✦ الجزء السابع: حين يعود الصدى ✦
كان الليل أطول مما ينبغي.
كل شيء ساكن، كأن الهواء نفسه توقف عن التنفس.
منذ خرجت من البيت المهجور، وأنا أشعر أن شيئًا من هناك تبعني، يسير بخطًى خفيفة لا تُسمع، لكنه يترك ظلًّا خلفي لا يشبه ظلي.
في البداية ظننتها مجرد هلاوس…
لكن كلما نظرت إلى المرآة، رأيته هناك — واقفًا، ينتظر أن ألتفت.
كل الطرقات التي أسلكها تعود بي إلى النقطة نفسها، كأن المدينة التهمت نفسها، وتركتني أدور في فمها.
حتى وجوه الناس تغيّرت…
أعينهم خاوية، ملامحهم ساكنة، وكأنهم صور معلّقة في حلمٍ ليس لي.
في الليل، حين يختفي ضوء القمر، تبدأ الأصوات بالهمس.
أصوات تعرف اسمي، تعرف خوفي، تعرف ما أحاول نسيانه.
كان الصدى يعود من أماكن لا جدران فيها، يحمل كلماتي مشوّهة، كأن أحدًا يكررها بعدي ببرودٍ مخيف:
"مرام… هل ظننتِ أنكِ خرجتِ من البيت؟"
أحيانًا، أسمع صوت أمي.
صوتها دافئ، لكنه يأتي من بعيد، كمناداةٍ من داخل بئر.
أتبعه دائمًا…
وكل مرة ينتهي بي الطريق أمام مرآة.
مرآة جديدة لم أرها من قبل.
تظهر فجأة على الجدران، في النوافذ، في زجاج السيارات، وحتى على صفحة الماء في الطريق بعد المطر.
وفي كل مرة، يظهر فيها شيء جديد — صورة، ذكرى، أو وجه منسيّ.
الليلة، رأيت فيها فتاة صغيرة تجلس على الأرض، ترسم دوائر بالرماد وتغني.
كنتُ أعرف تلك الأغنية.
كانت لحنًا كنا نغنيه عندما كنا صغارًا، قبل أن…
قبل أن يختفي الجميع.
اقتربتُ منها، لكن الزجاج بدأ بالاهتزاز، والفتاة رفعت رأسها ببطء.
كانت تشبهني، لكنها لم تكن أنا.
ابتسمت وقالت:
"لقد وعدتِنا يا مرام… وعدتِ أن تُعيدينا."
ثم اختفت، وانفجر الزجاج في وجهي كأمطارٍ من الشظايا.
استيقظتُ على الأرض، يدي تنزف، وعلى الجدار أمامي كتبت كلمتان بدمٍ طازج:
"الطريق انفتح."
من تلك اللحظة، بدأت الأشياء تتغير.
الناس الذين أراهم في النهار يبدون طبيعيين، لكن ظلالهم تسير بعكس اتجاههم.
الأصوات تتكرر بعد أن تتوقف.
وكلما نمت، أجد نفسي في نفس البيت، في نفس الغرفة، أمام نفس المرايا،
كأن اللعنة قررت أن تسكن أحلامي حين لم تجد طريقًا إلى جسدي.
في الليلة الأخيرة من الأسبوع،
سمعتُ صوت خطواتٍ خلف الباب.
رفعت رأسي ببطء، والشمعة الوحيدة التي تضيء غرفتي بدأت تنطفئ،
ورأيت ظلالًا كثيرة تنعكس على الحائط — ظلالًا تتحرك بلا أصحاب.
> "انظري جيدًا يا مرام…"
"كل ما تهربين منه… يعيش فيك."
لم أصرخ.
لم أستطع.
فقد بدأت أسمع نفسي أتكلم بصوتٍ آخر،
صوتٍ يشبهني لكنه أبطأ، أعمق، كأن أحدًا يتحدث من داخلي.
"حين يعود الصدى… يبدأ الطقس."
انطفأت الشمعة،
وبقيتُ أرى الضوء الوحيد يأتي من المرايا المحطّمة التي تحيط بي.
كل واحدةٍ منها تُظهر لحظة مختلفة من حياتي،
وكل لحظةٍ تنتهي بالدم.
لم أكن أعلم أن اللعنة لم تكن تُطارِدني…
بل كانت تنتظر أن أتذكرها.
---
--
سطور تائهة