'أشرقت شمس يوم جديد دون ألفريدو، وخرج روميو ليخبر الدكتور كاسيلا بما حدث بينما لا زلت مكاني أحدق به بشرود، ثم خطوت نحوه ببطء حتى جثوت على الأرض، كنت أعرف عن مرضه فلم أصدق كذبته حين قال أنه عض لسانه، لكن لم أتوقع أن يذهب سريعا وهو الذي كان بقمة نشاطه أمس، أستهلك جميع قواه بالفعل؟! أخرجت صندوقا معدنيا بحجم الكف من جيبي ووضعته على صدره الخالي من النبض قابضة عليه، شردت بينما أفكر: أمتَّ حقا؟! أنا لم أخبرك عما حدث لليون، لقد قتل بسبب اختراعه هذا... وإذ يوقظني وخز أصاب يدي وانتشرت رعشة بجسدي جعلتني أتركه، وقد تسرب الذعر إلى نفسي حين رأيت شرارة شديدة تلفه منعتني من استعادته... وما إن توقفت حتى أخذته وخرجت دون أن أنظر خلفي' رين انتشر خبر وفاة ألفريدو بين الفتيان كانتشار النار في الهشيم، وتحول بياض الثلج في عيونهم إلى سواد، وكان أسوأهم حالا هو روميو! أجل ذلك الفتى النشيط المتهور لم يعد قادرا على استيعاب الصدمة... ولم يكن وحده فحتى دانتي فوجئ بكلام أنطونيو حول ترشيح روميو للقيادة، وما يخص تحضير الجنازة رغم سماعه الخبر مسبقا! لكنه برد رأسه حين قفز إلى النهر بعد لقاء نيكيتا، ثم طلب منها كتابة رسالة تحدي لروميو. حضر روميو حيث اجتمع الإخوة السود الذين طالبوه بالفوز على دانتي وإلا سوف يطرد! وتلقى منه لكمة طرحته أرضا دون أدنى ردة فعل! فصرخوا فيه بين محفز ومستاء، حتى إذا جاءت بيانكا بغتة قائلة: أخي لن يكون فخورا بك هكذا...أتعرف لم رحل وفي وجهه علامات الرضا؟!...لأنه يثق بك توقف الوقت بالنسبة لروميو وخيل له أن ألفريدو هو من يكلمه، ثم نهض معتذرا من البقية وهم بدورهم طلبوا منه أن يكون القائد رافضين كلمة "لا"، وهكذا بدأوا بجمع المال حتى يغطوا تكاليف الجنازة، وفي اليوم التالي وقبل أن يغلق الكفن ودعوه جميعا للمرة الأخيرة وهم يغنون أغنيتهم. مرت فترة منذ ذاك الحادث الأليم، وها هو السيرك يقام في المدينة، ولتوفير المال اللازم للذهاب عمل روميو في تنظيف بيت مهجور مقابل 22 قطعة، وساعده الآخرون رغم معارضتهم للفكرة في البداية. لكن روميو اضطر لدفع هذا المبلغ ثمنًا لقلادة ميشيل التي أُخذت كتعويض بعد كسره مزهريةً بالخطأ، ومع ذلك قضوا يومًا ممتعًا على السطح يروون قصصًا ورواياتٍ طريفةٍ. وبهذا الموقف أثبت روميو أنه نجح كقائدٍ رغم أن رين لا تزال تنعته بالمندفع! في الوقت الذي كان فيه الإخوة السود يمرحون بسعادة كان الدكتور كاسيلا يعاني من تأنيب الضمير والقلق الشديد بسبب ما حدث بعد وفاة ألفريدو... حيث باغته في القاعة العامة ثلاثة رجال ملثمين وأحاطوا به مشهرين عن سلاح كانوا قد أخفوه! وطلبوا منه كتم سرٍ مهم مهددين إياه بحياة كل من بيانكا وابنة أخته الممرضة "بيا" وبمهنته كذلك. فاضطر للخضوع لهم مجبرا رغم أنه يعرف أن في ذلك خطأ كبير، إلا أنهم لم يتركوه وشأنه عند هذا الحد بل توعدوه بأنهم سيستمرون في مراقبته. . تفرق الأصدقاء بعد يومهم الحافل ومضى كل في طريقه، وحين لم يبقى سوى روميو ورين التي همت بالذهاب عرض عليها روميو السير معا حتى المنزل! أمضيا الدقائق الأولى بصمت قبل أن يقول: في الوقع أردت أن أسأل كيف تعرفتِ ألفريدو؟ ـ صدف أن التقينا في تجمع ثقافي حضره أحد معارفي ليعرض أبحاثه ـ روميو مستفسرا: أكان من النبلاء؟! ـ كلا... سكتت زمنا ثم أردفت: لم تحدثني بهذه الصيغة من قبل! ـ خشيت أن تنزعجي فحتى ألفريدو لم يكلمك هكذا أمامهم عاودا الصمت لكنه لم يطل هذه المرة فقد وصلا مفترق طرق وعلى كل منهما الذهاب، فقال مودعا: شكرا على اليوم...إلى اللقاء ظلت تنظر إليه وهو يبتعد ثم مضت بينما تفكر: حسبته سيسأل حول وضعي مع الذئاب نظرا لما حدث في المخزن في اليوم التالي وبينما رين جالسة على أحد الأسطح تأخذ أنفاسها بعد تنظيف المدخنة الأخيرة لها، إذ جاء دانتي وأنطونيو وألقيا التحية، ثم قال دانتي بعد تأوه وتردد: أظن بعد الأحداث الأخيرة لست أبالي كثيرا بكونك من الذئاب من عدمه ـ انتفض أنطونيو: دانتي ـ دانتي بلا مبالاة: لم أقل خطئا، إنه من هذه المدينة بعد كل شيء ـ نظرت لهما بطرف عينها قائلة ببرود: عن ماذا تتحدثان؟! ـ دانتي: ألست منهم؟! ـ بأي دليل تتكلم؟! ـ دانتي: سمعت روميو يحدث ألفريدو بذلك ـ أنطونيو: تقصد تسمعنا عليه، واتفقنا أن نكتم ذلك ـ تمتمت رين: كان يعرف إذا ـ دانتي: هل ستصدق أنه لم يكن غاضبا! بل كان يحاول إيجاد عذر لك؟! ـ رين بنبرة لا مبالية: لست منهم أصلا، مجرد حلفاء تطلعا إليها بتعجب وتساؤل...فقالت: ألم تسمعا بالصياد؟! ـ صرخ دانتي بانفعال وقلق: انضممت لنا لتوقع بنا! ـ ضحكت رين بشدة قائلة: بل تورطت بكوني عضوا من الإخوة السود قبل أن أخطط لذلك تبادلا نظرات الاستغراب والدهشة فهم لم يروا رين تضحك بهذا الشكل من قبل! في ذلك المساء ذهبت رين بعد انقطاع إلى ذلك المقهى، وقبل أن تدخل إذ بكف ضخمة تطبق على فمها ووجدت أنها تجر رغما عنها ناحية زقاق جانبي. تركها ممسكها فالتفت بكامل جسدها مخرجة السكين لتجد أنه ألبرت صاحب المقهى! فقالت باستياء شديد: هذا أنت! لم فعلت هذا؟! وإذ يخرج إعلانا ورقيا رافعا إياه بمحاذاة وجهها، فاكتست ملامحها بالذعر وقالت: هذا...أنا؟! ـ أومأ ألبرت برأسه: أعطيت لنا قبل أسبوع مقابل الكثير ـ حاولت تصنع الهدوء وسألت: إذا ستسلمني لهم؟! ـ ابتسم قائلا: هناك من بدأ البحث عنك وينتظر قدومك هنا رغم محاولتي أن لا ينتشر الإعلان بين عملائنا حفاظا علـ ـ قاطعته رين: على المكافأة ـ أشاح ألبرت بنظره مقهقها: لو كان غيرك لسلمته ـ بانت شدة الصدمة على محياها وسألت: ها لماذا؟! ومنذ متـ وإذ تقاطعها أصوات خطوات وهمهمات رجال تدنو منهم، فأمسك ألبرت بكتفها قائلا: أسرعي بعيدا حدقت رين بوجهه الأربعيني بدهشة بينما تابع هو: الشحرور الأسود لا يناسبه قفص الكناري الملون، هل فهمتِ؟ لم يكن لدى رين خيار سوى الجري تاركة المكان غير مستوعبة ما يحدث، أتبعها ألبرت بنظره بينما تختفي في الظلام وابتسم ابتسامة باهتة قائلا في نفسه: يبدو أنكِ لم تذكري، لكن أنا لم أنس ذلك يوما ومرت به ذكرى يوم مثلج عاصف وهو ملطخ بدمائه منهار أرضا، وبينما وعيه يتلاشى إذ لمح فتاة صغيرة بشعر أسود قصير تقف فوق رأسه وهي تنادي: إنه هنا جاء بقربها شاب ذو شعر أسود وقال متجهما: يبدو أنه ملاحق من حرس الحدود نظرا لصوت الإطلاقـ وأطبق عينيه ولم يسمع شيئا بعدها. استعاد وعيه في غرفة صغيرة ووجد أن جرحه قد ضمد... نهض بهدوء حتى لا يوقظ الفتاة والشاب الذي نام من الحذر جالسا، وضغط على نفسه رغم ألمه وخرج ليجد أنه في عربة. خلال أقل من ساعة وبينما هو يتحرك ببطء إذ أحس بتحركات أحد، فثبت مكانه متخفيا خلف الشجرة حين سمع صوت الشاب يقول: ألم أقل لك أنه سيفعل هذا في النهاية؟! قالت الفتاة التي هي رين: لم يضرك إنقاذه بشيء ـ الشاب: كنت مصرة بشكل مزعج ـ رين: كنت أحسب قصة الجندي الذي مات من أجل البحث عن رفيقه خيالا، لكني صدقتها حين رأيته يخرج من مخبأه ليساعد صاحبه المحتضر رغم الرصاص! ـ وضع الشاب يده على رأسه مبعثرا شعره قائلا باستياء وحزم: وخرجت أثناء الإطلاق أيضا!...لنعد ـ رين: أنت ممل ليون وانتهت الذكرى هنا والتف عائدا إلى عمله ليجد ثلاثة رجال يحيطون به وسأل أحدهم: أين الفتاة؟ ـ قال بتعبير ثابت: وكم ستدفع؟! ـ أخرج الرجل مسدسا في وجهه مهددا: لا تجب على سؤالي بسؤال آخر أشار ألبرت إلى غير الطريق الذي ذهبت منه، فأدار صاحب المسدس حدقة عينه، ليستغل ألبرت هذه الثانية مباغتا إياه ناحرا عنقه، قبل أن تسمع رين التي تجري في الظلام صوت ثلاثة رصاصات استوقفها وذكرها بشيء دفين لم تتبين ملامحه فاستدارت تحدق في تلك العتمة. وبعد جري استمر طويلا انكمشت على نفسها في أحد الأزقة تسترجع أنفاسها بصعوبة متحسسة ذلك الصندوق المعدني الذي في حوزتها، محدثة نفسها: لا أستطيع العودة للبيت الآن، تبا لهذا الاختراع كيف أدمره؟! . مع أول نور للشمس كانت بيانكا في طريقها إلى مقر الإخوة السود، وما أن فتحت الباب حتى بدا على قسماتها نظرة تفاجؤ لرؤيتها رين تغفو في الداخل! فوضعت سلة تحملها بحذر إلا أن رين أدركت وجودها وسألت حتى قبل أن تفرك عينيها: ماذا تصنعين هنا؟! ـ هزت بيانكا كتفيها: هذا السؤال موجه لك! ـ بعثرت رين شعرها ناهضة: لا شيء لم أرغب بالعودة للبيت فحسب ـ كشفت بيانكا غطاء السلة: إذا يجب أن تكوني جائعة، أحضرت بعض الطعام ـ توسعت حدقتيها تعجبا ثم أشاحت بوجهها قائلة: لا،... لكن بطنها أبى إلا أن يكشفها...فاحمرت وجنتاها للحظة! ـ ضحكت بيانكا: لا تتصرفي وكأننا لم نلتقي من قبل، فأنت أول من يشرح لألفريدو شيئا استعصى عليه! ـ تنهدت رين: أنت حقا لا تنسين من يقترب منه بسهولة ـ بيانكا بتذمر: لم يكفيه انشغاله بالكتب حتى انشغل بالتجمع الثقافي...وضعت يدها على خدها مردفة: أوه بالمناسبة أأنت هنا بسبب السيد ليون؟! ـ حدقت بها بذهول قبل أن تقهقه قائلة: أوه ذكية، كيف عرفت؟! ـ بيانكا: عندما سألك أخي عنه بعد إبعادي، انفعلتِ أبدت رين نظرة تساؤل فأكملت: لست بصماء إضافة إلى تفهمي لهذا القلق الذي يبعد النوم...لكن ماذا يريدون منك؟! ـ زفرت رين بعمق، ثم ألقت الصندوق بكل أوتيت من قوة مما تسبب بشرارة أنارت المكان بشدة: هذا الاختراع المجنون الذي لم أستطع التخلص منه هدأت الشرارة خلال ثوان وعادت العتمة يرافقها صمت ثقيل. استردت بيانكا أنفاسها المضطربة من الدهشة وقالت: هذا المكان آمن في الوقت الحاضر ـ اعترضت رين: كلا لدي نفس عملهم ـ همهمت بينما تفكر ثم قالت: غالبا ملاحقك من النبلاء، سأطلب من عمتي تبين هويته رغم أني أخبرتها حول بقائي عند الدكتور كاسيلا ـ ضيقت رين نظرتها وسألت بامتعاض: لماذا؟! ـ ابتسمت بيانكا وهمت خارجة: أتسائل! ابقي هنا حتى ترد، وسأجد طريقة حتى لا يشعر الآخرون بالفضول...اتفقنا؟ حدقت رين بالباب وهو يُغلق، ثم جلست ضَامَّة ركبتيها إلى صدرها وتمتمت بضيق باد على محياها: متى عاد بي الحال إلى هذا العجز؟! . عادت بيانكا إلى المقر مساء وتفحصت الوجوه بينما لا تزال عند عتبة الباب فلم تجد رين، فتركته مفتوحا وجرت مسرعة، لاحظ روميو ما علا وجهها من تعابير قلقة فلحق بها مناديا، لحظة اصطدمت بميشيل القادم من الخارج مع دانتي. ـ نهضت بيانكا تنفض ثيابها: عذرا ـ ميشيل: آه لا بأس ـ وصل روميو قائلا: بيانكا ماذا هناك؟! سألت عن رين وخرجت مسرعة! ـ دانتي بتعجب: رين! إنه لا يحضر للمقر كثيرا ـ بيانكا بانفعال: الأمر ليس كذلك هذه المرة وإذ يدخل أنطونيو الممر جريا فكاد يصطدم بهم، فقال دانتي مستهزئا: ما بكم اليوم؟! ـ تكلم أنطونيو بينما يلهث رافعا ورقة بيده: رأيت عدة منها في الشوارع! ـ خطفت بيانكا الورقة منه: إنها رين! ـ روميو باستغراب: أهذا له علاقة ببحثك عنها؟! نظر الثلاثة بتساؤل وقال ميشيل: فتاة؟! ـ بيانكا باستياء: هذا ليس مهما، يجب أن نجدها حالـ...وسكتت ثم أردفت بهدوء: كلا انسوا الأمر ـ ميشيل بتذمر: بعد كل هذا؟! ـ دانتي: لست أهتم بالتفاصيل، لكنها من الإخوة السود وأنتِ أيضا، أليس كذلك روميو؟! رمقوه بتعجب ثم ابتسم أنطونيو: انظروا من يتكلم! ـ رفع دانتي قبضته عليه صارخا بحرج: هيي أنتـ ـ قاطعه روميو قائلا بنبرة جادة: إنه محق...بيانكا ماذا حدث؟! وجدت بيانكا نفسها مضطرة لإخبارهم بما جرى صباحا وطلبت منهم إبقاء الأمر بينهم فقط. لحيظات وباشروا بالبحث فذهب كل من روميو وميشيل يتفحصان حول منزلها حين استشعرا وجود غيرهم، فاختبأا خلف جدار ليسمعا سيدها يقول لرجلين ذوي مظهر مريب طرقا بابه: لم يعد منذ الليلة الماضية وإذ بأحدهما يلتف ويحدق حيث اختبئ روميو وميشيل، فانكمشا خلف الجدار وسحب روميو بيقور الأبيض اتجاهه بينما قلوبهم تخفق بشدة. في ذات اللحظة سأله صاحبه: ما بك؟! أجاب بينما يحرك رأسه للأمام: سمعت شيئا...ربما توهمت وفي زقاق قريب التقى البقية بنيكيتا وتبادلوا نظرات التفاجؤ، لكن وقبل أن تتاح لهم الفرصة لتبادل الأسئلة إذ جاء روميو وميشيل جريا ودفعوا بهم إلى الزاوية على عجل طالبين منهم الهدوء، فحصروا وضاقت أنفاسهم... إلا أنهم كتموها بإرادتهم حين شعروا بقدوم رجلين مريبين يمران بالقرب منهم، يقول أحدهما للآخر: من كان يتوقع أنها تعمل بذاك المكان! لو أننا وصلنا أبكر بقليل لأمسكنا بها أمس ـ هل علينا الاستمرار بالتجول بعد تخلصنا من ذاك الرجل ونشر الإعلان؟! ـ قد نجد ما يدلنا عليها رغم أن فتى اليوم لم يفدنا بشيء جديد وابتعدا في طريقهما فتنفس الفتية صعداء وغادروا قاصدين تحت الجسر، ولما عرفت نيكيتا أنهم يبحثون عن رين أخبرتهم أنها بعدما رأت الإعلان ذهبت للمقر فوجدت نفس الرجلين من السابق يحومان هناك، وأخبرها فيستوني لاحقا أن رين كانت في المقر لكنها خرجت بعد ظهور الغرباء منزعجة وحذرتهم من مواجهتهم بحزم، ولم تلتقي نيكيتا بالآخرين بعد لكنها أخبرت جيوفاني بما جرى. ـ ميشيل: لكن كيف وصلوا مقركم؟! ـ أنطونيو: تكلموا قبل قليل عن فتى! وفجأة قالت نيكيتا وروميو بصوت واحد: أنجيلو! ـ نيكيتا: مستحيل أن يكون غيره يعرف المكان وشى بنا، لكن لم يلاحقونها؟! ـ بيانكا: يريدون سرقة شيء مهم منها ـ تسائل روميو: ما المكان الذي تعمل به؟! ـ نيكيتا: لا أعرف تماما، لكن غالبا هم يعنون مكتبا يقدم المال مقابل إنجاز مهام، قد تقتصر على إيصال رسالة وقد تصل إلى القتل علت قسماتهم الدهشة بينما تمتم دانتي: تعمل هناك؟! ـ أنطونيو: الأهم ماذا إن التقوا بالآخرين؟! ـ نيكيتا: سأحذر الذئاب منهم، لكنـ ـ دانتي بقلق: هذا سيء حقا... صمت يفكر ثم قال: ميشيل اذهب إلى الرفاق وقل لهم أن رين لم تعد من الإخوة السود لأنهـ ـ قاطعه ميشيل: مهلا...لا أستطيع ـ أنطونيو: اذهب أنت معه، ستقنعهم أكثر ـ روميو: بيانكا عودي للبيت، وسنكمل البحث ـ اعترضت بيانكا بعناد: لا ـ أنطونيو: لا بأس سأبحث معكِ خلال ذلك الوقت وفي أحد ممرات السفلية للمدينة جلست رين مسندة ظهرها إلى الجدار تحدق في اللا شيء والأفكار المتضاربة تغزو رأسها، تنهدت بتعب مغمضة عينيها عائدة بذكرياتها إلى أول لحظة رأت فيها ليون: ربما كنت في الرابعة أو أصغر حين تركتني إمرأة بعد موت والداي مع رسالة عند باب بيت كبير من طابقين، فتح شاب أسود الشعر ووقف مدهوشا لثوان، ثم أدخلني وجلس على الأريكة يقرأ الرسالة فتبدلت ملامحه وبان ضيقه بينما يقبض على الورقة. مضت عدة أيام لم أرى فيها سواه في البيت إلا رجلا يعتني بالحديقة إضافة إلى زوجته التي تنظف البيت وتعد الطعام أحيانا، وكان والداه ميتان. كان المنزل هادئا كبيت أشباح، هو لم يحاول التحدث معي حتى! باد لي كشخص بارد لا يظهر مشاعره، غير مبال بما حوله، إلا أنه يركز في دراسته. لكنه مرة أثناء تناول الطعام سألني بشكل مباغت إذا كنت أرغب بالخروج معه! وافقت بالطبع، إلا أنه ذهب إلى المكتبة في النهاية فخاب أملي نوعا ما... غير أن ذلك كان بداية لاندماجنا أكثر، فأصبح يحاول الكلام معي على المائدة ويلقي علي التحية قبل خروجه وعند عودته، وشيئا فشيئا اعتدت على مكاني الجديد، وشعرت أنه ربما بدأ يتقبلني في حياته. مرت الأيام والسنين وأصبحت علاقتنا جيدة نوعا ما إلى درجة ذهابي معه في رحلاته الطويلة بعربته المميزة، فلم يتركني وحدي في البيت أنتظره. كان في تلك الجولات يتبادل أبحاثا علمية مع أشخاص محددين، وأحيانا يشتري بعض ما يفيده من الكتب. ومرة وقعت يده على كتب قديمة عائدة إلى مكتبة الأندلس المحترقة، كانت سببا في بحث من نوع خاص. ازداد اهتمامه بما يسمى بالطاقة الناتجة عن الحركة، وأخذ يبحث عن طرق للاستغلالها وما إلى ذلك، حتى صنع أداة سمها "المولد"، وبعد الكثير من الجهد أصبح جاهزا ينتج ما يسمى بالكهرباء المتحركة بكمية كافية لقتل إنسان. أثناء ذلك عمل أيضا على أبحاث ونماذج ورقية لأجهزة تعمل بالكهرباء، لكنه لم يكن قادرا على إنجاز كل شيء وحده، فاستغل المناسبات المتنوعة لطرح فكرته الأولى المتعلقة بإنتاج الطاقة بغير الطرق التقليدية، دون التطرق إلى نتاج ما وصل إليه، حتى لا يجذب الكثير من الاهتمام غير اللازم. وكانت أموره تسير بسلاسة حتى جاءه مرسول من قبل نبيل باسم "جوزيف" يعرض عليه الدعم مقابل تسخير كل أبحاثه لصالحه. رفضه ليون كما رفض من سبقه، إلا أن هذا النبيل كان مصرا بشكل مريب حتى أنه أتى إلى المنزل ليقنعه! المشكلة أن بيتنا تعرض للسرقة خلال غيابنا وفقدت الأبحاث المتعلقة بنماذج الأجهزة قبل زيارته بأيام! هنا توتر ليون بشكل لم أره من قبل، وأحرق أبحاثه المتعلقة بالمولد بيديه! وأرسل الكتب لصاحب مكتبة تراثية، ثم جهز عدة السفر الضرورية وأخذ المولد، وأخبرني أننا سنذهب على جناح السرعة إلى العاصمة على ظهر الجواد في الليل، فالرجل الذي نتعامل معه خطر ليس لمركزه بل لشخصيته وعلاقاته! مضى اليوم الأول بخير لكن لم نلبث إلا وقد أصبحنا ملاحقين، فقد اكتشف جوزيف أمر خروجنا. كانت ليلة يلفها ظلام دامس وقد أجلسني ليون أمامه لا خلفه، ورغم أصوات الرصاص والرجال الذين يعدون بسلامتنا لو توقفنا لم يأبه لهم واستمر يقود الجواد بأقصى سرعة متخفيا بين الأشجار، حتى أصابت رصاصة الجواد فسقطنا بينما جعل ليون من جسده درعا كي لا أصطدم بالأرض، حينها شعرت بشيء دافئ يقطر علي لأكتشف أن ليون أصيب برصاصتين. توقف عقلي عن التفكير وأنا عالقة تحت ذراعه التي تحيطني، أحاول جاهدة إيقاظه، فتح عينيه قليلا وسألني: أنت بخير؟ أحسست بشيء داخلي يتمزق وصرخت فيه بصوت مكتوم: انظر إلى حالك أولا! ابتسم وهو يحاول الجلوس حين تبين أن ضلعه قد كسر أيضا، ساعدته حتى استند إلى الشجرة التي نحن تحتها. كانت أنفاسه تعلو وتهبط بصعوبة بالغة بينما يقول لي: ـ خذي الحقيبة فيها المولد ورسالة إلى البروفيسور "فليب" واحذري أن يمسكوك قلت له معترضة: ـ تريدني أن أذهب بدونك؟! رد بصوت متقطع: ـ حالي لا تسمح لي بالذهاب أكثر من ذلك، لكني واثق أن السيد فليب سيعتني بك أفضل مني شدتته من ياقته، وبغضب ممزوج بألم ويأس: ـ ليس ذلك أيها الأحمق، صحيح أنك سيء في كل شيء، لكني أريد العيش معك ضحك ضحكة خافتة رغم ألمه وقال وهو يضع رأسي على صدره: ـ صحيح نسيت أنك لا زلت طفلة، رغم أنه شعور غريب لكن أتمنى أن أراك تكبرين قالها وصمت...وبينما أنا أسمع دقات قلبه تتباطأ أحسست بقطرات تسقط علي لأجد نفسي أبكي كذلك. رفع رأسي ونظر في عيني مباشرة ثم ابتسم قائلا: رين...إنهم قادمون، فوزي أنت بهذه اللعبة ودفعني بعيدا عنه وأخرج مسدسا من معطفه، حين أعطيته ظهري وانطلقت أجري أسمع صوت الرصاص ولا ألتف خلفي حتى وصلت العاصمة أخيرا. وبعد بحث ليومين وجدت أن البروفيسور فليب قد مات قبل وصولي بيوم! أصابني يأس عظيم وشعرت بالضياع، لم أعرف أين أذهب وماذا أصنع؟! كل ما أعرفه أن هذا الصندوق المعدني لا يجب أن يقع في أيديهم مهما كلف الأمر. سرت حتى انتهى بي الحال في موقعي هذا وقررت فتح الرسالة التي مات مرسلها ومستلمها، لأجد ما شتت أفكاري وأفقدني صوابي أحاول منع الدموع بلا فائدة تذكر: [ السلام عليكم، أرجو أنك بصحة جيدة سيد فليب، أشكر لك فضلك بعد الله علي، أريد منك إذا وصلتك رسالتي أن تقوم بأحد اثنتين: إما أن تجعل المولد بحثا للجامعة فيستفيد الجميع، أما إذا رأيت أنه خطر فدمره. وأما التي معها الرسالة فأعهدها إليك وأرجو ألا تردني خائبا، فكما تعلم افترق والدي في صغري وتزوجت أمي من رجل آخر، لكن تعرضا لحادث أودى بحياة الزوج مباشرة، وبينما هي تصارع الموت تركت طفلة عهدت بها إلي خوفا عليها من الذين ينتظرون موتها ليسيطروا على الميراث. أظن أنني انزعجت حقا من الأم التي رحلت ولم تذكر ابنها إلا عندما أصبحت بحاجته. وظننت أني لن أفتح قلبي للطفلة لكنـ أرى أنها في النهاية أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي. أرجو منك حقا الاعتناء بـ رين، وأنت أعلم بمتى وكيف تخبرها بما أخفيته عنها، وإذا رأيت ألا تخبرها فلست أمانع. لك كل تحياتي وشكرا] 🔽ماذا كانت توقعاتكم عن ليون وهل أصبتم في ذلك؟؟ صورته أول الفصل
Noana