ظل الهاتف على الأرض، بينما بقيت ليان تحدق فيه وكأن الصوت الذي سمعته قبل لحظات ما زال يتردد بين جدران الغرفة.
"إذا فتحتي الرسائل... فاعلمي أن حياتك لن تبقى كما كانت."
أغلقت عينيها بقوة.
هل كان الأمر مجرد مزحة؟
أم أن هناك من يعلم فعلًا بوجود الصندوق؟
نظرت نحو باب غرفتها.
كان مغلقًا.
ثم نحو النافذة.
الستائر تتحرك ببطء مع نسيم الليل، لكنها شعرت وكأن أحدًا يقف في الخارج يراقبها.
اقتربت بحذر، وأبعدت الستارة قليلًا.
الشارع كان خاليًا، إلا من عمود إنارة يرسل ضوءًا باهتًا على الأرصفة المبللة بالمطر.
عادت إلى سريرها، وسحبت الصندوق الخشبي نحوها.
مررت أصابعها فوق الرسائل المرتبة بعناية، ثم أخذت الأولى.
كانت مختلفة عن بقية الرسائل.
على ظرفها كتب والدها بخطه المعتاد:
"اقرئي هذه الرسالة وحدك... ولا تسمحي لأحد أن يراها."
تنفست بعمق.
ثم فتحت الظرف.
كانت الورقة قديمة، لكن الخط واضح، وكأنه كُتب بالأمس.
«ابنتي ليان...
إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن القدر سبقني، ولم أستطع أن أشرح لك كل شيء.
أول ما أطلبه منك هو أن تثقي بي، حتى وإن وجدتِ أشياء ستجعلك تشكين في كل ما عرفته عني.
قد تسمعين عني كلامًا كثيرًا، وقد ترين صورًا ووثائق ستجعلك تعتقدين أنني كنت أخدعك...
لكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير.
هناك أشخاص سيحاولون الوصول إليك، ليس لأنهم يهتمون بك، بل لأنهم يظنون أنك تملكين شيئًا أبحثوا عنه منذ سنوات.
وهم لا يعلمون... أنني أخفيته في مكان لن يتوقعه أحد.»
توقفت ليان عن القراءة.
اتسعت عيناها.
"شيئًا؟"
ما الذي أخفاه والدها؟
ولماذا يبحث عنه أشخاص غرباء؟
أكملت القراءة.
«لا تبحثي عن الإجابات بسرعة.
ابدئي بالشخص الوحيد الذي كان يعرفني قبل أن أتزوج.
ستجدين اسمه داخل الصورة القديمة.»
رفعت ليان الصورة بسرعة.
قلبتها مرة أخرى.
هذه المرة، لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه سابقًا.
في الزاوية السفلية للصورة، كُتب بخط صغير يكاد لا يُرى:
"يوسف..."
ترددت.
الاسم لم يكن مألوفًا لها.
حاولت أن تتذكر إن كان والدها قد ذكره يومًا، لكنها لم تتذكر شيئًا.
وفجأة...
سمعت صوت محرك سيارة يتوقف أمام المنزل.
ثم صوت باب يُغلق.
تبعه وقع خطوات بطيئة.
اقتربت الخطوات من باب البيت.
ثم...
طرق... طرق... طرق...
ثلاث طرقات هادئة.
لكنها كانت كافية لتجمد الدم في عروقها.
نظرت إلى الساعة.
كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.
من يزورهم في هذا الوقت؟
حبست أنفاسها.
عاد الطرق من جديد.
لكن هذه المرة، صاح رجل من خلف الباب بصوت منخفض:
"ليان... أعرف أنك في الداخل."
تسارعت دقات قلبها.
كيف يعرف اسمها؟
ومن يكون؟
ثم قال الجملة التي جعلت يديها ترتجفان:
"أنا يوسف... وصديق والدك."
Ghazal Al-Saqr