✦ الجزء العاشر: ما تبقّى من مرام ✦
لم أعد أعرف إن كنتُ أتنفس أم لا.
كل شيء حولي أبيض،
أبيض إلى حدٍّ يوجِع العين… ويُخفي المعنى.
لا جدران، لا نوافذ، لا أبواب.
فقط فراغ واسع، يشبه الصمت الذي يلي الصرخة مباشرة.
كنتُ مستلقية،
أشعر بالبرد يتسلل إلى عظامي كأصابعٍ خفية تبحث عن شيءٍ دفنته منذ زمن.
أردت أن أتحرك… لكن جسدي لم يستجب.
كأنني لم أعد أملك جسدًا.
ثم سمعت الصوت —
همسًا في البداية، ثم أوضح، أقرب، حتى صار كأن أحدهم يتحدث من داخل رأسي:
"انتهى الطقس، يا مرام…"
"لكن اللعنة لا تعرف النهاية."
فتحتُ عينيّ — أو هكذا ظننت.
ورأيت ظلالًا تتشكل من العدم.
وجوه مألوفة، تتبدّد قبل أن أتعرف عليها.
كلّها تنظر إليّ،
كأنها تنتظر أن أتكلم.
مددتُ يدي،
لكنها لم تكن يدي.
كانت يدًا شاحبة، تتخللها شقوق من الضوء الأحمر،
وكأن الدم ما زال يتحرك فيها ببطء، ينبض من تلقاء نفسه.
>"هل أنا… ميتة؟"
سألتُ بصوتٍ بالكاد خرج.
فأجابني الصدى من كل اتجاه:
"الموت رحمةٌ لا تُمنح لمن كسر الدائرة."
في تلك اللحظة، بدأت الأرض تهتزّ تحتي،
وانفتحت فجوة صغيرة في الفراغ الأبيض،
انسكب منها ضوء داكن،
لونٌ لا يمكن تسميته، ليس أسود ولا أحمر، بل مزيج من كليهما… لون الدم حين يبرد.
رأيت انعكاسي في ذلك الضوء —
لكن ما رأيته لم يكن أنا.
كانت هي… تلك التي من المرايا.
نفس الابتسامة، نفس العيون التي تشبه هاوية لا قاع لها.
"أكملتِ ما بدأتهِ، مرام… والآن، علينا أن نتبدّل."
حاولت الصراخ، لكن الصوت لم يخرج.
الضوء ابتلعني تدريجيًا،
حتى لم يبقَ مني سوى العينين.
ومن بين الظلال، خرجت يدها،
لمست وجهي برفق، ثم همست:
"اللعنة لا تموت… هي فقط تغيّر شكلها."
ثم انطفأ كل شيء.
...
حين عاد الضوء،
كنت أجلس على كرسي خشبي داخل غرفةٍ غريبة.
جدرانها مغطاة بالمرايا من جديد،
لكن هذه المرة، الانعكاسات لم تكن لي.
في كل مرآة وجهٌ مختلف:
طفل يبكي، امرأة تصرخ، رجل يبتسم وهو يطعن شيئًا غير مرئي.
كلهم ينظرون نحوي.
وفوق الطاولة أمامي،
دفتر قديم، مغطى بالغبار والرماد.
على غلافه كُتب بخطٍّ متشققٍ يشبه الجرح:
«أحرف من دم وصمت» <
تأليف: هناء بوراس
امتدت يدي إليه، وفتحت الصفحة الأولى،
كانت الكتابة باللون الأحمر،
والكلمات بدأت تتغير أمام عينيّ،
حتى لم يبقَ سوى سطرٍ واحدٍ يلمع ببطءٍ كأنّه يُكتب في تلك اللحظة:
"إذا وصلت إلى هنا… فاللعنة الآن تعرف اسمك."
...
سقط القلم من يدي.
رفعت رأسي نحو المرآة المقابلة،
فرأيت فيها وجهًا لم أرَه من قبل —
وجهك أنت، أيها القارئ.
---
🕯️ النهاية… أم البداية؟
---
سطور تائهة