ليلةٌ هادئةٌ بقمرٍ مكتمل، ويا لها من أجواءٍ جميلةٍ مع غيومٍ تحجب نوره! أو لعل القمر هو من يختبئ خلفها ليترك الأرض تجرب ليلةً من دونه... في ذلك الزقاق الضيق حيث يوجد مقهىً متهالكٌ تحسبه مهجورًا، وقفت رين واضعةً يدها على المقبض تفتح الباب الذي أصدر صريرًا مزعجًا، ودخلت تسير بين الطاولات المتلاصقة التي تعج برجالٍ معظمهم يمتلكون مظاهرَ مريبةً وقد علت أصواتهم وقهقهاتهم! واستمرت بشق طريقها حتى توقفت عند المنضدة الخشبية التي يجلس خلفها صاحب المكان المدعو إلبرت وسحبت كرسيًا مقابله لتجلس، فقال ذلك الأخير بصوته الأجش بينما يسكب كأس ماء: ـ أهلا بالصياد الصغير، أراهن أنك تنوي الصيد الليلة؟! ردت رين باستياءٍ وتذمرٍ: ـ نعم لكن...ما بال تلك الخريطة عديمة الملامح؟! قرب الكأس منها قائلا: ـ أوه هل تريد غيرها؟ رشفت رشفةً ثم نهضت قائلةً: ـ كلا، تدبرت أمري نظرت نحو الإعلان المعلق الذي عليه صورة رجلٍ خمسينيٍّ ذو شاربٍ، وأردفت: ولا تنسَ تجهيز الألف قطعةٍ قبل الفجر أسند رأسه إلى قبضته مقهقهًا: ـ أجئت لتقول هذا؟! أنت واثقٌ من نفسك حقا! أتعرف أن هناك من يحاول منازعتك على صيدك؟ نهضت واستدارت بظهرها بينما تقول بلامبالاةٍ: ـ سنرى إن كان قادرًا ثم خرجت رين وأخذت تسير من شارع إلى آخر حتى توقفت قرب متجرٍ اصطفت قربه عربةٌ يعمل رجل على ملئها بصناديق تحوي أنواعًا من الفاكهة والخضار وغيرها، ولأنه كان قد أنهى التحميل لحظة وصولها رتبت الغطاء القماشيّ وثبتته، ثم صعدت وأخذ هو موقع السائق قائلا: ـ جئت في وقتك، المرة القادمة ستكون الأخيرة تقلبت ملامح رين حتى استقرت على اصطناع التفاجؤ وقالت متظاهرةً بالجهل: ـ هل قمت بخطأٍ ما؟! لماذا تفصلني بعد شهرين فقط من العمل؟! بلهجةٍ روتينيةٍ قال الرجل كأنه معتاد على ترديد هذه الكلمات: ـ لا، لكن لا نوظف لمدةٍ أطول أخفضت رين رأسها متظاهرةً بالرضوخ، وسارت العربة حتى بلغوا منزلًا فخمًا في طرف المدينة فأوقف الرجل العربة، ثم بصمتٍ بدأا بنقل الصناديق وإدخالها إلى المخزن عن طريق بضع درجات تحت الأرض بعد أن فتح البواب لهم وتحقق من هويتهم. وعندما أكملوا نقل الصناديق تظاهرت رين أنها فقدت محفظتها وطلبت الإذن للدخول إلى المخزن متحججةً باحتمالية سقوطها في أحد الصناديق، فسمح لها صاحب العربة أن تفعل ريثما يكمل حديثه مع البواب. كان في المخزن باب داخلي خلفه ممرٌ متصلٌ بالمطبخ، وهناك رجلان يعملان على نقل محتويات الصناديق، وبينما هما مشغولان تسللت رين إلى الممر... ثم ألقت نظرةً داخل المطبخ من الباب المفتوح نصفه لتجد أن الطباخ ومساعداه يعملون بينما ظهورهم للباب، فتسللت على رؤوس أصابعها ودخلت تحت الطاولة التي في الوسط بهدوءٍ... وإذ برئيس الطباخين يلتف متوجهًا نحو المنضدة التي تحتها رين، وبيده طبقٌ أطرافه ذات نقوشٍ مميزةٍ، ثم وضعه قائلًا وهو يستدير ليحضر غطاءً له: ـ هذا للسيد ريتشارد لا تفسده أثناء عملية التذوق وما إن أبعد نظره عن الطاولة حتى مدت رين يدها التي تمسك بها زجاجةً صغيرةً من أسفل الطاولة بحذرٍ، وسكبت قطرةً في الطبق ثم أنزلتها مجددًا في أقل من ثلاثين ثانيةٍ، قبل أن يستدير الطباخ ثانيةً! ولما انشغل الجميع، وتأكدت أن الحمالان قد غادرا بعد وضع حمولتهما، خرجت من تحت الطاولة وانطلقت صوب المخزن، ثم دخلته على غفلةٍ من الرجلان، وسارت بحذرٍ حتى اقتربت من الباب الخارجي وتظاهرت بالدخول للتو للبحث عن عرضها! ثم عادت إلى العربة حيث أنهى السائق والبواب حديثهما لحظة قدومها. 'وأخيرًا انتهى الصيد... هذه هي المرة الأخيرة في القدوم لهذا المكان، فذاك المدعو ريتشارد صاحب أكثر صفقات القتل وبيع الأطفال سيموت قبل أن يدق جرس الثانية عشر! شهران من المراقبة والمتابعة، حتى أني سافرت لشراء السم من البلدة. ولست قلقةً حتى لو تذوق أحدٌ الطعام فلن يكتشفوا شيئًا، وهم الذين يتذوقون لقمةً من الطرف الأيسر دائمًا' رين ... مساء اليوم التالي وعندما كانت الشمس في طريقها نحو الطرف الآخر من الأرض، كان روميو يشق طريقه بين الأزقة والشوارع الضيقة يبغي الذهاب إلى المقر، وصدف أن رأى رين آخر الشارع عند تقاطع طرقٍ، فتقدم ينوي إلقاء التحية، لكنه تراجع إلى الخلف واختبأ خلف الجدار يسترق النظر حال ما تناهى إلى سمعه صوت تاسيوني يصرخ غاضبًا: ـ الأمر واضحٌ، لقد رأيته يلقي التحية على دانتي هذا الصباح! تنهدت نيكيتا قائلةً بينما تحرك يدها بمحاذة وجهها، تحاول تخفيف حدة الموقف: ـ هذا لا يعني خيانة رين، فمن الطبيعي أن يلقي دانتي عليه التحية ظنًا منه أنه يشاركه الحال ذاته بانفعالٍ رد ساخرًا: ـ إذا ألا يجب عليكَ أن تبلغنا بما عرفته عنهم ها؟! رمقتْه رين بحدةٍ وبنبرةٍ مستعليةٍ: ـ تلقي أوامرك على من؟! يبدو أنك نسيت أني لا أعقد اتفاقاتٍ مع أمثالك هاج تاسيوني وخطا نحوها مجهزًا قبضته صارخًا: ـ أيها الحقيـ أمسك ليوناردو بكتفه من الخلف، فأدار تاسيوني بصره ليحرك ليوناردو رأسه يمنةً ويسرةً موصلًا رسالةً مفادها: توقف! قال ليو القصير الذي وقف بعيدًا بصوتٍ مرتعدٍ: ـ لنوقف هذا الآن هتفت نيكيتا بتأييد مؤكدةً: ـ أجل لنذهب كانت الصدمة تعلو محيا روميو مما يسمعه منذ وقف في الزاوية، فقد جحظت عيناه واصفر ووجهه، وسرعان ما وجد نفسه يجري عائدًا من حيث أتى، وقد تضاربت الأفكار في عقله وتلاعبت به كما تتلاطم الأمواج وتلهو بالقوارب! وفي ذات الثانية غادر كل من رين ونيكيتا وليو، تاركين تاسيوني يصر على أسنانه ويضغط على قبضته من الغيظ وهو يراهم يغادرون، بينما يقول له ليوناردو الذي أسند ظهره للجدار: ـ انسَ الأمر، فحتى جيوفاني لا يلقي عليه الأوامر! بسخطٍ بادٍ على محياه قال مستهزئًا: ـ إذا يخوننا كما يشاء؟! ـ لا، ولو حدث هذا للاحظ هو أو نيكيتا قبلك تأفأف مستاءً: ـ من أين أتانا هذا أصلًا؟! صمت ليوناردو وأخفض رأسه مشيحًا بنظره بعيدًا كأنما وجه السؤال له أو أنه المتهم، واستعاد ذكرى حدثت قبل سنتين تقريبًا... 'رأيتها ملقاةً تحت الجدار فوق الثلج الأبيض شاحبة الوجه وقد ازرقت شفتيها، بينما كنت عائدًا إلى ما يُقال أنه المنزل، في ليلةٍ عاصفةٍ ذات بردٍ قارصٍ، ورياحٍ شديدةٍ كادت تجعل معطفي عديم الفائدة. يا له من مشهدٍ يدعو للأسى... لكن قد رأيت مثله الكثير من قبل... فهممت بالرحيل لحظةَ انبثق من شفتيها بصعوبةٍ وبُطءٍ كلمة "دمره" وهي تغمض عينيها النصف مفتوحة، وتشد بقبضتها المرتعشة على صندوقٍ صغيرٍ، فوجدت نفسي في النهاية أحملها معي إلى البيت! لكن وبمجرد أن استعادت وعيها في اليوم التالي حتى قامت مذعورةً تسألني بحدةٍ عن صندوقها محكم الإغلاق! ولم تلبث ساعةً حتى صارت واقفة عند عتبة الباب تهم بالذهاب بعد أن قالت بينما تسترق النظر نحوي: ـ سأرد ذلك يومًا مضى شهرين أو أكثر ونسيت الأمر تمامًا حتى جاء اليوم الذي حاصرني فيه أربعٌ من فتية العصابات، وبغتةً سقطت ألواحٌ خشبيةٌ حالت بيني وبين اثنين، فاستغللت ذهول الباقين وتملصتُ منهم بعد اشتباكٍ قصير. وعندما خرجت من ذاك الزقاق رأيت فتىً مألوفًا، أدركت أنه ذات الفتاة التي التقيتها قبل شهرين بسبب قولها: ـ أظنني أديت ما علي في تلك اللحظة أتى الرفاق مسرعين يسألون عما حدث، فاستدارت الفتاة قاصدةً الرحيل، لتوقفها نيكيتا باستفسارٍ مُشبعٍ بالارتياب: ـ لحظة...أأنتَ من ألقى الألواح؟! التفت بجانبها تطالعها قائلةً ببرودٍ: ـ وماذا في ذلك؟! بدا عليها شيءٌ من الارتباك: ـ لستَ منهم؟! ـ كلا وإذ بجيوفاني الذي كان يحدق بها بعينين ضيقةٍ يعرض عليها الانضمام بلا أي مقدماتٍ! ودون أن يهتز لها جفنٌ رفضت مباشرةً مع أن موقفها هو الأضعف بوضوح!! وأخذت تهمهم فجأةً بينما تلمس ذقنها بأصابعها، قبل أن تهتف: ـ حلفاء... أليس هذا أفضل؟! صرخ تاسيوني مستهجننًا: ـ أتسخر منا؟ ماذا تحسب نفسك؟! بهدوءٍ مرفقٍ بابتسامةٍ واثقةٍ: ـ سأوْقِع لكم بالذين مروا من قبل ما رأيكم؟! الصدمة هي أن جيوفاني وافق دون نقاش! وهذا ما جعل الجميع عاجزين عن الكلام. ولم تمر فترةٌ حتى أثبتت كلامها بالأفعال، وأصبحت أعداد الذين يقعون في شباكها بازدياد! حتى صارت تعرف بين ضحاياها بـ الصياد.' ... بعد أن قضى الإخوة السود بعض الوقت معًا في المقر ها هم الآن يغادرون الواحد تلو الآخر، باستثناء ألفريدو وروميو الذي كان هادئًا على غير العادة بينما حيوانه "بيقورو" يعبث برأسه، كان دانتي وأنطونيو آخر من خرج بعد أن ودعا رفيقاهما. ولما أطبقا الباب خلفهما سمعا ألفريدو يسأل روميو بنبرةٍ قلقةٍ: ـ ما الأمر؟ لست على طبيعتك! تجنب روميو النظر لرفيقه مشيحًا رأسه مترددًا في الكلام، ثم رفع بصره قليلًا متنهدًا قبل أن يقول: ـ أتظن أن بيننا خائنًا أو جاسوسًا؟! قبل سماع دانتي وأنطونيو اللذان ألصقا أذنيهما بالباب لهذا كان كلاهما يوشك على الرحيل... في حين تطلع ألفريدو مستفهمًا فتابع روميو حديثه: ـ رأيت الذئاب اليوم وسمعت تاسيوني يتهم رين بالخيانة، لذا أتسائل مع من هو؟! ما إن أتم جملته حتى اقتحم دانتي الغرفة صارخًا بانفعال: ـ ماذا سمعت؟! بينما أنطونيو يمسك بكتفه من خلفه يحاول تهدئته. وذُهِل الجالسون من هذا الدخول المباغت! قلب ألفريدو بصره بين الداخلان وبين روميو الذي يحاول إخفاء اضطرابه وقال بلهجةٍ حاسمةٍ: ـ لم يخبرنا من قبل بشيءٍ يتعلق بالذئاب، ويبدو أنه لم يخبر الذئاب عنا، ولعل هذا سبب اتهامهم له بالخيانة لذا لنكتفي بمراقبته، ونخفي ذاك عن البقية حتى نجد ما يدينه أو يعترف هو بنفسه أراد دانتي الاعتراض: ـ لكنـ قاطعه ألفريدو بابتسامة هادئة: ـ كدت أفاتحه بالموضوع من قبل التفت إليه الجميع منتفضين وقد بانت الصدمة على محياهم، وسأله روميو: ـ أكنت تشك بعلاقته بالذئاب؟! ـ ألم تكن مترددًا لأنك كنت تخشى ذلك أيضًا؟! جحظت عيناه، ثم نظر إلى الأرض قائلًا: ـ أجل، ظننت أن النجاة وحيدًا في مثل هذه الظروف أمرٌ غريبٌ! لكن لم أرد التخيل أنه مع مثل أولئك الفتيان، فحاولت إبعاد هذه الأفكار...لكنـ فتح كل من دانتي وأنطونيو ثغورهما تعجبًا وحدقا به باستغرابٍ، في حين علت ابتسامة صغيرة وجه ألفريدو وقال: ـ أنت تراه كشخصٍ جيدٍ؟ وأعتقد أنه كذلك لذا لنعطه فرصةً...اتفقنا لم يتكلم أحدٌ واكتفوا بالإيماء قبل أن يغادروا بصمتٍ. ... في ذات الساعة كانت رين جالسة إلى منضدةٍ في ذاك المقهى الضيق المتهالك، تلقب بين يديها مجموعةً من الإعلانات تنظر محتواها، حتى توقفت عند أحدها قد جذب اهتمامها، فها هي صورة ألفريدو مع فتاة تشبهه مطبوعةٌ عليه! بشرودٍ تمتمت: ـ إنه مختلفٌ عن الذي صدر منذ أشهرٍ! وإذ بإلبرت مدير المقهى يقول بعد أن عاد خلف المضدة وبيده طبق تقديم فارغ: ـ أجل، ويبدو أنهم يعدون بمكافأة أكبر لمن يجد هذان الطفلان هذه المرة! هل تود سماع السبب؟! رفعت بصرها نحوه بحدةٍ: ـ لا قهقه بينما يقول: ـ إنها معلومة مجانية...حسنا لرئيس عائلة المارتنيز المتوفى أخٌ وأختٌ، ويبدو أن كلًا منهما يبحث عن الأطفال لكن في الإعلان الأول اتهِم الفتى بإشعال الحريق أما الثاني لا كما ترى. هل تود إنجاز هذه المهمة رغم أنك جمعت الكثير مؤخرًا يا فتى؟! همهمت بينما تحدق بالإعلان: ـ ربما ... خلال الأيام التالية حضر الكثير من النبلاء إلى العاصمة للاحتفال بزفاف الأمير، وامتلأت الفنادق ذات الحراسة بهم، وحدث أن عمل روميو في أحدها، ورأى هناك بيانكا أخت ألفريدو التي أخبره عنها ذات مرةٍ، لكنها هربت من الفندق! بحث هو وألفريدو عنها لكن سبق وتمت إعادتها إلى الفندق، فأخبر ألفريدو روميو والإخوة السود بأنه من عائلةٍ نبيلةٍ وقد قتل عمه مارسيو أباه واتهمه بذلك، وهو يسعى للحصول على إرث عائلة المارتنيز والذي هو ميداليةٌ بحوزته، ليكون دليلًا على كونه من العائلة أمام الملك. وقد قبض العم على بيانكا وجعلها رهينة حتى يستدرج أخاها، وكاد أن يقع في الفخ بسبب خوفه على الآخرين! لكن روميو أخبره أنه هكذا سيقوم بما أراد عمه تمامًا، لذا سيتولى الإخوة السود هذه المهمة وينقذون بيانكا. وتمت عملية التسلل إلى الفندق بعد شغل الحرس، لكن مارسيو سمع حديث روميو وبيانكا بينما كان يفك قيدها وعرف مكان ألفريدو، فقيدهما وذهب إليه يقصد قتله! ولولا أن فاجأه صوت موكب الملك الذي مر بالجوار لأصاب ألفريدو الذي دفعه وجرى مختفيًا بين الجموع، وصدف أن رأت نيكيتا ذاك فضللت مارسيو! بينما تمكن دانتي وأنطونيو وميشيل من تحرير بيانكا وروميو وذهبوا إلى صاحبهم ليلتقي الأخوان أخيرًا بعد غياب طويل. لكن سعادتهم لم تتم فقد سعل ألفريدو دمًا وانهار فجأةً! وعلى الفور نُقل إلى الدكتور كاسيلا الذي بدا عليه الأسى وهو يفحصه، ووافق على طلب ألفريدو بإبقاء بيانكا عنده. ... لم يطل ألفريدو البقاء في المستشفى وذهب بصحبة أخته إلى المقر، وعندما وصل رأى رين تقف عند المدخل، فطلب من أخته دخول الشق لتحتمي من المطر، ثم سأل رين بعد إلقاء التحية: ـ أحدث شيءٌ للسيد ليون؟ بانت الصدمة على محيا رين وقالت بينما تبعد نظرها عنه: ـ ألهذا أبعدت بيانكا؟! ثم أردفت بنبرةٍ منخفضةٍ: ـ حسنًا لقد مات أبدى ألفريدو أسفه بقوله: ـ أعتذر لقد كان عالِمًا رائعًا رغم صغر سنه صرت رين على أسنانها وشدت قبضتها، وقالت بانفعال: ـ هذا ما جنى عليه، لو أنه لم ينبش بتلك الكتب القديمة لمـ وسكتت دون أن تكمل كلامها مشيحةً برأسها! نظر لها ألفريدو متعجبًا لكنه لم يعلق بشيء. وبعد ثوانٍ من الصمت ابتسم قائلًا: ـ أظن أننا تأخرنا تحت المطر...لندخل وفي الداخل هلل الرفاق عندما أخبرهم أنه بخير ورحبوا بأخته العنيدة بيانكا، رغم أنه بإحضارها كسر أحد وعودهم. ثم أخبرهم بنيتهما في التسلل إلى حفلة العشاء ليكشف جرم عمه أمام الحاكم، ورغم أنها مخاطرةٌ لا ضمان لنتائجها قرر الإخوة السود مساعدتهما. ... 'حدث شيءٌ غير متوقع في الليلة التي تفصلنا عن تنفيذ المخطط بينما أنا في طريقي للبيت، فقد التقى جيوفاني بألفريدو لحسمِ الأمر بينهما! في البداية تجنب ألفريدو هجمات جيوفاني بل وسدد لكمة له، لكن سرعان تم طرحه أرضًا، وهنا أحسست بشيءٍ من القلق لعلمي أن ألفريدو ليس في أحسن حالاته. وصدق حدسي فقد ضاق نفسه وبدأ بالسعال، مما دفع جيوفاني لتركه مستاءً من كونه ينازل مريضًا، وانتهى لقاؤهما بوعدٍ من ألفريدو بإكمال ذلك لاحقًا. وفي اليوم التالي حضرتُ مبكرًا إلى نقطة تجمعنا، ليس لاهتمامي الشديد بل لأنه لا شيء لدي لأفعله. وتأخر ألفريدو فذهب راعوا المشاكل الأربعة للبحث عنه، وعاد كل من دانتي وأنطونيو خالي الوفاض، فوقع في نفسي الشك وذهبت غير مباليةٍ بنداءهم. وجدت نفسي أنطلق غريزيًا إلى المخزن القديم تحت الجسر، وصدقت ظنوني فقد أخره الذئاب ودون علم جيوفاني غالبا. وكان تاسيوني وآخرون يلاحقون روميو الذي قفز فجأةً من نافذةٍ مكسورةٍ بجانب بابٍ مقفلٍ حُبس ألفريدو خلفه! وحسب علمي فالأرض على بعد طابقين على الأقل! وما دار في علقي حقًا: _إنه متهورٌ حد الجنون! خرجت من المخزن وقصدت مدخله الآخر فالتقيت ألفريدو خارجًا منه، وما إن لمحني حتى وضع كفيه على كلاتا كتفي يقول باضطربٍ شديدٍ: ـ رين أرجوكِ...أعرف أنه طلبٌ أنانٌي، لكنـ روميو ساعدني بفتح الباب وهو الآن وحده ضد الذئاب نظرت في عينيه القلقة ثم أبعدت يديه عني وتجاوزته بينما أقول: ـ حسنا اذهب فحسب، الجميع بإنتظارك' رين ولجت رين إلى الداخل وقبل أن تلف مقبض الباب الذي يفصلها عن الفتية سمعت نيكيتا تقول موجهةً كلامها لجيوفاني: ـ إنه نفس المرض الذي قتل والدك وبعد صمتٍ دام لثوانٍ طلب روميو تأجيل القتال ليتمكن من اللحاق بألفريدو ويساعده في إثبات حقه. حل الصمت ثانيةً قبل أن تسمع جيوفاني يعرض عليه التحالف ليومٍ واحدٍ! تفاجأت رين بعض الشيء لكنها لم تُطل الشرود، وفتحت عليهم الباب قائلةً بوجه خالٍ من الملامح مما تسبب للجميع بصدمةٍ جعلتهم عاجزين عن الكلام: ـ يبدو أنه لم يكن هناك حاجة لي اتبعوني أعرف طريقًا مختصرًا إلى القصر ... في ذات الوقت كان الإخوة السود قد نجحوا في دخول الساحة الخلفية للقصر. وإذ بأحد رجال مارسيو يظهر بغتةً أمام ألفريدو الذي كان ينوي فحص المنطقة مشهرًا سكينًا كادت تهوي عليه، لولا ظهور جيوفاني الذي أطاح به بركلة في منتصف وجهه في اللحظة المناسبة! وبعد توضيح الوضع أرشدتهم نيكيتا إلى سردابٍ أسفل برجٍ متصلٍ بممرٍ يؤدي إلى القصر، فسُئلت عن كيفية معرفتها لذلك، فقالت بينما تغمز لرين: ـ لدي معارف يعرفون أكثر مما ينبغي! وإذ يحضر في أثرهم خمسة من حراس مارسيو، فتعاونوا على إسقاطهم وحتى روميو وتاسيوني فعلوا! ولما بقي واحدٌ طلب الجميع من ألفريدو الذهاب بصحبة بيانكا وروميو، إضافةً إلى نيكيتا ورين. وبين البرج والممر اعترض بابٌ لا يفتح إلا من الطرف الآخر طريقهم، فخاطر روميو وعبر على حبلٍ معلقٍ بين نافذة البرج وأخرى في الممر! وعلى حين غرةٍ أطلق جنديان عليه النار! ولولا أن ألفريدو نزل إليهما مباغتًا وانتزع السلاح منهما لأصاباه! على الطرف الآخر باغتهم مارسيو ونجح في حصر ألفريدو يوجه إليه البندقية معلنًا أنه لم يعد بحاجةٍ إلى ميدالية ألفريدو فلديه واحدةٌ! وأطلق النار لكن قفز روميو في وجه صاحبه ودفعه ليسقطا معًا للأسفل! فسارعت الفتيات الثلاث للبحث عنهم بقلقٍ، وكانت رين تحدث نفسها باستنكارٍ: _هذا الولد مجنونٌ بحق، يرمي بنفسه دائمًا! والمذهل أنهما كانا بخير لأنهما سقطا فوق الشجيرات! ثم سارعوا بعدها إلى قاعة الإستقبال فباغتهم رجال مارسيو، وعلى إثر الضجة خرج الرجال، ومدت النساء رؤوسهم من قاعتهن، بينما خرجت الكونتيستة إيزبيلا بشالها من بينهن وأمرت الجنود بإخراج الرجال، ثم شكرت الفتية على موقفهم في الماضي قائلةً أن ميشيل أخبرها بالقصة وستساعدهم. وأمام الملك تبين أن ألفريدو يمتلك الميدالية الحقيقة فقد وقع الحاكم السابق عليها على نقيض التي مع مارسيو وتم القبض عليه. ... أما الإخوة السود فقد كانوا يتناقشون حول احتمالية عودة ألفريدو من عدمها بسبب تأخره، مع تمنياتهم له السعادة. وإذ به خلف الباب فعلت الابتسامات وجوههم، ثم ساروا معًا حتى بلغوا مفترق طرقٍ، وقبل أن يذهب كلٌ إلى بيته وضع ألفريدو قبضته على صدره كرمزٍ لعلاقتهم كما فعلوا هم. ثم سار ألفريدو بذات الطريق مع روميو ورين حتى المستشفى، وضمّ أخته بيانكا مودعًا إياها عند المدخل. وبعد خطوات همت رين بالذهاب فطلب منها بصيغة تأنيثٍ البقاء على مرأى من روميو الذي أحس أنه يجهل ما يدور بين الإثنين، فظل صامتًا. وجلس ثلاثتهم في القاعة العامة بهدوءٍ ظاهري، وهم داخليًا تائهون في أفكارهم... وإذ بروميو يقترح عليهم زيارته مع بيانكا في قريته عند قدوم الربيع، فابتسم ألفريدو قائلًا: ـ أتمنى ذلك لكن قد لا أكبر سرت رعشةٌ بجسد رين وأطرقت رأسها بذهول، واستاء روميو بشدةٍ رافضًا لفكرة عدم تحقيق أحلامهما معًا... فكابر ألفريدو على نفسه، ونهض وضعًا قبضته على صدره، فلما رأى روميو ذلك بادله الابتسامة ووقف مواجهه فاعلًا مثله... إلا أن قوى ألفريدو سرعان ما خانته فسقط على روميو الذي أمسك رأسه بين يديه خائفًا، وقامت رين من مقعدها وقد اعتراها قلقٌ واضحٌ لا غبار عليه... وبينما يتنفس ألفريدو بصعوبةٍ بالغةٍ قال بصوتٍ مرتجفٍ يدل على إرهاقٍ شديدٍ: ـ رين اهتمي بنفسك روميو حقق أحلامنا التيـ واهتم ببيانكا ثم أغمض جفونه التي أخفت زرقة عينيه آخذةً معها بريقها وتماسك روميو الذي قال بينما يرتعش بصوتٍ متهدجٍ: ـ ألفريدو لم تكمل كلامك...أحلامنا ماذا؟ وأخيرًا انسكبت الدموع من عينيه عندما لم يصل لأذنيه أي ردٍّ... وتجمدت رين على هيئتها لم تحرك ساكنًا، والدموع آخذةٌ في التدفق من زرقاويها مرورًا بوجنتيها دون أي تغيرٌ في تعابير وجهها الذي علته الصدمة. 🔽هل توقعت أن يصل عمل رين في الصيد إلى التصفية بهذا الشكل؟! (أعني ريتشارد) 🔽لو كنت مكان روميو أو دانتي وأنطونيو حين عرفوا ما يريب بشأن رين كيف ستكون ردة فعلك؟؟ وشكرا لكل من قرأ وترك أثرا يحفزنا🍒🍁
Noana