كثيرًا ما تفاجئنا الحياة بمنعطفاتها... وتتلاعب بنا بخيوط خفية قل من تحرر منها... ورغم ذلك نستمر بالمضي قدما، فالوقت لا يتوقف ولن يمهلنا حتى نواكب سير الوقائع... صرت رين على أسنانها وحولت بنظراتها الساخطة جانبا، وفي رأسها تتخبط الأفكار كالأمواج، بينما هي كقارب صغير تتلاعب به العواصف... ساد صمت مطبق لدقائق كانت بثقلها كالساعات بالنسبة لرين، أما واين فقد كان يرفع نظره إليها بين الحين والآخر بينما يحتسي كوب شاي. وأخيرا كُسر الصمت بوضع واين الكوب الفارغ على الطاولة قائلا: أوه نسيت أن أخبرك أن جوزيف في طريقه إلى العاصمة بغية حضور مؤتمر علمي تقيمه الجامعة عدلت رين جلستها ونظرت إليه بجدية وقد أثارت كلماته اهتمامها بشكل ملحوظ، فتابع قائلا: أرجو أنك لا تفكرين بعمل شيء مجنون مجددا، هذه المرة لن يمر الأمر بسلام ولديه مزيد من القَتَلة برفقته ـ قالت باستنكار: ما دمت قلقا لمَ أخبرتني؟! ـ أعتقد أن سبب مطاردته لك لا يقتصر على كونك شاهدا فحسب لديكِ شيء يريده بشدة، فتلك الأبحاث المسروقة لم تكن إلا مخططات مستقبلية وليست الموضوع الأساسي لبحث ليون وأنا بحاجة لمزيد من المعلومات إذا كنت أريد التخلص منه بطريقة قانونية حدثت نفسها بينما تطالعه بضيق: لقد اكتشف الكثير! هل أقوم باستخدامه؟! ـ همهمت باستياء قائلة: أولا كيف عرفت؟! ثانيا هل أنت واثق من قدرتك؟! ـ لوهلة توسعت حدقتيه تعجبا، لكن سرعان ما ابتسم بثقة قائلا: اطلعت على كثير من أوراقه في الماضي ـ نالت الدهشة من محياها رغما عنها وتمتمت بتبرم: لكن لا أريد أن يكون المولد هو موضوع القضية ـ قال بينما لا يزال مبتسما: لا بأس، أخبريني بكل ما جرى ثم نتناقش كيف نضوغ القصة . مضى بعض الوقت وها هو واين يخرج من المستشفى... رفع رأسه ناظرا نحو سماء الليل القاتمة، قهقه قائلا بنبرة خافتة: ليون الأحمق، إن تلك الشقية تشبهك كثيرا لماذا لم تخبرني أن جوزيف جاء إلى منزلك وذهبت وحدك دون قول كلمة؟! لقد وعدتني أن تأتي إلي إذا تمت ترقيتي أسند ظهره إلى أقرب جدار وتنهد مسترجعا ذكرى تلك الليلة البارة... 'رغم أنه فصل الشتاء إلا أنها كانت ليلة صافية تتألق نجومها كالمصابيح المتناثرة، وفي شرفة تطل على حديقة صغيرة وقف واين يتأمل ما حوته السماء حين باغته دخول ليون قائلا باستياء: أهكذا تدخل منزل الآخرين دون إذن؟! ـ ألقى نظرة خلفه وقال بنبرة مستفزة مبتسما: أهكذا تستقبل صديقك بعد طول غياب؟! أنت الذي عدت من السفر ولم تخبرني فجئت بنفسي أدار نظره في الجوار ثم سأل: أين تلك القطة الصغيرة؟! بالمناسبة ألم تخبرها بعد؟ ـ تقدم ليون بضع خطوات وأسند مرفقيه إلى درابزين الشرفة محدقا بالأفق: ليس بعد، وهي نائمة الآن ـ اتَّكأ واين بظهره على السور: همم هذا يذكرني بالماضي، كنتَ كذلك تنام باكرا سكت لثوان ثم ابتسم فجأة وقال: هل تتذكر لقائنا الأول؟! ـ رد ببرود: لا ـ نظر له بطرف عينه قائلا بنبرة تَنُم عن عدم التصديق: حقا؟! ألا تذكر؟! في الحديقة بينما كنتُ أدرس لامتحانٍ إذ أزعجتني أصوات أولاد كانوا يؤذونك وغضبت عليهم فلاذوا بالهرب وبقيتَ مكانك تبكي حينها احترت ماذا أصنع لأني كنت بحاجة حقا إلى بعض التركيز وفجأة جاءت أمي ووبختني لأنها ظنت أنني من أبكيتك ـ شد ليون بيده على السياج واتنفض ملتفا إلى واين: يكفـي ـ طالع وجهه الذي احمر قليلا بشيء من الاستغراب ثم انفجر ضاحكا وهو يقول: لقد كنت تتذكر إذا ـ أدار ليون رأسه منزعجا: يا لك من مخادع، كل من يراك يحسب أنك شخص هادئ بارد الطبع ـ تبسّم واين وهو يضع يده على كتف صاحبه: أنت الوحيد الذي استمتع برؤيته منفعلا كأنه الأمس فقط عندما كنت صغيرا بنصف طولي، واليوم أصبحت نظرتك كالجليد سكت قليلا ثم قال: لكن لا تحسب أن ذلك يعني ألا تطلب مساعدتي ـ نظر له بطرف عينه قائلا: وماذا أطلب من شرطي مبتدأ لم يحصل بعد على ترقية؟! ـ قال بابتسامة متكلفة: هكذا إذا...لكن ليس باستطاعتك الرفض عندما أحصل عليها قريبا' . في ذات الوقت داخل قصر ريفي في إحدى الغرف، وبينما ألفريدو جالس على طرف السرير يطالع كتابا إذ دخلت عليه سيدة شابة ذات شعر أشقر مرفوع وقد تدلت خصلتين على أطراف وجهها ولها عينان بلون السماء، وجلست على كرسي بجانب السرير قائلة: بفضلك أصبحت كل تحركاتي مراقبة هل حصّلت ما تريده من جعلي أقرأ أوراق جوزيف؟! ـ فاجأه السؤال وسرت رعشة خفيفة بجسده مشيحا بعينيه عنها بحياء قائلا: أعتذر ـ ابتسمت ومدت يدها تربت على رأسه: أوه لا بأس، ابن أخي نما بشكل مذهل، وهو ممثل بارع أيضا قربت رأسها منه هامسة في أذنه: تم دس المنوم في طعام ذَيْنِكَ الرجلين وخدم جوزيف كن حذرا مفعوله يَضُعف خلال ساعة شرد ألفريدو لبرهة فنكزته قائلة: ما بك؟! أسمعتني؟! ـ تهرّب من النظر في عينيها وقال مترددا: عمتي...تدركين أنني أهدف إلى إسقاط جوزيف، ألا تمانعين؟!! طالعته بنظرة ثاقبة جعلته يشعر بتوتر كبير، وإذ بها تبتسم فجأة قائلة: يا لك من فتى هل تشك بي بعد أن وصلنا لهذه المرحلة؟! تابعت مردفة بجدية: كانت تصرفاته مثيرة للشك، أحيانا كنت أفكر أنه قد يقتل دون تردد، ويمكنني التأكد الآن بعدما جرى تلك المرة ثم أكملت وهي تنهض سائرة نحو الباب: لذا لا تفكر بمثل هذه الأفكار الغريبة وتابع ما بدأناه خلال دقائق أخرى كان ألفريدو يسير بين الممرات الهادئة ويقف عند باب غرفة مغلق ويستخدم سلكا معدنيا لفتح القفل. ولج إلى الداخل وبيده شمعة حيث يقبع مكتب عليه عدد كبير من المستندات والأوراق وبجانبه خزانة كتب كبيرة. وبدأ بفحص الأدراج التي كان معظمها مقفلا، ليلاحظ اختلافا بسيطا في شكل قفل آخرها حيث نقش عليه رسم لزهرة الأَقُونِيطُن، فنهض وبدأ يبحث في الغرفة عن شيء مميز آخر. استوقفه كتاب أحمر بشكل بارز على أحد الرفوف، وإذ به يجد ذات النقش على غلافه ومن داخله مجوف كصندوق وفيه مفتاح صغير، وعندما جربه على القفل ذو نقش الزهرة تمكن من فتحه وعثر على مستنداتٍ داخله. ذكره ذلك بما حدث بعد استفاقته من الغيبوبة بفترة...حين دخل المكتب بغية الحصول على ورق لكتابة رسالة لأخته فوجد هذه المستندات بالصدفة، وسرعان ما لاحظ أنها تشبه بعضا من الأفكار التي طرحها ليون في التجمعات الثقافية! وإذ باغته دخول جوزيف الذي ما إن رأه حتى اكفهر وجهه وطلب من الخدم إعادته إلى غرفته، ومن يومها قُيدت حركته وأصبح تحت المراقبة. قلب ألفريدو الأوراق ثم توقف عند بحث حول مصباحٍ لا حاجة لاستخدام الزيت لإشعاله، فأخرج جميع الأوراق من المُغلف مبقيا على البحث الخاص بالمصباح محدثا نفسه: هذا كافٍ وفجأة سمع ضجيجا من الخارج فترك المغلف على الطاولة وألقى نظرة من النافذة ليرى رجال الشرطة يحيطون بالبيت. وبغتة اقتحم أحد رجال جوزيف الغرفة وأبدى نظرة لا تبشر بخير حين رأى ألفريدو... . في ذات الوقت كانت إليانا تقف قبالة ضابط وتقول له بصوت مرتعش وهي تشير إلى رجل قد ثبته على الأرض شرطيان: إنه يعمل عند زوجي، هاجمني حين نزلت إلى القبو، ولولا أني أخبرت الخادمة قبل ذهابي التي طلبت حضوركم بدورها لحدث ما لا تحمد عقباه وإذ يظهر ألفريدو من العدم ويتقدم نحو عمته متصنعا القلق قائلا: حمدا لله أنك بخير، دخلت المكتب بينما أبحث عنك وإذ بخادم السيد جوزيف يدخل، لكنه حين رآني تقدم نحوي بشكل مخيف وهو يسألني إذا كنت قد رأيته! ـ نظر إليه الضابط بحيرة متعجبا: ماذا قصد؟! وأين هو الآن؟ ـ التف إليه قائلا: كانت عينيه مثبتة على المستندات التي على الطاولة، وعندما سمعنا أصواتا تقترب ارتبك فأسرعت خارجا مستغلا ذلك لكني ألقيت نظرة خلفي لأراه يأخذ مغلفا، وأظنه الآن يحاول الهرب من المنزلـ وفجأة قاطعه صراخ رجل الشرطة يتقدم نحوهم جاريا: سيدي قبضنا على رجل وهو يحاول الخروج ووجدنا معه هذه الأوراق نظرت إليانا إلى ألفريدو باستغراب وهمست: هل حقا لا تعلم ما في المغلف؟! ابتسم ألفريدو ناظرا إليها بطرف عينه: لقد وقع في الفخ وفي الحال أصدر الضابط أوامره بالتفتيش والقبض على كل مريب يحاول الخروج، فوجد رجال الشرطة عددا كبيرا من الأسلحة داخل القبو! استمرت التحقيقات لليومين التاليين ليتبين لهم أن كلا الرجلين المريبين اللذين حاولا أذية إليانا وألفريدو مجرمان محكومان بالإعدام. وتم إصدار قرار بإرسال عدد من رجال الشرطة إلى العاصمة لإجراء تحقيق عاجل مع جوزيف بسبب المغلف المريب والأسلحة، وتمت مراسلة واين ليقدم المساعدة رغم أنه من المفترض ذهب إلى العاصمة في إجازة. أما ألفريدو فكان يتجهز ليذهب إلى العاصمة بعد محاولات طويلة في إقناع عمته التي وافقت في النهاية بشرط ذهاب خادمتها معه. خلال أيام أُقيم المؤتمر العلمي وجاء دور جوزيف ليقدم ما لديه، وبينما يتحدث إذ وقف رجل من الحاضرين وقاطعه فجأة متهما إياه بسرقة أفكار الآخرين! فساد اضطراب كبير بسبب جدالهما حتى اضطر جوزيف إلى التهديد باستخدام سلطته كنبيل لينقذ الموقف، فما كان من الآخر إلا أن هدد برفع دعوة في المحكمة ضده. وفي الوقت الذي وصل به رجال الشرطة إلى العاصمة كانت الدعوة قد رفعت ضد جوزيف، ونتيجة لقائهم بواين اتفقوا على استغلال القضية للتحقيق مع جوزيف، وسلموه البحث الخاص بالمصباح. وهكذا وصل الدليل إلى واين بسلام بعد أن نجح بإقناع زملاء ليون السابقين بفتح القضية والتخطيط معهم للإيقاع بجوزيف أثناء المؤتمر. وأما رين فقد قضت تلك الفترة إما نائمة في المستشفى أو تتجول في المناطق قليلة الازدحام تجنبا لأي لقاءات غير مرغوب فيها، ورغم أنها لم تكن ترد المكوث في المستشفى...لكن ذلك كان أفضل الخيارات المتاحة حتى تُحل القضية. وذات مرة وبينما هي تقف على الجسر مسندة مرفقيها إلى سوره وتحدق بشرود في السماء إذ حضرت نيكيتا وألقت التحية قائلة: سمعت أن المحكمة ستقام غدا، ما دورك فيها؟ وقبل أن تسمع الإجابة قالت مقهقة: لستِ المدعي طبعا، فأنت أكسل من أن تقوم بهذا الدور ـ نظرت لها بطرف عينها وقالت هازئة: على هذه المعلومة توقفت معرفتك!...سأكون الشاهد فحسب ـ همهمت نيكيتا متبرمة: لم تكن بيانكا على علم بهذه التفاصيل أيضا ـ أوه...أرى أنك أصبحت على علاقة جيدة معها ـ علا وجهها ابتسامة مرحة: إنها ممتعة حقا...ليست بذلك النوع من الفتيات المدللات، تبدو لطيفة أمام ألفريدو فقط سكتت برهة ثم أردفت: من كان يتوقع أنه على قيد الحيـ وإذ بها تسكت فجأة وقد سرت في جسد الفتاتين رعشة خفيفة منذ أن استشعرتا أنفاس إنسيّ خلفهما... وبسرعة خاطفة وبدون تفكير التفتتا بتزامن بقبصات مكورة... ونالت اللكمة ممن جعل ذراعيه درعا مخبئا وجهه بها... وما إن رأتاه حتى قالتا بتفاجؤ واستياءٍ باد على محياهما: ليوناردو!! ـ طالعته رين بضيق قائلة: كم مرة أخبرناك ألا تظهر فجأة؟! ـ أتبعت نيكيتا قولها: ستموت على يد أحدنا يوما ـ أشاح بعينيه عنهما قائلا بنبرة لا مبالية: إنها عادة وقاطعه العطاس بغتة، فقالت رين متعجبة: ألم تتحسن نزلة البرد هذه؟! ـ وإذ يظهر تاسيوني متقدما نحوهم قائلا بحنق: لماذا الاستغراب؟! ألست السبب في هذه المشاكل؟! حتى أننا كدنا نفقد المقر بسببك ـ أدارت رين رأسها وكتّفت يداها: ليس ذنبي، اسأل قائدك لماذا وافق على التحالف بان الغيظ على وجهه لكنه سرعان ما ارتخت تعابيره عند رؤية نظرات نيكيتا وهي تنكز رين مشيرة خلفه... التفت فرآى جيوفاني على بُعد خطوات منهم، حينها قالت رين بتهكم: عجبا! لمَ جميعكم هنا؟! ـ ابتسم جيوفاني بسمة جانبية قائلا: هل أفهم أنك تودين فك التحالف؟! ـ أسندت ظهرها إلى السور خلفها قائلة ببرود: لا أهتم ـ وضعت نيكيتا يدها على كتف رين مقتربة منها بابتسامة عريضة: أجل لا أظن أننا بحاجة له، أليس كذلك أيتها الصياد؟! . مالت الشمس نحو المغيب فأسدل الليل ستاره وأخذ الناس ينهون مهامهم قاصدين منازلهم... في تلك الأثناء توقفت عربة أجرة عند مدخل المستشفى، ونزل منها ألفريدو الذي وصل العاصمة منذ ساعات. دخل ألفريدو على الدكتور كاسيلا الذي سُرّ برؤيته وسأله عن حاله وعرض عليه البقاء قليلا، إلا أن ألفريدو أخبره أن عليه إنهاء عمل ما أولا. لم يخفى على الدكتور كاسيلا ما يقصده ألفريدو وناوله سلة مغطاة بقماش أبيض مبتسما: لقد صنعت بيانكا بعض الكعك وتركته، خذه معك في تلك الأثناء وبينما رين تقصد مدخل مقر الإخوة السود إذ رأت روميو يقف في الخارج وبيانكا تجري متجاوزة إياها قائلة: نسيت شيئا هاما ـ لمح روميو رين فقال: حسبتك لن تأت حقا! ـ ردت بتعابير مكدرة: كنت مصرا بشكل مزعج ـ روميو: عُدّيها المرة الأخيرة، قد لا يلتقي الجميع بعد ذلكـ وقاطعه جري بيانكا متجاوزة إياهما، فسألها مستغربا: بهذه السرعة؟! لم تلتفت بيانكا له واستمرت قدما إلى الداخل تحمل السلة وقد تحول وجهها إلى حبة طماطم وتقول بغضب: أحمق أتبعاها نظرهما وقد علا محيهما الدهشة والتساؤل لحظة سمعا خطو أقدام خلفهما فاستدارا ناحية الدرج... وهنا فتحت رين ثغرها من الصدمة تحدق بنظرة شك واستغراب، في حين انعقد لسان روميو واحتار أي تعبير متفاجئ يُظهر وهو يحاول ترتيب الحروف المبعثرة بينما هو يتقدم نحوهما... وأخيرا خرجت كلمة متقطعة بنبرة تنم عن عدم الفهم: ألـ ـفر يدو! تصلب روميو مكانه وعاد ذهنه الشارد إلى الواقع حين استشعر قرب صاحبه منه قائلا بنبرة أسف: أعتذر حقا عمَا سببته من حزن تأمله لثوان وكأنه يأكد أن من أمامه ألفريدو حقا... ترقرقت دمعة في مقلتيه ثم خطا مسرعا يضمه وهو يقول بصوت متهدج: يجب أن تعذر، غبت طويلا كانت رين تحدق به بصمت وذهول وهو يضعه يده على كتف روميو مبتسما وكأنه يقول: قمت بعمل جيد، بينما تمتم هي: أنت لست شبحا إذا؟! ـ التفت ألفريدو ناحيتها وتقدم بضع خطوات قائلا: كيف حالـ ـ إلا أنها سألته بدورها في ذات اللحظة: مهلا...أكنت السبب في إغضاب بيانكا للتو؟! أومأ برأسه بالإيجاب وهو يبتسم مستذكرا ما جرى منذ لحظات مضت... 'حين اصطدمت به أخته بينما تجري عائدة إلى المستشفى، وما قرأه في تعابيرها من ذهول وعدم تصديق بينما تقف لا تحرك ساكنا وقد تسلست الدموع على وجنتيها وهي تررد اسمه بنبرة متسائلة... وإذ بها على حين غرة تنقض عليه ممسكة معطفه تصرخ فيه: أتحسب أني سأرحب بك بعد رحيلك هكذا؟! ـ قال متأسفا: أعتذر بيانكا ـ نظرت له متبرمة وقال باستياء: أتظن أن الاعتذار يجدي؟! وضع يده خلفه رأسها فقربه منه مقبلا جبينها قائلا بابتسامة هادئة: هل هذا جيد؟! تجمدت أطرافها بينما يغلي الدم في عروق وجهها وقد اتسعت نظرتها من الصدمة... إلا أنها سرعان ما ترك معطفه وصرخت به بحرج وهي تستدير: أيها الغبي ـ قهقه مناد عليها: نسيت السلة فالتفت منتزعة إياها منه وجرت دون أن تنظر خلفها كالصاروخ حتى أنها كادت تصطدم بنيكيتا التي أتبعتها بنظرة متعجبة... أكملت نيكيتا سيرها لترى ألفريدو الذي ألقى عليها التحية، فقالت له وهي تضيق عينيها: لذلك كانت بيانكا منزعجة كثيرا ـ طالعها بابتسامة قائلا: وأنت أيضا؟! ـ أشاحت برأسها جانبا وقالت متبرمة: سيكون الجميع كذلك، أنا عرفت عن مرضك صدفة لكنك لم تخبر أحد وذهبت فجأة ساد الصمت لثوان لكنها سرعان ما كسرته بسؤالها عن حاله، ثم وودعته ومضت...' .... وبينما هم يهمون بالدخول إذ خرج الفتية مسرعين بغتة بعد أن عرفوا عن وجوده دافعين كل من روميو ورين جانبا وهم يصرخون ببهجة: ألفريدو!! وأخذوا يسألون عن حاله بقلق فطمأنهم، فقال له أنطونيو: ألم يكن عليك أن ترتاح أكثر؟! ـ أجابه مطمئنا: لا بأس أنا حقا بخير، لو تأخرت سيكون بعضكم قد عادوا إلى منازلهم وبعد قضاء الإخوة السود بعض الوقت الممتع معا في الاحتفال بسعادة ساد الهدوء وهم يغادرون المقر الواحد تلو الآخر... سارت رين محاذاة ألفريدو وتوقفت تهمس له بشك: ما هدفك حقا من القدوم بهذه السرعة؟! ـ أجاب بهدوء: اربحي المحكمة غدا ثم سأخبرك ـ نظرت له بطرف عينها بضيق: لا علاقة لك . ارتفعت الشمس في سماء المدينة، وأخذت الظلال تتقلص حتى ما بقي منها إلا ما تحت موضع القدم... في ذلك الوقت أُقيمت المحكمة وبدأت بطلب القاضي من المدعي التقدم وطرح التهمة التي يوجهها إلى المدعي عليه... فنهض الأستاذٌ الجامعي الذي أثار القضية يوم المؤتمر وقدم تهمته اتجاه المدعي عليه قائلا أنه سرق أبحاث زميلٍ له ومعه من يؤكد على ذلك. وجاء دور جوزيف لدفاع عن نفسه فتكلم ببراعة مدعيا البراءة وهو يطالب خصومه أن يأتوه بإثبات على كلامهم... حينها طلب الأستاذ من القاضي السماح للشاهد بالكلام، فتقدمت رين وأخبرتهم بأن جوزيف جاء إلى ليون وهدده بشكل خفي بعد أيام من تعرض بيتهم للسرقة، ولأنه لم يخضع أرسل رجال له فتعرضوا لهم وقتلوا ليون... وقف جوزيف معترضا على كلام رين مطالبا بدليل يؤكد على أن القتلة هم رجاله... حينها تدخل واين كضابط يُمثل شرطة منطقته، وشرح للقاضي ما حدث في منزل جوزيف من حوادث مريبة وكيف أنهم وجدوا أسلحة كثيرة وكشفوا هويات رجاله متهما جوزيف بالتعامل مع مجرمين مطلوبين للعدالة وإخفاءهم، ووضح أنهم قبضوا على اثنين منهم وقد اعترفوا أنهم سرقوا الأبحاث من منزل ليون وقتلوه لاحقا... وكدليل على كلامه قدم واين بحث المصباح الذي وُجد مع المجرم الذي أراد الهرب به... وهكذا دارت الدائرة على جوزيف فقد اقتنع القاضي بحجج المدعي وفريقه، خاصة عندما تعرف معظم أساتذة الجامعة الحاضرين على البحث الذي قدمه واين ونسبوه إلى ليون... فانتهت الجلسة بخسارة فادحة لجوزيف الذي ثبتت عليه ثلاث تُهم بدل واحدة، سرقة وقتل وتعاملات مشبوهة! وبعدما انفضت المحكمة ذهبت رين إلى حديقة مهجورة في أطراف المدينة وجلست تحت شجرة متشعبة الفروع تتأمل السماء التي مال لونها إلى القرمزي إلا قليلا بينما الشمس تودع هذا الوجه من الأرض راحة إلى وجهها الآخر... وإذ بألفريدو يحضر بعد دقائق حاملا في يده رزمة أوراق واقترب منها مناولا إياها: هذه هي بقية الأبحاث، لم أعرضها على أحدٍ قبلك تأملت رين الأوراق بينما تقلب بينها حين جلس ألفريدو بجانبها قائلا: إذا كنت ما زلت تريدين التخلص من ذلك الاختراع قد نجد الطريقة هنا لفت كلامه انتباهها قائلة باهتمام باد على محياها: كيف؟! ـ أشار ألفريدو إلى جزء في المخطط المرسوم: إذا دققت النظر يمكنك ملاحظة أن هذه القطعة موجودة في كل المخططات، وإذا صدق ظني قد تكون قفلا ـ أدخلت يدها في جيبها مخرجة المولد وهي تقول: هل تعني أنه يحتوي قطعة مثل هذه؟! تناول ألفريدو المولد وأخذ يتفحص زواياه وأطرافه، ليجدا اختلافا بسيطا لا يكاد يدرك في طرفه، فلما ضغط عليه إلى الداخل فُتح الصندوق المعدني وبانت مكونات المولد الداخلية! تبادلا النظرات بشعور مشترك بالإنجاز والحماس...لكن سرعان ما تبدد هذا الإحساس لدى رين وهي تنظر إلى تلك البكرات الدقيقة، واضطربت أنفاسها بين صعود وهبوط وكأنها تواجه رياحا عاتية وهي تحدث نفسها بتوتر: عجبا! أردت تدميره دائما...فلم هذا أشعر بالضيق والتردد الآن؟! أدرك ألفريدو ما يجول في خاطر رين حين لاحظ ارتجاف يدها فسألها مخرجا إياها من عاصفتها الداخلية: ماذا ستفعلين؟! رفعت بصرها إليه، ثم شدت قبضتها ونهضت مع نظرة حسم بانت على محياها بينما تمزق الأبحاث وسط ذهول ألفريدو قائلة: أشعر حقا بالأسف على جهد ليون يُقال أن الذي يسبق زمانه يحكم على نفسه بالإعدام زفرت بعمق مع آخر قصاصة تركتها لنسمات الرياح وأدارت ببصرها إلى المولد القابع أمامها فطرفت عينها وعصفت بها الذكريات متسلسلة في ثانية: يجب أن أكون سعيدة لتخلصي من هذا العبء... لكن...لم أشعر بهذا الضياع؟! أكنت متشبثة بخيط النجاة حتى الآن بسبب هذه القطعة المعدنية؟! أغمضت عينيها وقالت بصوت مستاء متهدج: ما هذا الهراء؟! إنه سبب شقائي، لو لم ينجح هذا البحث لما قُتل حينها ـ نهض ألفريدو وربت على ظهرها قائلا بنبرة مطمئنة: لا بأس...إنه خيارك أنت الآن، فما من ضرر سيقع لو دمرته صمت قليلا ثم تابع مردفا: أتفهم حيرتك...فقد كنت مذهولا عندما استيقظت من الموت بعد أن هيأت نفسي واطمأننت على بيانكا ـ نظرت إليه بعينين أرهقهما الارتباك تسأله: كيف تشجعني على تدمير علم متقدم سيفقده البشر بسبب يدي هاتين؟! ـ ابتسم بدفئ ورفع ببصره نحو السماء الشاسعة: أجل...لولا فضل الله ثم هذا النور الذي جاء في غير مكانه لكنت تحت التراب الآن! ـ إذا... ـ إنها أقدارنا، وإني واثق أنه سيأتي يوم سيصل به آخرون لهذه العلوم في الوقت المناسب كما توصل لها السيد ليون من قبل تنهدت رين بعمق ثم أمسكت بالمولد بإحكام وأخذت تفصل الأجزاء الداخلية عن الهيكل الخارجي مستعينة بسكين، ثم ألقت القطع الصغيرة جانبا، وبحجر وضعته فوقها حطمتها وهي تستمع إلى صوت تكسرها... وهكذا أصبح هيكل المولد صندوقا معدنيا خاليا. 'ذهبنا إلى المستشفى فأخبرتنا بيانكا أن رين لم تعد رغم أن القضية أُغلقت لصالحها، فخرجنا نبحث عنها لنجدها تقف مع ألفريدو تحت شجرة كبيرة، وتحت أقدامهما حطام وبراغي معدنية فأدركت أنه تم تفكيك تلك الأداة... وحين هنأها الرفاق دانتي وميشيل وأنطونيو وسألتُ وبيانكا عن حالها ردت كما تفعل عادة بكلمات مقتضبة، لكن بدت تعابيرها أكثر استرخاءً والتمست في نبرتها هدوءً وراحة لم أعهدها من قبل! ذهب ألفريدو إلى منزله بعد أيام ليرتب شؤونه بينما بقيت بيانكا في المستشفى مؤكدةً على رغبتها في إتمام دراسة التمريض قبل العودة إلى البيت... ورين كذلك رحلت دون ترك رسالة حتى! لم أتعجب من ذلك فهذه طبيعتها... ونحن أيضا سنغادر المدينة بعد أن ودعنا من بقي من أصدقائنا وأقمنا تحالفا دائما مع الذئاب بهدف التسهيل على من يأتي بعدنا، وبرغبة مشتركة في مستقبل أفضل. خطرت رين على بالي فجأة بينما أودع الرفاق... يبدو أنها كانت تتجنب الإندماج معنا ومع غيرنا أيضا منذ البداية، لذا استاءت كثيرا عند تورطنا معها في محنتها... ربما لأنها لم ترد أن تصنع منعطفا في حياتنا... لكن الذي لم تدركه أنها بتجنبها لنا جعلتنا نرغب أكثر بالتعرف عليها! أشعر أن كل ما حدث كان كالحلم! فلست أدري ما كنت سأكون عليه الآن دون لقائها؟! ربما هي لا تعرف ذلك لكني سعدتُ بهذا التغير...وهذا بحد ذاته مثير للدهشة! وما يجعلني غير قلقٍ بخصوصها هو أن منزلها القديم في ذات البلدة التي يقنطها ألفريدو والضابط واين، مع أني لست واثقا إن كانت قصدته مباشرة بالفعل! أتساءل هل سيأتي يوم لا يضطر فيه طفل للإبتعاد عن عائلته، ولا يخشى ذو حقٍ على نفسه، ولا يجور ذو سلطةٍ بجبروته.. أتساءل رغم أني عرفت أن الكذب ارتدى حلة الصدق مع ذلك قد تتحقق هذه الأماني يوما... لم التشاؤم؟! ما زال هناك بعض الصادقين... والله على كل شيء قدير' وإذ يخرجه من شروده هذا نداء كل من بيانكا وميشيل وأنطونيو عليه وهم يستعجلونه، ليقول له دانتي بنبرة استياء: إلى متى ستظل تحدق عندك؟! هيا أسرع ألقى نظرة أخيرة إلى تلك المدينة وسماءها الزرقاء قبل أن يستدير نحو رفاقه ويركب معهم في عربة يقودها الدكتور كاسيلا... ^ الـنـهــــايـة ^ . . . وأخيرا...انتهيت أرجو أن تمتعوني بآرائكم فقد استنزف هذا الفصل كل طاقتي وشكرا على قراءتكم 🔻 كيف رأيتم النهاية؟ بالمناسبة هناك خبر سار في فصل سأتحدث فيه عن بعض الأشياء 🔻 صورة إليانا أول الفصل...ما رأيكم بها وبشخصيتها؟؟ 🔻 زهرة الأَقُونِيطُن زهرة سامة تسمى أيضا: البيش، ملكة السموم، خوذة الشيطان تحمل معنى الكراهية
Noana