بعض الوجوه لا تُنسى، لا لأنها جميلة… بل لأنها جاءت يوم سقط كل شيء.
في قلب الخيانة، لا يأتي الإنقاذ إلا من ظلال لا نعرفها…
حين يتسلّل الشك بين الحلفاء… يصبح كل قلب جبهة حرب
.حين ينقلب الحليف إلى خصم… يصبح الخوف هو أقل ما يمكن أن تشعر به
.الخيانة لا تأتي من بعيد، إنها تأتي من حيث تظن أن الأمان مقيم
.في عالمٍ تُباع فيه الأرواح وتُشترى، الرصاصة الصادقة هي الوحيدة التي لا تخون
.في عالم الخيانة، الرصاص لا يسأل من الصديق… إنه فقط يسبق السؤال
.الحلفاء في عالم الظلال… لا يأتون ليحموك، بل ليكملوا ما بدأته بدمٍ أكثر هدوءًا.
_______________________________________
المطر لم يتوقّف. كأن السماء أرادت أن تغسل
المدينة… أو تمحو من على وجهها كل خطيئة لم تُحاسب بعد.
كنت أجلس داخل مقهى صغير في حي مهجور، يدخّنه النسيان منذ سنين. أمامي كوب قهوة بارد، وذاكرة ساخنة، مشتعلة كالجحيم.
"إنه يتأخر…" تمتمتُ بصوتٍ خافت وأنا أراقب الباب المهترئ.
كارمن كانت بجانبي، تلعب بأطراف شعرها بتوتر.
"هل أنتِ متأكدة من أنه سيأتي؟" سألتني دون أن ترفع عينيها عن الطاولة.
أجبتها ببرود:
"إنه لا يُفوّت شيئًا. خاصة إذا كان الأمر يخصّ ليوناردو."
في اللحظة التالية… فُتح الباب.
دخل ببطء، كأنه لا يُجاري الزمن، بل يُسيطر عليه.
كان طويلًا، يرتدي معطفًا أسود يصل إلى ركبتيه، وشعره المبلّل يلتصق بجبهته. عيناه؟ لا يمكن وصفهما إلا بكلمة واحدة:
"ميتتان… لكن تراقبان."
تقدّم بخطوات واثقة، وجلس قبالتي دون أن يطلب الإذن.
قال بصوت أجشّ:
"مرّت سنوات، ولم تتغيّري يا إيزابيل. ما زالت عيناكِ تتكلمان أكثر منكِ."
نظرتُ إليه طويلًا… هذا الرجل، هذا الشبح من ماضٍ دفنته… كان هنا، يجلس أمامي، يبتسم.
"كريس…" همستُ باسمه كمن يلفظه من قبر.
ابتسم بتلك الطريقة التي كنتُ أكرهها:
"اشتقتِ إليّ؟"
"أنتَ لم تترك مساحة لأحد كي يشتاق لك. الموتى لا يُفتقدون."
ضحك. لم تكن ضحكته مرحة، بل كأنها نصل على عنق الزمن.
قال بجدية:
"كارمن أخبرتني بكل شيء. المشروع، ليوناردو، قائمة التصفية…"
ثم أضاف وهو يخرج جهازًا صغيرًا من جيبه، وضعه فوق الطاولة:
"وهذا… ما سعى المجلس لإخفائه حتى عنكِ."
نظرتُ إلى الجهاز. كان مشفرًا، يحمل شعارًا قديمًا… الشعار الذي دُمغ على أعماق طفولتي. الرمز الذي لا يظهر إلا في لحظة النهاية.
همستُ:
"كيف حصلت عليه؟"
ردّ دون أن يرمش:
"قتلتُ من كان يملكه."
كارمن شهقت، أما أنا؟
فابتسمت… وأخيرًا، عرفت أنني لم أعد وحيدة في هذا الجحيم.
سحبتُ الجهاز من على الطاولة، وأنا أراقب كريس بنظرة لم تكن ثقة… بل اختبارًا.
سألته ببرود:
"ومن قال إنّ هذا لا فخ؟ المجلس لا يُفرّط بأسراره بسهولة…"
أجابني وهو يشعل سيجارة بيد ثابتة:
"لو كنتِ في موضعي، لعرفتِ أني لم أعُد أملك ما أخسره. ما عدتُ أقاتل من أجل الانتقام، بل لأحرق جذور اللعبة من تحتها."
نظرتُ إلى الشاشة الصغيرة، بدأت أعبث بالرموز السرية، شفرة تلو الأخرى، حتى انفتح الجهاز… وما رأيته هناك؟ جعل أنفاسي تتوقف.
قائمة…
أسماء…
تواريخ…
أماكن…
وأرقام متسلسلة لعمليات طُمس وجودها في أرشيف المنظمة.
بعض الأسماء كانت مألوفة، بعضها الآخر… كوابيس ظننت أنها دُفنت تحت رماد الماضي.
ومن بينهم، ظهر اسمه…
"ليوناردو فينيسيا – مشروع: فايروس الصمت."
شهقت كارمن، تراجعت قليلًا، كأنّ الحروف لدغتها.
قال كريس:
"لقد استُخدم. لم يكن سوى تجربة ناجحة… أو لنقل، النموذج الأول الذي استطاع البقاء."
رفعت عيني إليه:
"وأنت؟ من تكون في هذه القصة؟ ضحية أخرى؟ أم واحدًا من صناّع الجحيم؟"
ابتسم وهو ينفث الدخان:
"كنت كل شيء. ضحية، قاتل، شاهد، ثم خائن. والآن؟ أنا مرآة لكِ."
شعرت بشيء يتحرك داخلي… ليس خوفًا، بل الغضب.
كأن الشرارة التي ظننتُ أنني دفنتها منذ زمن، قد عادت لتحترق من جديد.
قلت ببطء:
"إذا عدت… فاعلم أن لا طريق للرحمة هنا."
ردّ بجدية:
"وأنا لا أبحث عنها. بل أبحث عن العدالة… تلك التي لطالما كانت باردة، تمامًا كيديكِ."
رنّ صوت الهاتف فجأة.
كارمن أسرعت إليه، ضغطت على الزر، فظهر وجه مألوف على الشاشة:
"إيزابيل، لقد تم اكتشاف تحرّكك في المنطقة الغربية. هناك من أبلغ عنكِ."
أنا؟ لم أتفاجأ.
نظرت إلى كريس.
قال لي بصوت خافت:
"حان الوقت لنعود لما نحن بارعون فيه… الهرب أو القتل."
ابتسمت وأنا أطفئ الجهاز، وأقف:
"لا، هذه المرة… لن أهرب."
ثم التفتُّ إلى كارمن:
"جهّزي السيارة. لدينا قائمة نحتاج أن نعيد ترتيبها، من البداية."
صوت المحرك يخترق الصمت.
المدينة تغرق في الضباب، والسماء ملبدة بوعدٍ بالدم.
أنا، كارمن، وكريس… ثلاث ظلال نُعيد تشكيل ملامح اللعبة، لعبة يعرف فيها الجميع أن النهاية دائمًا تكون نزيفًا.
السيارة تشق طريقها إلى حي "الهافين الأسود"، حيث كل شيء له ثمن، حتى الصمت.
قال كريس وهو يربط سلاحه إلى جانبه:
"اللقاء مع العميل الذي سرّب الوثائق سيكون قصيرًا. لا ثقة، لا تعاطف… فقط معلومات."
نظرت إليه من المرآة الخلفية:
"وأنت؟ تثق بنا؟"
ضحك بسخرية:
"أثق أنكِ ستقتلينني إذا شككتِ بي… وهذا وحده ضمان كافٍ."
كارمن تمسك المقود بشدة.
قالت وهي تنعطف فجأة:
"إنه ينتظرنا في مخزن قديم قرب الميناء… ثلاثة حراس، جهاز تشويش، وكلاب حراسة."
سألتها ببرود:
"ماذا عن المخرج الخلفي؟"
"مغلق… لكن لا شيء يقف أمامكِ، أليس كذلك، إيزابيل؟"
لم أبتسم، فقط سحبت القفازات الجلدية من جيبي ولبستها ببطء.
كل خطوة في هذه اللعبة، تحتاج أن تُحسب بدمٍ لا بكلمات.
وصلنا.
المكان مهجور، يطل على البحر وكأنّه ينتظر الجثث التي ستلقى فيه قريبًا.
خرجت من السيارة أولًا.
تبِعني كريس، ثم كارمن.
خطواتنا كانت صامتة… كما اعتدنا.
وقفت عند الباب المعدني الصدئ. طرقت ثلاث طرقات، ثم اثنتين متتاليتين.
فتح الباب رجل ضخم، لم يكن يتكلم، فقط أشار لنا بالدخول.
ولم نكن من النوع الذي يحتاج الترحيب.
في الداخل، جلس العميل على صندوق خشبي، يحمل بيده سيجارًا أفريقيًا، وعيناه تتحركان كمن يخشى حتى ظلّه.
قال لي دون أن ينهض:
"إيزابيل… سيدة الموت كما يُسمّونك. لم أظن أني سأراكِ حيّة."
أجبته ببرود:
"وأنا لم أظن أنك ستعيش لتتحدث."
كريس اقترب منه، سحب السيجار من يده ورماه، ثم ضغط عليه بحذائه.
قال:
"أقلّ ما يمكن فعله، احترام الحقيقة… لا دخان يخفيها اليوم."
العميل أخرج جهازًا صغيرًا من جيبه، ومرّره لي:
"هذه الملفات… تحتوي على أسماء من اختفوا من المنظمة، الذين ظننا أنهم قُتلوا. لكن… الحقيقة؟ أنهم أصبحوا وقودًا لمشروع أضخم مما نتصور."
سألته:
"وماذا تريد في المقابل؟"
أجاب بنبرة مريبة:
"خروج. هوية جديدة. ومكان لا تصل إليه أنفاس المجلس."
نظرت إلى كريس، ثم إلى كارمن.
قالت الأخيرة:
"صفقة جيدة… لكننا لا نشتري الخوف، بل نشتري الحقيقة."
في لحظة، دوّى صوت انفجار في الخارج.
صرخت كارمن:
"كمين!"
كريس سحب سلاحه فورًا، وأنا كنت أول من انبطح أرضًا خلف الطاولة الخشبية.
الطلقات اخترقت الجدران، والباب اقتُلع.
من؟ من عرف مكاننا؟
ليس هناك وقت للسؤال… فقط وقت للقتل.
صرخت:
"تغطية خلفية! لا تدعوا أحدًا يدخل حيًا!"
الزمن انقلب على عقبيه خلال لحظة.
دويّ الرصاص كان كثيفًا، يتردّد صداه كأنّ الجدران تئنّ من شدة الألم، والهواء أصبح سميكًا برائحة البارود.
زحفتُ خلف الحواجز الخشبية مع مسدسي في قبضتي.
صرخت على كارمن:
"خذي الزاوية اليمنى! لا تسمحي لهم بالالتفاف علينا!"
ردّت وهي تُطلق النار من بندقيتها:
"إنهم أكثر من المتوقع! أربعة على الأقل تسللوا من النوافذ الخلفية!"
كريس قفز فوق أحد الصناديق، وركل الباب المعدني بكل قوته، ثم صرخ:
"العميل! لا تدعه يهرب!"
كان ذلك اللعين يحاول الهرب عبر الباب الجانبي… لحظة واحدة كانت كافية ليُصبح طُعمًا للرصاص.
لكنني سبقت الجميع.
ركضت خلفه، ودون أن أفكّر، رفعت المسدس وصوّبت.
طلقة واحدة.
رأسه ارتدّ للخلف كأن شيئًا خفيًّا سحب روحه، وسقط على ركبتيه كدمية انتهى وقت لعبها.
وصل كريس إلى جانبي، نظر إلى الجثة وقال ببرود:
"لم أظن أنك ستقتلينه بهذه السرعة…"
أجبته وأنا أعيد تهيئة السلاح:
"الذي يبيع معلومة بثمن، سيبيعنا مجانًا."
كارمن اقتربت وهي تنزف من كتفها، تمسح دمها وتبتسم بسخرية:
"جميلة تلك الرصاصة… كانت صادقة."
سحبنا الجهاز من جيبه، وتراجعنا إلى داخل المخزن بينما نعيد إغلاق المداخل.
الغزاة اختفوا فجأة.
لا جثث… فقط دماء متناثرة وصمتٌ كأنّه الهدوء الذي يسبق عاصفة جديدة.
سألت كارمن بصوت خافت:
"لماذا انسحبوا فجأة؟"
قال كريس وهو يقلب الجهاز بيده:
"لأنهم حصلوا على ما يريدون… أو خسروا من لا يمكن تعويضه."
نظرت إليهما، ثم إلى الجثة التي بدأت تتصلب.
فكرتُ بصوتٍ مسموع:
"أو لعلّها مجرد رسالة… أن من يقترب من الحقيقة، يموت قبل أن يهمس بها."
غادرنا المكان عبر النفق الخلفي.
السكون عاد، لكنه كان ثقيلًا، كما لو أن أرواح الموتى تتعقب خطواتنا.
قال كريس فجأة:
"إيزابيل… هناك شيء في هذا الجهاز… ليس مجرد أسماء."
نظرت إليه باهتمام:
"تقصد؟"
"أسماء مشفّرة… لكن معها ملفات صوتية ورسائل محذوفة. أحدها… باسمك."
تجمّدت.
كارمن شهقت:
"هل هذا يعني…؟"
هززت رأسي ببطء، وقلت:
"أن أحدهم… يُخطّط لنا منذ البداية."
وهنا، وعلى الطريق بين الحقيقة والخطر، لم يكن أمامنا سوى خيارٍ واحد:
نهاجم قبل أن يُهاجَم الظل من جديد.
[ المخبأ الرئيسي – إحدى البنايات المهجورة وسط الحي الصناعي]
عادت أنفاسنا إلى إيقاعها المتقطع ونحن نغلق الباب الحديدي خلفنا. الجدران هنا باردة، مسكونة بالرهبة. المولد يصدر طنينًا خافتًا، وكأن المكان يتنفس مع كل شهيق وزفير يصدر منا.
وضعت كارمن الجهاز على الطاولة، ثم استندت على الجدار، بينما كريس بدأ العمل على فك تشفير الملفات. أما أنا، فكنت أقف خلفه مباشرةً، عينيّ تتفحّصان كل تفصيلة تظهر على الشاشة.
مرت الدقائق ببطء…
ضغط… تشفير… كلمات مبعثرة…
ثم فجأة، ظهرت نافذة سوداء، وخرج منها صوتٌ مألوف… كأنّه صوت الموت نفسه.
"إذا كنت تستمع إلى هذا… فأنتِ تأخرتِ، إيزابيل."
كارمن شهقت. أما أنا، فتقدّمت خطوة دون وعي، وقلبي بدأ يدقّ كأنّه يدق على تابوت الذكريات.
كان الصوت… صوت ليونيل.
نفس النبرة الباردة… نفس الوقاحة النرجسية.
"أعرف أنكِ ستصلين في النهاية. كنتِ دائمًا عنيدة. لكن دعيني أخبرك بشيء… لا أحد يهرب من ماضيه، ولا أحد يربح ضد ظلاله."
كريس نظر إليّ بدهشة، همس:
"ليونيل؟ هذا مستحيل… ظننا أنه مات منذ ثلاث سنوات."
أجبت بجمود:
"ظننا… لكنه لم يمت، بل اختفى."
توقف الصوت، وظهر ملف ثانٍ.
هذه المرة كان فيديو. شاشة سوداء، يظهر فيها ظل لرجل يجلس على مقعد جلدي فاخر، ووراءه خارطة ضخمة.
قال الرجل بصوت معدني:
"خطة الهدم تبدأ من الداخل. العميلة كارمن فشلت. العميل كريس تحت المراقبة. أما إيزابيل… فهي نقطة التحوّل."
ثم ضحك.
ضحكة لا تحمل مرحًا، بل جحيمًا.
ضحكة من يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
كارمن صرخت:
"ما الذي يحدث؟! من صوّر هذا؟ ومن يُراقبنا؟!"
كريس قال ببطء:
"منذ متى كانوا يزرعون الشك بيننا؟"
رفعت رأسي، حدّقت فيهما… ثم قلت:
"ليس المهم منذ متى… المهم الآن: من نثق به؟"
في تلك اللحظة، رنّ جرس الإنذار في النظام الأمني.
كريس نظر إلى الشاشة:
"هناك حركة بالخارج! أكثر من خمس سيارات! أسلحة ثقيلة!"
أمسكت سلاحي، وقلت بجمود:
"لن ننتظر حتى يدخلوا… سنستقبلهم بطريقتنا."
كارمن جذبت بندقيتها، وهي تهمس:
"إنها بداية الحرب."
وقفت أمام الباب، نظرت إلى الكاميرا الأخيرة التي التقطت صورة أحد القادمين…
شخصٌ نعرفه جيدًا.
وجهٌ كان بيننا.
ابتسم للكاميرا كأنّه يقول: "أنا هنا… واللعبة بدأت."
كنا ثلاثة فقط… ثلاث ظلال تتنفس تحت ثقل الزمن، والعدو على بعد ثوانٍ من كسر الباب.
أنفاسنا متقطعة، والهدوء المميت يسبق العاصفة.
قال كريس وهو يضع آخر شحنة تفجير على المدخل الخلفي:
"إذا اخترقوا هذا الباب، سنفجّره. لن نترك لهم شيئًا."
أومأت له، ثم نظرت إلى كارمن التي أمسكت بندقيتها بقوة وكأنها تمسك بماضٍ لا تريد أن يتكرّر.
قلت ببرود:
"عندما يدخلون… لا تفكّري، فقط أطلقي النار."
هزّت رأسها، لكنها لم تتحدث. لم يكن الوقت للكلمات، بل للرصاص.
صوت الباب يُكسر بعنف، ويدخل أربعة رجال ملثمين، يطلقون الرصاص بلا تمييز.
ردّت كارمن بقنبلتين يدويتين، بينما أطلقت أنا النار على من حاول التقدّم.
كريس فعّل القنبلة الخلفية، وسمعنا انفجارًا أربك البقية.
الجحيم انفتح…
دخان… صراخ… طلقات تتطاير.
لكنني رأيته…
في ظلّ الضباب، وقف عند الباب، دون أن يطلق رصاصة واحدة… يراقبنا فقط.
وجه مألوف… نظرة باردة…
ليونيل.
كأنّه خرج من مقبرة ذكرياتي ليعيد كتابة النهاية التي فشل فيها سابقًا.
قلت بصوتٍ مرتجف، وأنا أوجه السلاح نحوه:
"ظننتك ميتًا."
أجاب بابتسامة خفيفة:
"كنت فقط أراقب من بعيد… إلى أن حان وقت العودة."
قال كريس فجأة، وهو يصرخ نحوي:
"إيزابيل! لا تطلقي!"
لكنني كنت قد ضغطت الزناد بالفعل…
وما إن فعلت، حتى رمى ليونيل قنبلة صوتية…
وانفجر الظلام في وجهي.
سقطنا جميعًا.
ضباب… طنين… صداع يشبه الزلازل.
عندما فتحت عيني، كانت كارمن تصرخ.
كريس ينزف من ذراعه، وليونيل قد اختفى…
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في اختفائه…
بل في الورقة التي تركها خلفه، مثبتة بطلقة في الحائط:
"من بينكم من خان… والساعة تدق."
قالت كارمن، بصوتٍ مشروخ:
"أنتِ تثقين فينا، أليس كذلك…؟"
نظرتُ إليها، ثم إلى كريس…
وساد الصمت.
ليس لأنني لا أملك جوابًا… بل لأنني لا أملك ثقة.
[المخبأ مؤقت – بعد ساعات من الانفجار]
الهدوء كان كاذبًا، كأن الصمت يخفي تحته بركانًا من التوتر.
كارمن تنظف بندقيتها للمرة الرابعة دون أن تنظر لأحد، كريس يضغط على جرحه بقطعة قماش، وأنا أراقب كلاهما… بعين لم تعد ترى سوى الخطر.
قلت بصوت منخفض:
"نحتاج خطة، ليس وقت التحديق في الفراغ."
أجاب كريس بحدة:
"خطة؟ نحن لا نعلم حتى من هو معنا ومن ضدنا!"
نظرت نحوه، ببرود:
"لهذا السبب نحتاج خطة."
كارمن رفعت عينيها، لأول مرة منذ عودتنا، وسألت:
"هل تظنين أن أحدنا خان؟"
سؤالها لم يكن بريئًا. كانت تنتظر ردة فعلي، لكنني لم أجب فورًا.
بل أعدت تشغيل التسجيل الوحيد الذي التقطته كاميراتنا…
لحظة ظهور ليونيل.
دققت في كل لقطة… كل تعبير وجه… كل زاوية.
ثم أوقفت الفيديو عند لحظة دخوله، واللافت أنه لم يبدُ وكأنه يهاجم… بل كأنه يراقب، كما لو كان يبحث عن شيء.
همست:
"ليونيل لم يكن هناك ليقتلنا… بل ليختبر ردّة فعلنا."
سأل كريس، متوترًا:
"لماذا؟"
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت:
"لأنه لم يكن وحده. أحدكم أرسل له رسالة بأننا هنا."
شهقت كارمن، وقفز كريس واقفًا رغم إصابته.
قال بصوت مرتفع:
"ماذا تعنين؟! أتهمتينا نحن؟!"
وقفت أمامه، بثبات لا يلين:
"أنا لا أتهم… أنا أحلل. نحن فقط من نعلم موقع هذا المخبأ."
كارمن همست وهي تشد على قبضة السلاح:
"ومن قال إنكِ لستِ أنتِ من دلّه علينا؟"
صمت… ثقيل… قاتل.
هل وصلت الشكوك لمرحلة اللاعودة؟
أجبتها ببرود:
"لو كنت أنا، لما كنتِ حية الآن."
رنّ الهاتف السري. ذلك الذي لا يرنّ أبدًا إلا من مصدر واحد… المصدر المجهول.
فتحت الخط، فجاء الصوت مشوّشًا، كعادته:
"إنه ليس وحده… وإن لم تتحركوا الآن، فلن تبقى لكم فرصة ثانية."
سألت:
"من تقصد؟"
لكن الخط انقطع…
نظرت إليهما، وقد عدت لتلك النغمة الحادة في صوتي:
"نحن مراقبون. هذا مؤكد. وإن لم يكن أحدكما هو الخائن… فربما يكون بيننا من دون أن نراه."
قال كريس بسخرية مرّة:
"كالأشباح؟"
همست كارمن، وكأنها أدركت أخيرًا ما يحدث:
"لا… كعملاء مزدوجين."
مرّت دقائق كأنها دهور. لم يتحدث أحد. كل منا غارق في شكوكه، وكل نظرة تحمل ألف خنجر.
حتى أنا… بدأت أشك في نفسي.
أخرجت الورقة التي كنت أحتفظ بها في قلبي كسرٍ لا يُمسّ.
كان عليها رمز غريب، يشبه عينًا مفتوحة داخل مثلث… تحتها ثلاث كلمات:
"سيأتي عند العاصفة."
قال كريس وهو يلاحظ الورقة:
"ما هذا؟"
نظرت إليه بصمت، ثم تمتمت:
"وعد… أو تهديد."
لكننا لم نملك وقتًا لنحلّ تلك الأحجية، لأن الباب الحديدي ارتجّ بعنف.
كارمن شهقت وسحبت مسدسها، وكريس اختبأ خلف الجدار.
صوت طَرق منتظم… لا يشبه اقتحامًا، بل نداءً مشفّرًا.
طَرقَة… سكتة… طَرقَتان…
ثم صمت.
فتحت الباب بحذر.
رجل طويل، مغطى بعباءة سوداء، عيونه رمادية كالدخان… ونظرة باردة تكفي لإسكات جيش.
وقف أمامي وقال بهدوء:
"لقد تأخرتِ."
رفعت حاجبي، وقلت:
"من تكون؟"
"اسمي دريك… الحليف الذي نسيتيه."
كارمن صرخت:
"هل هو أنت الذي أرسلت ليونيل؟!"
أجاب ببرود:
"لو أرسلته، لما كنتم هنا تتحدثون الآن."
كريس تحرّك، محاولًا تطويقه، لكن دريك رفع يده فقط، وفجأة توقّف كريس وكأن جسده تجمّد.
قال دريك بصوت كالسيف:
"جئت لأعرض عليكم النجاة. أما إن فضلتم الغرق في أوهام الثقة… فأنتم أحرار."
جلست أمامه، عيني لا تفارقه.
"ما الذي تريده؟"
أجابني وهو يُخرج قرصًا صغيرًا، وضعه على الطاولة:
"معلومات… عن المنظمة التي تطاردكم، وعن العميل الذي بينكم."
كارمن سألت، مرتجفة:
"تعني أنه… مؤكد؟ أن هناك خائن بيننا؟"
"الخائن لا يختبئ بينكم… بل هو أنتم."
جملته صدمتنا.
قلت ببرود:
"كن واضحًا."
ابتسم أخيرًا… ابتسامة لا تبشر بالخير.
"أحدكم لا يعلم أنه خائن. لأنه خضع لبرمجة ذهنية قبل أشهر… زرع فيها أوامر نائمة. والآن… بدأ يستيقظ."
كريس صرخ:
"هذا جنون!"
لكنني لم أصرخ… لأن قلبي عرف الحقيقة قبل أن ينطق بها أحد.
ربما… كنت أنا.
____________________________________
إنتهى الفصل
Rit_al 💋