBR»، رصاصاتٌ موجّهة تقطع الهواء في نمط ثلاثي: كتف فخذ خوذة.

على الحافة الأخرى، كان ليوناردو يقاتل كما لو أنّ المكان يخصه فعلًا: لا حركة ضائعة، لا طلقة بلا عنوان. يغيّر المقبض من يدٍ إلى يد، يطلق من الحوض دون أن يرفع العين عن جبهةٍ تبحث عنه. أحد رجال أثينا اندفع بسكين تكتيكي؛ حاد عنه ليوناردو نصف خطوة، التقط المعصم، وثنى المفصل بزاويةٍ عكسية، ثم استخدم السكين نفسها لقصّ حزام ذخيرة مهاجمه، فتناثرت الخزن على الأرض كخرزٍ مفكوك.

«يمينك مكشوفة!» صاحت كارمن.

لم تكن تصرخ لليوناردو، لكنها كانت ترى مهاجمًا يتسلل من ظلّ عمود خلفه. لم يفكّر  استدار نصف التفافة، لكنه لم يكن سيبلغ الزاوية في الوقت المناسب… إلى أن صفّرت طلقةٌ من مسدس إيزابيل وأطفأت عين المهاجم الحرارية قبل أن يضغط.

لم يقل أيٌّ منهما «شكرًا». لم يكن للمجاملة مكانٌ هنا.

ارتفع الدخان ثم هبط، مثل رئةٍ عملاقة تتنفّس على إيقاع الرصاص. أخذت المعركة شكل دوّامة: موجات قصيرة من اندفاعٍ صلد، تتبعها لحظات زجاجية من ركودٍ ثقيل يلتقط فيها الجميع أنفاسهم ويعيدون الحساب.

راين صرخ:

«وحدات أثينا تفتح بوابةَ جانبية! إن خرجوا بها ضاعت علينا الأدلة!»

ردّت إيزابيل فورًا:

«قاطعوهم من الممر البارد. كريس، مع ماركو منشار حراري على القفل! كارمن، غطّيهما. أنا…»

توقفت نصف كلمة وهي ترى السوار الأسود على معصم ليوناردو يومض باللون الأحمر. تجمّد في مكانه جزءٌ من الثانية، ثم قست ملامحه كالحجر.

اقتربت منه خطوةً واحدة، بصوتٍ لا يسمعه سواهما:

«أوامر قتل؟»

أجاب دون أن ينظر:

«ليس لي. لكِ.»

لم تحتج سؤالًا ثانيًا. أثينا جرّبت تفعيل «الظلّ» داخلهاذلك الأمر الدفين في طبقات تدريب Vanta القديمة الذي يحوّل المتلقّي إلى مقاتلٍ بلا إرادة حين تُستدعى كلمةٌ مفتاح. كان الصفير الخافت في السقف منذ لحظة بداية الاشتباك ليس لإرباك السمع فحسب… بل لنحت التردد الصحيح داخل الدماغ.

هزّت رأسها، شدّت قبضتها على السلاح حتى بيّضت مفاصلها. لم يأتِ السواد. لم تصعد الضوضاء إلى الذروة. لا القفل يطبق على عقلها، ولا الأوامر تترجم إلى جسد. تذكّرت جملة راين: «أنتِ الآن خارج الشبكة.»… قالت في داخلها: وأخيرًا، أنا لي.

لكن أثينا لا تكتفي بمحاولةٍ واحدة. انشقّت سماعاتٌ صغيرة من بطانة صناديق الشحن نفسها، انطلقت موجةٌ ثانية، بترددٍ أدقّ كالخنجر. انحنى اثنان من رجال ليوناردو للحظة، اختلّ اتزانهما. كارمن ضغطت زرّ «وايت نويس» على حزامها، فأطلق جهاز التشويش سحابةَ ضجيجٍ أبيض تغطّي النطاق. رفعت إيزابيل جهاز التشويش الخاص بها وألصقته بعمودٍ معدني فحوّله إلى مُكرِّرٍ بدائي.

قال ليوناردو، وصوته منخفضٌ كالجرس:

«أعدّت لكِ غرفةً في ذاكرتهم… لكنكِ أحرقتِها.»

«ومنذ الآن، أحرق بيوتهم كلها.»

انفجرت البوابة الجانبية أخيرًا لم يكن خروجًا مرتبًا بل محاولة هروب تحت ضغط تقدّم فريق أثينا لانتشال صندوقٍ ممهورٍ بختم A.T.H.E.N.A، مُثبّتًا بأقفال مغناطيسية سوداء. لمحت إيزابيل على حافته حرفين صغيرين محفورين: L.V. لم تحتج أكثر.

«ذلك الصندوق لي.» قالتها بلا تردّد، وانطلقت.

قفزت من فوق خطّ حواجز معدنية، انزلقت بين رجلين، أضاءت سكينها التكتيكية بحدّ كِيراميكي أبيض، قطعة واحدة على وتر العضلة فوق الركبة فاختلّ توازن الأول، ضربة مقبض على الحنجرة للثاني. وصلت إلى العربة الناقلة التي تحمل الصندوق، مدّت يدها لتسحب الكابل الكهربائي الرئيسي لكن قبضَت يدٌ قفّازة على معصمها توقفها.

رَفَعَت عينها. لم يكن خصمًا؛ كان ليوناردو.

«إن سحبتِه الآن تنشط الشحنة الصامتة داخله. نُخرِجه أولًا من الشبكة.»

«ولِمَ أصدّقك؟»

«لأنكِ رأيتِ الومض الأحمر على سواركِ قبل دقيقة.»

ثلاثُ رصاصاتٍ كشطت الحافة المعدنية قرب أعناقهم. انخفضا في غريزةٍ واحدة خلف العربة، كتفهُما يلامس كتف الآخر، بندقيتاهما تخرجان وتطلقان نمط «اثنان مركز واحدة تحجيم» فتتراجع كتيبة أثينا خطوتين.

صرخت كارمن:

«ثلاثون ثانية وأفجّر الشحنة الاحتياطية انسحبوا!»

«لا تفجّري شيئًا!» قاطعتها إيزابيل، وعيناها على الصندوق: «هذا ما يريدونه.»

أخرج ليوناردو من جيبه أسطوانةً معدنية بحجم السبابة، كبسها على زاوية القفل المغناطيسي. اهتزّ الضوء من أخضر إلى أزرق، ثم استقرّ على خوخِيٍّ شاحب.

«قطعنا التعريف الشبكي. الآن اسحبي.»

سحبت. خرج الصندوق من قاعدة التثبيت كأنّه انتزع جذره من أرضٍ معادية. في اللحظة نفسها، حاول أحد رجال أثينا الاقتحام من أعلى الرافعة، فقفز كريس من السُلّم واصطدم به في الجو، لفّ ذراعَه حول رقبته وأسقطه على ظهره، ثم صرخ:

«الممرّ صافٍ اخرُجوا الآن!»

أشارت إيزابيل بحركةٍ قصيرة، فانطلق الفريق على محورٍ مزدوج: ماركو وكارمن يفتحان طريق الانسحاب نيرانًا متقطّعة، راين يجرّ حقيبة إشارات، كريس يحرس المؤخّرة. بقيت هي و ليوناردو لحظةً إضافية خلف العربة، العرق والبارود على جلدهما رائحةٌ واحدة.

قالت وهي تلتقط أنفاسها:

«ستخرج معي… أم ستختار أن تموت على أرضك؟»

رفع حاجبًا:

«لا أموت على أرضٍ أعرف مداخلها كلها. أسبقكم من النفق السفلي. لكن…»

توقّف نصف ثانية، شيءٌ يشبه الابتسامة يمرّ ثم يختفي:

«احمِ الصندوق كأنه قلبك. لأجلنا نحن الاثنين.»

تحرّك قبل أن ترد. انزلق إلى فتحة صيانة بين الصناديق واختفى.

أدارت سلاحها بزاوية، أطلقت طلقةً أخيرة على قفلٍ علوي فأسقطت شبكة سلاسل تشكّل ستارًا بين فريقها ومطاردة أثينا. اندفعوا عبر الباب الخلفي إلى ممرّ الخدمة حيث رائحة زيت قديم وقوائم حديد مصدّأة.

كان الانسحاب حربًا ثانية: إطلاق قصير، قفزة، عدٌّ حتى ثلاثة، اندفاع. راين يتلعثم وهو يقرأ توقيعات الشبكة:

«إنهم يزرعون مُكرِّرات على القناة 7 حوّلتُ إلى 9… إلى 11… تبًّا، فتحوا قفص التتبّع البصري!»

«أطفئي الأضواء!» صاح كريس. غرقت الممرات في عتمة، واكتفوا بفلاشات بيضاء قصيرة تُطلقها كارمن من جهاز «ستروب» لتعمية كاميرات التعرّف.

ظهر أمامهم بابٌ معدني عريض مكتوب عليه «تحذير: نظام إطفاء تلقائي». ضرب ماركو مزلاج الطوارئ بكتفه فتصدّع، ركلته إيزابيل فاستسلم. انفتح الباب على درج إسمنتي ينزل إلى نفق صرفٍ قديم. رطوبة. صدى. ضيق.

في اللحظة التي دخلوا فيها، انقضّت خلفهم قذيفة قوسية صغيرةقنبلة شظايا ذكية لكن كارمن رمت عليها بطانية «أرامِد» مشبّعة بالجيل الواقي، فخنقتها قبل الانفجار الكامل. تفتّتت على الباب، وتكسّرَت قطعٌ معدنية كالثلج الأسود.

جاءهم صوتٌ بعيد من الأمام تَجسُّسُ نعلٍ على ماءٍ راكد. رفع الجميع سلاحه. تقدّم ظلٌّ طويل… ثم خرج ليوناردو من الظلام، يجرّ معه رجلين مربوطين بأصفادٍ بلاستيكية، أقنعة «أثينا» على وجوههما ممزّقة. ألقاهم عند أقدام الفريق كأنّه يلقي ملاحظةً على مكتب «فتحةُ الصرف الخلفية مغلقة الطريق الوحيد: شرقًا حتى نقطة «C-12» خمس دقائق ونصل إلى سطحٍ مفتوح.»

كاد كريس يرفع السلاح نحوه تلقائيًا؛ أوقفتْه إيزابيل بإيماءة. تبادل معها ليوناردو نظرةً خاطفة: ليست ثقةاتفاق مؤقّت بقدر ما يسمح به الجحيم.

انطلقوا الماء يصل إلى الكاحل والجدران ملساء خضراء من الطحلب. رائحة الصرف تحرق الحلق، لكن الأدرينالين يمحو كل شيء من الخلف تتردّد أصوات مطاردة خِفافٌ على معدن  إشاراتٌ تُحاول الإمساك بهم من خلال الإسمنت.

قال راين لاهثًا:

«فتحوا ماسحًا حراريًا سيعرفون مسارنا بالفرق الحراري!»

«انفجارٌ بارد.» ردّت إيزابيل فورًا. ناولت كريس قنبلة النيترو الصغيرة. علّقها على قفل صمام جانبي وفجّر انفجرت دفقة غازٍ بارد غمَرت الممر بعدهم كتنينٍ يُزفر جليدًا، فبعثرت البصمة الحرارية.

ظهر أمامهم سلم حديد يصعد إلى غطاء شارع صعد ماركو أولًا دفع الغطاء نصف شبر ثم انخفض فجأة:

«شاحنة سوداء فوقنا اثنان على الجهة اليمنى.»

«التفاف عبر الفرع الأيسر» قال ليوناردو يشير إلى فتحةٍ منخفضة بالكاد تتّسع لكتف رجل.

«ضيقة.» تردّد كريس.

«تفضّل الهواء النظيف أم الرصاص؟» قالت إيزابيل، ولم تنتظر الرد. زحفت أولًا.

كان الفرع الأيسر أشبه بأمعاءٍ حجرية، لكنه قادهم إلى شقٍّ يطل على قبو متجر مغلق. كسر ليوناردو سلسلة الباب بقاطعةٍ صامتة، خرجوا إلى ظلمة تُشبه الحرية.

عند العتبة، توقفت إيزابيل، التفتت إليه:

«لماذا الصندوق يحمل حرفي L.V؟»

لم يجب فورًا. على وجهه ظلّ ابتسامة لا تُرى كاملًا.

«ربما لأن الإجابة لا تُقال في ممرّ صرفٍ… وربما لأنكِ إذا فتحتِه قبل الوقت، سيحرق يديكِ ووقتكِ معًا.»

«هذا يعني أنك تريدني أن أفتحه… معك.»

«هذا يعني أن من وضع الحرفين أرادنا معًا أو أراد موتنا معًا. اختاري أيّهما أقل سوءًا.»

ارتجّ الزجاج الأمامي للمتجر بشظيةٍ استقرّت فيه كنجمةٍ قاتمة. رفعت كارمن السلاح نحو الشارع:

«لقد وجدونا!»

«فُسحة عشر ثوانٍ.» قال ليوناردو. رفع ساعته إلى زاوية الكاميرا في الجهة المقابلة. ومض الضوء الأحمر… ثم انطفأ. انقطعت الكاميرات المنصوبة فوق الشارع لحظةً واحدة.

«هذه هي عشرُ ثوانيكِ، قائدة.»

لم تضيّعها. أشارت بيدٍ واحدة فانطلق الفريق نحو سيارة فان رمادية مركونة خلف الحيّ. فتح كريس الباب الخلفي، سحب راين حقيبة الإشارات، دفع ماركو الصندوق إلى الداخل كما لو أنه طفلٌ يجب ألا يقع

بقيت لحظة على الحافة، تنظر إليه عبر المطر الذي بدأ يرشح من قرميد السقف.

«لن أعدك بحلفٍ… ولن أهدّدك بحرب. لكن إذا خُيّرتُ الليلة بين إنقاذك أو إسقاط الصندوق… أختار الصندوق.»

قال:

«لهذا السبب بالتحديد… سأراكِ ثانية.»

أغلقت الباب. انطلقت الفان، العجلات ترسم قوسين أسودين على الإسفلت المبلول. وقف ليوناردو وحده في العتمة، يمرر يده على السوار حتى عاد الضوء إلى أخضر ثابت. رفع رأسه نحو السماء… المطر غطّى نظرةً لا يعرف أحدٌ إن كانت تنهيدة راحة، أم بدايةَ ندم.

في الداخل، جلست إيزابيل على الأرض المواجهة للصندوق، ظهرها إلى جدار الفان المعدني، أنفاسها تتباطأ شيئًا فشيئًا. مدّت كفها ولمست الحرفين L.V كأنها تلمس ندبةً على روحها.

قال راين وهو يمسح الدم عن حاجبه:

«إذا كان هذا ما أظنّه… فلدينا في الحِمل ما يكفي لإحراق أطلس العالم.»

ردّت، بنبرةٍ لم يسمعوها منها من قبل:

«سأحرقه… لكن على طريقتي. ومن الآن… أنا من يقود.»

صمت الجميع. حتى المحرّك بدا كأنه يخفض صوته احترامًا للجملة التي تغيّر المصائر. كارمن، التي لم تجامل أحدًا يومًا، قالت أخيرًا:

«أمركِ يا قائدة »

وخارج الزجاج ظلالُ المدينة تركض معهما… وأثينا من فوق، تراقب وتعيد كتابة خطتها التالية

أما ليوناردو، فكان يسير وحيدًا نحو سيارة سوداء تنتظره، يضع سماعة الأذن ويقول بهدوء:

«أوقفوا الصيد دَعوهُم يحملون القلب بعيدًا… أريد أن أعرف لأي شاطئٍ سيضعونه »

ثم أغلق الاتصال وأغمض عينيه لحظة في صدره جملةٌ لم يقلها: حين يختار القائد قلبًا بدل الرصاصة… تتغيّر الحرب.

هدير الفان يبتلع الطريق الرطب والمسّاحات ترسم أقواسًا سريعة على الزجاج كأنها تمحو أثار المطاردة عن الذاكرة. في الداخل، الصندوق الأسود يتوسّد بطانية إسعاف، والحرفان L.V يلمعان كلما خيّطت أنوار الشارع شقّ بابٍ أو نافذة.

راين يضغط قطعة شاش على جبينه، يتفقد حاسبه اللوحي بيدٍ مرتجفة:

«إشارات التتبع انخفضت… لكن ليست صفرًا. في بصمة ثانية مُخبّأة.»

كارمن، وهي تعيد تعبئة مخزنها:

«طُعم داخل الطُعم توقعت هذا من أثينا.»

كريس يراقب المرآة الجانبية:

«لا ذيول حتى الآن… لكن لا يعجبني صمت اللاسلكي.»

إيزابيل على الأرض مقابلة للصندوق ظهرها يسند جدار الفان:

«لا نفتحه ليس الليلة أولًا ندفنه في صمتٍ لا تعرفه الشبكات.»

التفتت إلى راين:

«أريد غرفةً باردة قفص فاراداي ومسارين وهميين يُلقيان بظلال خاطئة على الأقمار خلال ساعة»

«ساعة؟!»

«أقلّ… إن أردت أن تبقى حيًا.»

لم تكن صرخة كانت جملةً حادة كالأمر الجراحي تبادل الفريق نظراتٍ سريعة شيء ما تغيّر ليس لأنها رفعت صوتها بل لأنها قالت «أريد» بصيغةٍ لم تترك مساحةً للريبة.

هزّ كريس رأسه موافقًا وهو ينعطف إلى زقاقٍ جانبي: «للملجأ الصناعي إذن»

الملجأ كان مصنع أحذية قديمًا في زمنٍ لا يذكره أحد اليوم، هو قطعة إسمنتية باردة سقفها منخفض وأنفاسها رطبة أطفأ كريس المحرك فعمّ الصمت كأن المدينة أغلقت الباب خلفهم

فتح ماركو الباب الخلفي للفان حمل الصندوق وحده كأنه يحمل رضيعًا من زجاج

قالت إيزابيل:

«هنا.» أشارت إلى غرفةٍ داخلية مُضلّلة بطبقتين من الشبك النحاسي.

أغلقوا الباب. راين شبّك جهاز التشويش الرئيسي أشّر بإبهامه:

«قفص فاراداي فعّال إن كان للصندوق فمٌ فلن يسمعه أحد.»

وقفت إيزابيل في الوسط، أخذت دقيقةً كاملة بلا كلمة تنفّس الجميع معها ثم قالت:

«من الآن… أنا القائدة ليس لأن أحدًا سمح بل لأن أحدًا وجب أن يحمل الخطّ الأمامي بوجه أثينا الليلة أثبتُّم أنكم تستحقون البقاء في الدائرة ومن لا يقبل القرار… الباب هناك ولا عيب في أن ينجو المرء بطريقته.»

لم يتحرّك أحد حتى الهواء بدا أنه حبس نفسه

كارمن قطعت اللحظة بابتسامة مائلة:

«أخيرًا قالتها بصوتٍ مسموع.»

كريس ضحك ضحكة قصيرة:

«كنتِ كذلك منذ اليوم الأول نحن فقط تأخرنا في اللحاق.»

راين رفع الجهاز كأنه يؤدي تحيةً عسكرية بالسيليكون:

«أوامركِ، قائدة»

أومأت ثم أشارت إلى الطاولة الحديدية:

«خريطة على السريع أثينا ليست ذراعًا إنها دماغ ضربنا الليلة أخطبوطًا فَقَد ذراعين سيُعيد إنباتهما غدًا علينا نزع النخاع.»

فرشت كارمن صورًا التقطتها في المخزن: علامات، أرقام شحن، اكواد مختصرة. أشار راين إلى تتابعٍ رقمي محفور على حافة الصندوق قرب L.V:

«لوّح ثلاثة أنماط توقيع: طبي، مالي، وبشري. الطبي مرتبط بقواعد بيانات مختبرات في ثلاث دول. المالي بممرات غسلٍ عمياء. البشري…»

توقف، نظر إلى إيزابيل:

«يبدو أنه… ملفّ شخص. ليس شخصًا عاديًا.»

«ليوناردو.» قالتها دون تردد.

كريس زمّ شفتيه:

«لماذا تضع أثينا ملفّه في صندوقٍ فخ؟»

كارمن:

«ربما لأن لفيريرا مفتاحًا لا يملكه سواه… أو لأنهم يبتزون به من يجرؤ على الاقتراب.»

إيزابيل:

«أو لأن اسمه و اسمي مرتبطان منذ سبع سنوات بجملة واحدة: اقتلي L.V.F عندما يحين الوقت… والوقت قررتُ أنا متى يحين.»

اقتربت من الصندوق، وضعت كفّها عليه ثانية. حرارة معدنٍ بارد.

«لن نفتحه. سنفكّكه خارجيًا، ونبقي أحشاءه نائمة حتى نعلّمها الكلام لنا وحدنا. راين، صمّم واجهةً تحاكي بروتوكولات أثينا وتدّعي أنها غرفة اختبار. نطعمها أسئلةً باردة… ونرى هل تُجيب.»

«نعم. لكن يلزمني توقيع لا تعرف أنه مزيف.»

«سآتيك به.»

«من أين؟»

«من الرجل الوحيد الذي رأى الضوء الأحمر على معصمي قبل أن أراه.»

سكت الجميع. الاسم لم يقل، لكنه حضر.

كارمن عضّت على شفتها:

«الرقص مع الذئب مرةً ثانية؟»

«لا أرقص. أستدعي إيقاعه ثم أكسره.»

قبل أن يبدؤوا التفكيك، مرّوا بطقوسٍ صغيرة تشبه الصلاة: تنظيف الأسلحة، تبديل الأربطة، غسل الدم عن الوجوه. التفاصيل التي تجعل الحرب أقل وحشيةً لثلاث دقائق.

جلس كريس قرب ماركو، يربط له الكتف:

«أنت حملت الصندوق كأنه ابنك.»

«لو سقط اليوم… كنا سنسقط غدًا.»

«تخاف، ماركو؟»

«أخاف عندما يتوقف قلبي عن الخفقان. الليلة… كان يركل القفص صدري كحصان.»

ضحكا. الضحك هنا ممارسةٌ ضد الفناء.

على الطرف الآخر، كانت كارمن تمرّر مسحًا ضوئيًا يدويًا حول غلاف الصندوق. أشارت إلى خدشٍ دقيق قرب البرشام الرابع:

«هنا، جهاز توقيت ميكروي. ليس تفجيرًا رسالة استيقاظ.»

راين يقترب:

«إذا تزامن مع شبكةٍ مفتوحة… سيبلغ الموقع.»

إيزابيل:

«قصّيه، لكن اتركه حيًّا. سنجعله يصرخ في وجهٍ آخر حين يطلب أهله نداه.»

وبينما تتنقّل الأوامر كتيارٍ كهربائي، رنّ هاتفٌ آمن في درجٍ معدني. لم يكن يملكه إلا أربعة وأحد الأربعة ليس من الفريق. نظرت إيزابيل إلى الشاشة: اتصال بلا هوية، نبضه ثابت. نظرة واحدة تكفي لتعرف.

أجابت، بصوتٍ لا يشي بحكايةٍ جرت منذ ساعة تحت الأرض:

«تحدّث.»

جاءها صوته على هيئة قطرةٍ باردة:

«أيتها القائدة.»

«أيها الملك بلا عرش.»

ابتسم هناك يمكنها أن تسمع الابتسامة في الصمت.

«الصندوق يتنفّس؟»

«نعلّمه الصمت.»

«جيّد. لأن من يملكه بحقّ سيطلبه عند الفجر.»

«ومن يملكه بحقّ؟»

«من يفهم أن L.V ليست أحرف اسمي فقط.»

«بل ماذا؟»

«Locus Veritas. موضع الحقيقة.»

تبادل الفريق النظرات. راين همس:

«لاتينية…»

هي تجاهلت همسات الغرفة وتابعت:

«وموضع الحقيقة هذا… أين يفتح؟»

«على رصيفٍ مهجورٍ في نابولي… أو في قلبكِ. أيّهما تصلين إليه أولًا.»

«لماذا أخبرتني؟»

«لأرى إن كنتِ قائدةً فحسب… أم صانعةً لمصيرٍ أعوج.»

انقطع الخط. لا وداع، لا وعد. مجرد بابٍ فُتح للحظة ليمرّر ريحًا ساخنة ثم أغلق.

قالت إيزابيل:

«نابولي غدًا. لكن قبلها نُطفئ كل مرآة حولنا.»

أومأت كارمن:

«أقطع الكاميرات في محيط خمسة شوارع، أسحب أنفاق الواي فاي إلى قبضة راين.»

«وكريس؟»

«أبدّل السيارات، أزرع طبقتين من لوحات مزورة، وأحرق الفان.»

«ماركو؟»

«أحمل القلب.» قالها واضعًا يده على الصندوق.

مرّت دقيقة عمل… ثم ذبذبةٌ خاطفة ضربت الأجهزة كرجفة ماء. النظر إلى راين عيناه اتسعتا:

«نبضة شبكية من فوق الحيّ… طائرة صغيرة، بصمة أثينا. ينسخون الفراغ حولنا ليعرفوا أين الفراغ أقلّ فراغًا.»

«يعني…»

«يعني أنهم يتحسّسون قفصنا بالظل.»

رفعت إيزابيل عينها إلى السقف، كأنها ترى من خلال الإسمنت. قالت بهدوءٍ غير متوقع:

«لا تطلقوا النار. نفتح الباب الخلفي ونخرج مشيًا، اثنان اثنان، بلا صندوق.»

«الصندوق؟!»

«يبقى في القفص. إذا كان موضع الحقيقة… فالحقيقة لا تخرج لتستنشق هواء الليل.»

«وإن هجموا؟»

«نتركهم يأخذون قوقعةً فارغة.»

خطة الهروب بلا هروب. أن تترك فخًا يأكل نفسه. خرجت كارمن وكريس أولًا، حقيبتان صغيرتان فقط. بعد ثلاثين ثانية، راين بمفرده، يعرج قليلًا وهو يجرّ قدمه اليسرى ليبدو صيدًا سهلًا. بعده ماركو بلا الصندوق، لكن كتفيه يقترحان أنه يحمله. وأخيرًا، إيزابيل تغلق الباب بصمتٍ وتطفئ الضوء.

في الخارج، كان المطر يعود. بلا طلقات، بلا صراخ. فقط كاميرا في سماءٍ واطئة تبحث عن حرارةٍ تركوها خلفهم عمدًا: سخّانٌ صغير أسفل بطانيةٍ فوق الصندوق الوهمي صندوق خشبي وضعوه بدل الحقيقي في القفص الثاني.

بعد ربع ساعة، دوّى طرقٌ مكتوم على باب المصنع. اقتحمت فرقةٌ سوداء، رؤوسهم تمسح، أجهزتهم تهمس. وجدوا الصندوق أضاءت حواسيبهم بالأخضر. حملوه بحرص، انصرفوا كما جاءوا.

في قبوٍ آخر على بعد كيلومترات، كانت إيزابيل وفريقها يراقبون المشهد عبر كاميرا إبَلسار تسرّبت إلى شبكة الأعداء قبل ساعة.

ضحك راين ضحكة طفلٍ نجح في سرقة حلوى من متجرٍ مغلق:

«اصطادوا ظلّنا.»

كارمن، وهي ترفع قدمها على طاولة خشنة:

«دعهم يفتحون الحقيقة المصنوعة من خشب.»

انحنت إيزابيل على الصندوق الحقيقي الموضوع الآن تحت بطانية مموّهة في زاوية القبو الجديد وقالت بصوتٍ لا يسمعه أحد غيره:

«موضع الحقيقة… سنفتحه عندما أقرر أنا. وعندما يراك قلبي، يا ليوناردو، سأحمل المفتاح بيدي، لا بيد أثينا.»

رفعت رأسها:

«استراحة عشرين دقيقة. ثم نتحرك إلى نابولي. نأخذ طريق البحر. لا اتصالات مكشوفة. راين، زوّدنا بخرائط قمرية غير مرصودة. كريس، نحتاج قارب صيدٍ لا يثير الشك. كارمن، ملفّات جوازات بغطاءٍ إيطاليّ ريفي لا نريد مدينة.»

«والهوية؟» سألت كارمن.

ابتسمت إيزابيل لأول مرة هذه الليلة ابتسامةً كاملة:

«نحن عائلة. أربعة إخوة… وأبٌ قاسٍ يُدعى الحظ.»

قبل أن يبدؤوا التحرك، جذب انتباههم ومضٌ أخضر صغير على حافة الصندوق. لوهلة تجمّد الجميع. مدّ راين مسبارًا دقيقًا، شبكه، قرأ:

«ليس تتبّعًا. رسالة… مؤجّلة زمنياً.»

نظروا إلى إيزابيل. أومأت. ضغط راين «تشغيل».

انبثق صوتٌ مشفّر، واهن، لكنه واضح بما يكفي للحفر:

«إذا وصل هذا إلى يديك… فهذا يعني أن أحدنا سبق الآخر خطوةً على رقعةٍ واحدة. L.V ليست رجلًا واحدًا… إنها طبقةُ مفاتيح. أولها: نابولي الرصيف الأزرق. ثانيها: حقل الزيتون التلة الثامنة. ثالثها: لا تُطلقي الرصاصة حين يقولون… بل حين تصمتُ أنا.»

ساد الصمت. شيءٌ في الجملة الأخيرة مرّ على جلدهم كتيارٍ بارد.

كارمن تمطّت، قالَت وهي تخفي ارتجافةً صغيرة بالسخرية:

«كلمات رجلٍ يحب الألغاز.»

إيزابيل، بعينين لا ترمش:

«أو رجلٍ عرف أن القناص الحقيقي لا يسمع الأوامر… بل يسمع قلبه حين يصمت.»

نهضت. شدّت معطفها، نظرت إلى فريقها واحدًا واحدًا:

«من الآن، لا نُقاتِل فقط. نعلّم الحقيقة كيف تُقال بصوتنا. وإذا كانت أثينا الدماغ… فسنصير نحن الصداع الذي لا شفاء منه.»

أومأوا جميعًا.

في الخارج، كان البحر يتهيّأ لرحلةٍ عند الفجر. وفي مكانٍ آخر، فوق شرفةٍ تطل على المياه نفسها، كان ليوناردو يرسم بإصبعه خطوطًا وهمية على زجاجٍ بارد، كأنه يخطّ خارطةً لا تشبه أيّ خارطة. تمتم:

«نقطة اللاعودة كانت البارحة. اليوم… نبدأ الحكاية التي تُروى همسًا.»

ثم أدار ظهره للبحر، ومشى.

إلى نابولي… حيث ينتظر الرصيف الأزرق أن يفتح موضع الحقيقة.

انشقت العتمة على وشاحٍ رماديّ من فجرٍ بارد. كان قارب الصيد القديم يتهادى على صفحة الماء، محرّكه الصغير يئنّ نغمًا واطئًا لا يلفت رادارًا ولا يوقظ مرفأً. حمل ماركو الصندوق الحقيقيّ تحت قماشٍ زيتيّ تفوح منه رائحةُ السمك والديزل، فيما انهمك كريس في تثبيت صناديق طُعمٍ رخيصة فوقه كأنها حصنٌ من خشبٍ وسخرية.

راين، بعينين محمرّتين من السهر، راقب لوحيه الصغيرين: واحد يقرأ الإشارة الحرارية التي تنزلق تحت خطّ الأمواج، وآخر يُحصي نبضاتِ أجهزة تحديد المواقع المزورة التي بثّتها كارمن على طول الساحل.

قال بخفوت:

«الأقمار فوقنا… ثلاثة مسارات تتخطّى خليج ساليرنو خلال خمس دقائق. إن بقينا تحت سرعة ثمانية عقد سنمرّ كظلٍّ في ظلّ.»

أجابته كارمن وهي تسحب بطانية فضيّة حرارية وتوزّعها على الأكتاف:

«الأقمار ترى الحرارة… لا ترى العناد. اخفض رؤوسكم عندما أطلب.»

وقفت إيزابيل في المقدّمة، معطفها الجلدي مغبرٌّ بالملح، شعرها مشدودٌ إلى الخلف في ضفيرةٍ صارمة تشبه الفكرة التي عقدتها الليلة: أنا القائدة. نظرت إلى خطّ الأفق حيث تتلوّن السماء بنصلٍ نحاسيّ، وقالت دون أن تلتفت:

«لا حركة بلا أمر. لا كلمة بلا لُزوم. الصندوق يتنفس بقلوبنا. نفشل نُغرقه بأيدينا.»

هزّ الجميع رؤوسهم. الجملة سقطت في الماء مثل حجرٍ يوقظ الدوامة ولا يعتذر.

على بعد ميلٍ بحري، انشقّت طبقة السكون عن أزيزٍ ناعم يشبه بعوضًا معدنيًّا. رفع راين رأسه فجأة:

«مسيّرةُ استطلاع… ارتفاعٌ منخفض، توقيع أثينا، كاميرا طيفية.»

بلمح العين، رمت كارمن إشارة يد:

«أغطية!»

غاصت الرؤوس تحت البطانيات الحرارية، تمدد ماركو بأكتافٍ عريضة يغطي الصناديق، فيما سحب كريس شراعًا قديماً رفعه نصف رفعةٍ ليكسر الخطوط المباشرة. بقيت إيزابيل واقفة ثانيتين، تتبع الأزيز بعينيها، ثم هبطت إلى مستوى السطح، ظهرُها يلامس الخشب الرطب.

مرّت المسيّرة فوقهم كعيْنٍ بلا جفن. حسب راين الوقت في داخله: واحدة… اثنتان… ثلاث… ثم تلاشى الأزيز في اتجاه الجنوب.

«نجونا من الأولى.» همس.

ردّت إيزابيل:

«لن ننجو من الثانية بنفس الحيلة. كريس أطلق الطُعم البحري.»

أومأ. التقط كرةً بلاستيكية صغيرة من صندوق الأدوات، فكّ سُدّتها، ألقى بها في الماء. أضاءت لحظةً بوميضٍ خافت، ثم بدأت تبث بصمة حرارية تُحاكي قاربًا يتّجه شرقًا بسرعةٍ أعلى.

«دعهم يطاردون شبحًا يتكلم لغة الأقمار.» قال كريس وهو يعود إلى الدفّة.

على شرفةٍ زجاجية في فيلّا تُطل على نفس الشريط من البحر، كان ليوناردو يُنصت إلى الأزيز نفسه عبر سماعة أذن، أمامه شاشةٌ مقسّمة تظهر مسارات الرياح ومسارات الذخائر ومسارات الصدف. وقف إلى جواره رجلٌ نحيل ببدلةٍ رصينة، عيناه غائرتان وسؤاله مؤجَّل:

«هل نمنح أثينا القارب… أم نهبُه لهم؟»

لم يجب ليوناردو مباشرة. ارتشف قهوته دون سكر، أدار قرصًا زجاجيًا صغيرًا على الطاولة فظهرت صورة بالأشعة الحرارية لقارب الصيد. خفّض الصوت وقال:

«حين يُعلّمك الخصم كيف تُطارده، سيقودك إلى شاطئه. نحن… لا نُعلَّم.»

ثم التفت:

«أوقفوا الإسناد الكاذب. لا ترفعوا هاتفًا واحدًا. من يطلبنا لا يسمع إلا البحر.»

الرجل النحيل حنى رأسه:

«وكيف نطمئن إلى الصندوق؟»

«لا نطمئن. نختبر. هم يظنون أنّ L.V حرفان… فليكتشفوا أنهما باب.»

ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة لا تُرى إلا إذا قرّبت وجهك إليه أكثر مما يجب:

«وعندما يفتح الباب… لا يدخل إلا من يعرف الظلام باسمه الصغير.»

اقترب القارب من خليج نابولي، والمدينة تصحو بكسلٍ أسطوريّ: أجراسٌ بعيدة، صياح بائع، خرير مياهٍ متعبة تصطدم بالسقالات. أشارت كارمن إلى اليمين:

«الرصيف الأزرق هناك.»

كان رصيفًا قصيرًا من خشبٍ مطليّ بآزورٍ باهت، تتدلّى من جانبيه حبالٌ متآكلة، وعوامةٌ مائلة اللون كأنها عَيْنٌ أُصيبت بسهرٍ طويل. فوق الدعامة الثالثة شُخّصت علامةٌ صغيرة، مقطوعة بسكّين: VIII.

ابتسمت إيزابيل في سرّها: «التلة الثامنة». تذكّرت الرسالة: «ثانيها: حقل الزيتون التلة الثامنة.»

لكن الأولوية للبداية. نظرت إلى الدعامة الأولى: آثار طلاءٍ حديث فوق طبقةٍ أقدم. ركعت، مررت أصابعها على الخشب، شعرت بانتفاخٍ بسيط عند عقدةٍ ملحية.

«كريس، سكينك.»

ناولها إياها دون كلام. غرست طرفها بحذر، سحبت لوحًا صغيرًا بحجم راحة اليد. ظهر تحتَه تجويفٌ محميٌّ بصفيحة رقيقة، وختمٌ معدنيّ محفور: L.V  locus verita .

«اللغز يحبّ أن يقرأ نفسه بصوتٍ عالٍ.» تمتمت كارمن، وهي تراقب الطريق الخلفي بعينٍ وعين.

«لا تصوّري.» همست إيزابيل. «نفتح الآن… ونغلق بسرعة.»

أدخلت مفتاحًا صغيرًا كانت قد استخلصته من جانب الصندوق في المصنع قطعة معدنية تشبه شيئًا بين دبّوس شعر ومِفْتاحِ خزنة وأدارت بحذر. تخلخل الختم، ارتفع الغطاء، وداخل التجويف… بطاقةٌ شفافة، رقيقة كجلد البصل، تحمل نمطًا ضوئيًا لا يظهر إلا حين يميلها الضوء بزاويةٍ محددة. وتحتها، قصاصة ورقية قديمة كُتب عليها بحبرٍ مائل:

«لا يفتح الباب الأول إلا للذي رفض الرصاصة. الآن… إلى الزيتون.»

تنفّس راين بعمق:

«بطاقة مفاتيح ضوئية قد تكون توقيعَ مختبرٍ في الشمال.»

«أو توقيعَ رجلٍ في الجنوب.» ردّت إيزابيل وهي تُعيد الغطاء إلى مكانه. وضعت البطاقة في جيبٍ داخليّ قرب القلب، كمن يضع جملةً لا يريد أن يسمعها أحد قبل أن تنضج.

في اللحظة ذاتها، ارتجّ الخشبُ تحت أقدامهم ارتجاجةً خفيفة، كأن الرصيفَ نفسَه تنبّه لأن سرًّا انتُزع من ضلوعه. التفت كريس غريزيًّا نحو البحر، كائنٌ مولود من مطارداتٍ طويلة؛ حدّق في صفحة الماء الداكنة وقال هامسًا:

«شيءٌ يتحرّك تحتنا.»

راين ضغط عدّاده المحمول، خفّت عيناه:

«نبضةٌ مغناطيسية واطئة… مصيدة قُرب الدعامة الثانية. إذا وطئناها ثلاثين ثانية متواصلة تُبلّغ شبكةً عمياء في السطح.»

كارمن لم تنتظر الشرح؛ أشارت بالأصابع: «انسحابٌ درجياً واحدًا واحدًا، خطوتين على الخشب، خطوة على الحبل، ثم القارب.»

هزّ ماركو رأسه، حمل الصندوق على كتفه كما لو أنه جُرْح يتطلّب كتفًا واحدة، وتقدّم.

على الضفة، انشقّ الضبابُ عن بقعةٍ داكنة: رجلان بقبعاتٍ قماشية، سجائر تشتعل كعيونٍ صغيرة. بدا كل شيء عاديًا… إلا أن العاديَّ يصرخ لو كان لديك إذنٌ داخليُّ بالسماع. لمعت عند كعب أحدهما مشبكُ سلاح. رفعت كارمن يدًا خفيفة، كولادة أمرٍ بلا صوت: «بلا مواجهة. نمرّ كهواءٍ بارد.»

أعادت إيزابيل الغطاء الخشبيَّ مكانه، دسّت البطاقة الشفافة في جيبٍ داخليّ، ثم انطلقت. خطوتان. حبل. قفزة. القاربُ تحتها يتنهّد شُعيراتِ ماء. تبعتها الأكتافُ الحارّة واحدًا واحدًا. حين صعدت أخيرًا، رمقت الرجلين في الضفة بنظرةٍ لا تحمل سواهُما، وكأنها تسأل: هل جئتما للبحر… أم صدف أن البحر جاءكما؟

نفث أحدهما دخانَه مائلًا، وبدا… مبتسمًا. حفيفُ أقدامٍ ثانٍ دبّ خلفهما. ثلاثة رجالٍ آخرون ظهروا من العتمة، ببطءٍ مدروس.

همس كريس:

«سوء حظّ… أو مقدّمة أُغنيةٍ سيئة.»

ردّت إيزابيل ببرودٍ حاد:

«الأغاني السيئة تُكتم قبل اللحن الثاني.»

أدارت وجهها نحو كارمن:

«غطّي الميناء من الكاميرات العامّة، افتحي لي نفقًا بصريًّا نحو التيه. لا أريد وجهًا لنا على شاشات نابولي.»

«حاضر.»

أدار كريس المحرّك بهدوءٍ وطيء، كأنه يعتذر للماء عن اضطراره للقطع. بدأ القارب ينزلق. على الضفة، لم يتحرّك الرجال. فقط نظراتٌ تُقيس المسافة وتعدّ نبضًا ليس لها.

في الطُرْق نحو المصبّ الجانبي، أضاءت مصباحُ ميناءٍ عالٍ لحظةً ثم انطفأ. نبضةٌ لاسلكية نقرَت في أذن راين:

«اختراق محاولة تقاطع توقيع أثينا، لكنّها تُحاكي سِجلّ المدينة… أغلقتُها.»

قالت إيزابيل:

«حافظ على قناع المدينة علينا. لا نريد لأثينا أن تعرف أننا نعرف أنّها تعرف.»

ضحك راين رغم التعب:

«تعقيدٌ يكفي لنصٍّ من بورخيس، قائدة.»

«نكتب فصولنا بأسنانٍ لا بحبر.»

مرّت دقيقتان من خشوع الماء. ثم، كالخَدْش على زجاج، عاد الأزيزُ المعدنيُّ، لكن أعلاهم هذه المرّة. رفعت كارمن عينها:

«مسيّرة ثانية. طيفٌ حراريّ مُعدّل. سيبحثون عن نمط حَرارةٍ بشرية تتنقّل في قاربٍ صغير.»

قال كريس:

«والبحرُ باردٌ بما يكفي ليجعلنا نقانقَ على اللوحة الحرارية.»

«إلا إذا أعطيناهُنا على طريقتنا.» قالتها إيزابيل، ومدّت يدًا إلى صندوق أدوات قديم. أخرجت قِرْبَتين من الماء المثلّج المُملّح، فتحتُهما وبسطت القماشَ الحراريَّ فوق الظهور والأكتاف، ثم رشّت الماء المثلّج على البطانيات.

«اخفضوا الحرارة لثلاثين ثانية، راين…»

«أعرف. أشغّل نبضةَ شبحٍ على بعد مئتي متر. سيطاردون طيفنا البارد… ويتجاهلون البرد الأرخص.»

مرّت المسيّرة. نبضةٌ ثوانٍ. تتبع ظلًّا لا يتنفّس، ثم حادت. ابتلعهم الضباب ثانيةً.

في الشرفة الزجاجية، أطفأ ليوناردو الشاشة. لم يرغب أن يرى أكثر. في المرآة ظلّ رجُل البدلة الرصينة، يحاول أن يقرأ ما بين جمل سيده:

«ألن نأمر بإغلاق الخليج؟»

«نُغلقه لمن؟ لنا أم لهم؟»

«للجميع؟»

«الحصارُ يجمع الأعداء في صفٍّ واحد. نحن نُفضّل أن يبقوا في صفوفٍ متوازية لا تتلاقى… حتى نصفر لهم فيأتون واحدًا واحدًا.»

«وهي؟»

«هي تعرف الآن أن الباب الأول لا يُفتح تحت فم البندقية. هذا يكفيني هذا الصباح.»

ابتسم نصف ابتسامة. كان يعرف أنّ نصف الابتسامة، في بعض الحروب، أصدقُ من وعدٍ كامل.

عاد القارب إلى الواجهة البحرية الخلفية للمصنع القديم الذي حوّلوه ملجأً. رفع ماركو الصندوق بحركةٍ واحدة إلى الرصيف الخشبيِّ المهترئ. سبقتهم إيزابيل إلى الداخل، نظرةٌ سريعة تمسح الهواء قبل الأرض: «لا أثر، لا ظلال غير ظلّنا.»

دخلوا. أغلقت كارمن ثلاثة قواطع كهربائية في الترتيب المعكوس الذي فتحت به في الليل. جلس راين أمام الطاولة المعدنية، فتح واجهة المحاكاة التي بناها على عجل: نافذةٌ تسأل الصندوقَ بصوت أثينا، وصندوقٌ يجيب كما لو أنه يُجيب أُمَّه.

قال راين:

«سنخاطب الرقاقة الداخلية ببرتوكول A-Θ، نُقنعها أننا غرفة اختبار. إن تجاوبت… سنستخرج «خرائط الإشارة» التي تربط L.V بمواقع أخرى التلة الثامنة من بينها.»

كارمن علّقت مسدسها على مسمارٍ صدئ:

«وقبل ذلك نُغيّر الهواء هنا. رائحة الملح تجذب الماضي… والماضي لا نريده أن يتذكّرنا بسرعة.»

ضحك كريس وهو يفتح نافذةً خجولة:

«رائحة الديزل تشفع لنا.»

وقفت إيزابيل قرب الصندوق، حدّقت في الحرفين L.V حتى خُيِّل لها أنّهما نبتا مثل وردتين معدنيّتين على غلافٍ أسود. مسحت بأصابعها أثر ماءٍ مالح، ثم قالت بهدوءٍ حاسم:

«اسمعوني جيّدًا: أمامنا طريقان يجريان معًا طريق أثينا الذي يريدنا أن نجري فيه مثل ماءٍ في قناةٍ محفورة سلفًا، وطريقنا الذي نَحفره الآن بأسناننا. لن نترك قناةً بلا سدّ، ولا سَدًّا بلا بَوّابة خلفيّة لنا. هذا الصندوق سيجيب علينا بلغتنا… أو سنعلّمه الصمت الدائم.»

«وماذا عن نابولي؟» سأل كريس.

«نذهب… لكن بعد أن نضمن أن الباب الثاني لن ينغلق على أصابعنا.»

انحنى راين فوق المنفذ المخفيّ للصندوق، أوصل المِسبار. أضاءت الشاشة سطرًا لاتينيًّا مُبهمًا، ثم سلسلةَ أرقامٍ أشبه بلحنٍ مكسور. تنفّس بعمق:

«إنها تُغنّي.»

«ترجم اللحن إلى دروب.» قالت إيزابيل.

بدأت الخرائط تظهر نقاطٌ صغيرة تتوهج على خطوطٍ باهتة. نابولي. ثم دائرةٌ أبعد في ريفٍ مرتفع. علامة زيتونٍ صغيرة تظهر وتشحب. عنوانٌ لا يشبه العناوين: Collina VIII التلة الثامنة.

كارمن صفّقت كفًّا بكفٍّ واحدة، كأنها تعطي قرارًا النهاية:

«التلة الثامنة إذن.»

قبل أن يكتمل المشهد، ومضةٌ صغيرة خضراء ظهرت قرب برشامٍ دقيقٍ في زاوية الصندوق. لم تكن السابقة نفسها لا رسالة، لا غُنج. فقط ومضٌ واحد، ثم سكون.

ارتفعت أعين الجميع إلى إيزابيل. لم تغيّر نبرتها:

«لا نلمسه. هذا تحيّةٌ من كامِنٍ لا يريد أن يُرى. كريس، حضّر السيارة الريفية. راين، خريطة رياحٍ وحرارة للطريق. كارمن، نحتاج ثلاثة وجوهٍ جديدة وملابس ترابيةلسنا في فيلمٍ لنرتدي الأسود إلى حقل زيتون.»

«والاسماء؟» سألت كارمن بابتسامةٍ مائلة.

«مزارعون من بوليا، جئنا نستكشف أرضًا للنقل. أنا… إيزا. أنتم أبناء عمومتي.»

ضحك كريس:

«أجيد التظاهر بأنني لا أجيد شيئًا.»

«هذا ما أريده تمامًا.»

على الباب، توقفت إيزابيل لحظةً، استمعت إلى شيءٍ لا يسمعه غيرها: الهديرُ البعيد للمدينة وهي تغيّر جلدها مع الشمس الأولى. تذكّرت نصف ابتسامةٍ على شرفةٍ بعيدة. قالت في نفسها: إذا كان الباب الثاني يفتح بالقلب… فلينبض قلبي على إيقاعي أنا.

ثم التفتت إلى فريقها:

«إلى التلة الثامنة.»

وفي مكانٍ ليس بعيدًا بما يكفي، جلس ليوناردو في مقعد سيارةٍ سوداء منخفضة، يراقب خريطةً مطبوعة، لا شاشة. دوّن بقلمٍ رصاص دائرةً صغيرة قرب كلمة Collina. تمتم:

«ثانيةُ النحو… حيث تصير الجملة جُرحًا إن أُسيءَ ضبطها.»

رفع هاتفًا لم يتّصل:

«اتركوهم يسبقونني بنفَسين. بعض الحقائق لا تُرى إلا من الخلف.»

أعاد القلم إلى جيبه، وأسند رأسه إلى المقعد. في عينه رمادٌ لم يبرد، وفي قلبه بابٌ لا يفتحه إلا من قال يومًا: لا للرصاصة، نعم لسكين الحقيقة.

ثم انطلقت السيارة… نحو الزيتون، حيث ينتظر الدرسُ الأول في هندسة الخيانة.

______________________________________

إنتهى الفصل

نلتقي الفصل القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات المجهول

المؤلف Rit_al 💋
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة