الدم يتحدث ✨️

الدم يتحدث ✨️

13 0

✦ الجزء التاسع: الدم يتحدث ✦

لم أنم منذ أيام.

كلما أغلقت عينيّ، أسمع همسًا يأتي من عروقي.

كأن شيئًا بداخلي يتنفّس بصوتٍ خافت، يهمس بالكلمات التي لم أجرؤ على قولها يومًا.

بدأ الأمر بقطرةٍ واحدة.

حين غسلتُ يدي، رأيت الدم يخرج من الجرح الصغير في كفّي، لكنّه لم يسقط.

تجمّد في الهواء، ثم انساب على شكل خطوطٍ رفيعة، كأنه يبحث عن طريقٍ خاص به.

رسم دوائر صغيرة فوق المغسلة، ثم كتب جملةً ببطءٍ مرعب:

“الدم لا ينسى.”

ارتجف قلبي.

مددت يدي أمسحه، لكنه التصق بجلدي.

وسمعت الصوت للمرة الأولى،

صوتي… لكنه أقدم، أعمق، يحمل وجعًا يشبه الصدى الذي ظل يلاحقني منذ البداية.

“لقد نادوك، ولبّيتِ…

الآن عليكِ أن تنهي ما بدأتهِ.”

خرجت من البيت وأنا لا أعرف إلى أين أذهب.

كل طريقٍ أسلكه يقودني إلى المكان ذاته:

البيت المهجور…

الذي صار في ذاكرتي أكثر حقيقية من الشوارع حولي.

حين وصلت، كان الباب مفتوحًا.

الرموز القديمة على الجدران كانت تلمع ببطء،

والهواء بارد لدرجةٍ تجعل الأنفاس تتحول إلى بخارٍ أحمر.

في الداخل، كانت المرايا مغطاة بالرماد من جديد،

لكنني شعرت أن شيئًا خلفها يتحرك.

اقتربتُ من إحداها، فبدأت الصورة تتغيّر —

لم أرَ نفسي هذه المرة، بل رأيت صفوفًا من الوجوه.

وجوهٌ بلا لحم،

بعضها ينزف، وبعضها يبتسم،

وكلها تهمس في آنٍ واحد:

“دمكِ هو آخر خيطٍ بيننا وبين الضوء.”

أردت أن أهرب…

لكن الأرض تحت قدميّ بدأت تنزف.

شعرتُ بالدم يصعد من التراب، يلتف حول كاحليّ مثل أفعى،

ثم يتسلق جسدي، دافئًا، حارًّا، حيًّا.

لم أعد قادرة على التنفس.

كل نبضة قلب كانت تحمل نغمةً مختلفة، كأن الدم أصبح آلةً موسيقية للعنة القديمة.

في أذني، كانت الأصوات تختلط ببعضها: صرخات، ضحكات، تراتيل.

فجأة، ظهر أمامي الكرسي الخشبي.

نفس الكرسي الذي رأيته في الرؤى الأولى، حين كانت المرأة تمارس الطقس الأول.

عليه، سكين صدئة ما زالت تقطر بشيءٍ أسود.

سمعت صوتها خلفي — ذلك الصوت نفسه الذي كان يخرج من المرايا.

هادئ، عميق، لا يُناقش:

“اللعنة لا تموت، مرام… إنها تورّث.”

التفتُّ…

فرأيتها.

لم تكن شبحًا هذه المرة، بل جسدًا حقيقيًا — أو هكذا بدا.

وجهها كان يشبه وجهي، لكن عينيها سوداوان بالكامل.

اقتربت مني حتى شعرت بحرارة أنفاسها على وجهي،

ثم أخذت السكين ووضعتها في يدي.

“دمكِ هو البوابة.

إما أن تُغلقيها… أو تُعيدينا كلنا.”

لم أفهم كيف تحركت، أو متى سقطت على الأرض.

لكنني رأيت الدم يتدفق من يدي،

ويتحرك من تلقاء نفسه على الأرضية، يرسم نفس الرموز القديمة التي رأيتها في الأحلام.

الأرواح بدأت تظهر حولي.

أطياف شفافة، نصفها بشر ونصفها رماد.

كلّهم كانوا ينظرون إليّ، ينتظرون شيئًا.

“تحدثي، مرام…”

“اجعلي الدم يتحدث…”

رفعت رأسي،

شعرتُ أن شيئًا في داخلي انكسر،

وصوتي خرج لكن لم يكن صوتي.

كان صوت اللعنة.

“ما وُلد من النار… لا يموت في الظلّ.”

الرموز بدأت تضيء باللون الأحمر.

الأرواح صرخت جميعًا، كأنها تحترق من الداخل.

البيت اهتزّ، المرايا تحطمت، والهواء امتلأ برائحة الحديد.

ثم ساد الصمت.

عندما فتحت عينيّ،

كنت وحيدة في غرفةٍ بيضاء،

ويدي مغطاة بالرموز،

لكنها لم تكن محفورة على الجلد… بل تحت الجلد.

وفوق صدري، كُتبت جملة واحدة بخطٍ أحمر خافت:

“لم ينتهِ بعد.”

---

---

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحرف من دم وصمت

المؤلف سطور تائهة
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة