✦ الجزء الثامن: منزل الرماد ✦
لم أعد أعرف كم مرّ من الوقت منذ الليلة الأخيرة.
الأيام تختلط ببعضها كما تختلط الأحلام بالكوابيس.
كل صباح أستيقظ في مكانٍ مختلف، لكن شيئًا في الجو يخبرني أنني لم أغادر بعد.
المدينة أصبحت رمادية.
السماء بلا لون، والوجوه بلا ظلّ.
حتى ضوء الشمس يبدو خافتًا، كأنه يخاف أن يلمس الأرض.
في إحدى الأزقّة الضيقة، وجدتُ منزلًا صغيرًا لم أره من قبل، رغم أنني مررت من هنا عشرات المرات.
كان مغطى بطبقةٍ من الرماد، حتى إن الريح لم تجرؤ على تحريكه.
بابه الخشبي مائل، ونوافذه مغلقة بخشبٍ محترق.
لكن ما شدّني إليه هو رائحة… رائحة تشبه تلك التي شممتها يوم كنت طفلة، حين احترق بيتنا القديم.
تقدّمت ببطءٍ،
كل خطوة كانت تُصدر صوتًا خافتًا، وكأن الأرض نفسها تتحسس قدومي.
دفعت الباب، فانفتح بلا مقاومة، كأنّه كان ينتظرني منذ زمن.
الداخل مظلم، لكن الضوء الذي يتسلّل من الشقوق يلمع فوق الرماد المتراكم، فيجعله يشبه بحرًا من الفضة الباهتة.
في منتصف الغرفة الأولى، كانت هناك أرجوحة صغيرة…
تتأرجح وحدها.
جلستُ على الأرض، والغبار يتطاير حولي مثل أرواحٍ صغيرة تبحث عن مخرج.
على الجدار، كانت هناك لوحة نصف محترقة — صورة عائلة.
أب، وأم، وطفلة.
ابتسمت الطفلة في الصورة، ثم — أمام عيني — تحركت شفتاها ببطءٍ وهمست:
“عدتِ أخيرًا…”
تراجعتُ خطوة، وقلبي ينبض بعنف.
الرماد بدأ يتحرك تحت قدميّ، وكأنه حيّ.
تشكلت منه دوائر، تتسع وتدور ببطءٍ، ثم ارتفع منها بخارٌ رماديّ أخذ يرسم صورًا في الهواء.
رأيت نفسي هناك.
صغيرة، أركض في فناءٍ غارقٍ بالنار، أصرخ باسم أحدهم.
كانت أمي عند الباب، ممددة على الأرض، والدخان يغطي وجهها.
حاولتُ الوصول إليها، لكن رماد الأرض التصق بقدميّ، ومنعني من التقدم.
صرختُ.
لكن الصوت لم يخرج.
فجأة انطفأت الصورة، وساد الصمت.
ثم انفتحت الباب الخلفي ببطء، وصوتٌ غريب قال لي من الداخل:
“ما احترق لم يكن البيت… بل الذاكرة.”
دخلتُ.
الدهليز طويل، جدرانه رمادية تمامًا، كأن النار لم تُطفأ بعد.
وعلى الجدار، كتبت جملة واحدة بالدم:
“من لم يحترق… لا يتطهّر.”
كانت هناك غرفة في نهاية الممر.
حين فتحتها، شعرت بدفءٍ غريب يملأ المكان.
في وسط الغرفة، كانت هناك امرأة تجلس وظهرها نحوي، تمشّط شعرها أمام مرآة قديمة.
اقتربتُ بخطًى مترددة.
كلما تقدّمت، تغيّر صوت الريح حولي.
وحين همستُ:
“أمي؟”
توقفت المرأة عن الحركة.
رفعت رأسها ببطءٍ نحو المرآة،
وانعكاسها كان لي.
لكن وجهها كان مغطى بطبقةٍ من الرماد،
وعيناها كانتا تتوهجان بلونٍ أحمر كالجمر.
“أنتِ من بدأتِ النار يا مرام…”
“والآن، عليكِ أن تُكمليها.”
عندها، اشتعل البيت كله.
لكن النار لم تؤذِني — كانت باردة، تلتهم الجدران دون أن تحرقها.
في وسط اللهيب، بدأت الوجوه تظهر من الرماد، تناديني بأسماءٍ لا أعرفها.
كلهم كانوا ينتظرون شيئًا…
انتظارًا يشبه الصلاة.
حينها أدركت الحقيقة البسيطة المرعبة:
هذا لم يكن منزلًا.
كان قبورهم.
---
في الصباح، وجدت نفسي على قارعة الطريق، مغطاة بطبقةٍ رقيقة من الرماد.
لا أثر للبيت، ولا للنار، ولا لأيّ شيء.
لكن على راحة يدي، ظهر رمز جديد —
دائرة صغيرة تتوسطها نقطة حمراء.
وحين نظرت إلى السماء، رأيت الرماد يتساقط من بين الغيوم كالمطر…
وأدركت أن الطقس لم ينتهِ بعد.
---
---
سطور تائهة