✨ الجزء السادس: مرايا اللعنة ✨
لم أكن أبحث عن بيتٍ مهجور، لكنه هو الذي وجدني.
في أطراف المدينة، عند نهاية الطريق الترابي الذي لا يمر به أحد، كان يقف هناك… كجسدٍ نسي أن يموت.
جدرانه متآكلة، نوافذه عمياء، وأبوابه مفتوحة كأفواهٍ تنتظر البوح.
ترددتُ قبل الدخول.
الهواء كان أثقل من أن يُستنشَق، وكأن شيئًا في المكان يرفض دخولي، أو ربما يرحّب بي بطريقته الخاصة.
دفعتُ الباب ببطءٍ فأنينُه اخترق صدري مثل صرخةٍ قديمة.
منذ اللحظة الأولى، أدركت أنني كنت هنا من قبل.
الروائح مألوفة، الخطوات التي تركها الغبار تحت قدمي تشبه خطواتي القديمة.
على الجدار المتشقق، رأيت مرآةً كبيرة مغطاة بقماشٍ أسودٍ مترب.
اقتربتُ، رفعتُ الغطاء…
وانكمش قلبي.
انعكاسي لم يتحرك.
كان يحدّق بي، بثباتٍ غريب، وكأنه يراقبني منذ زمن.
لكن ملامحه لم تكن تمامًا ملامحي — كانت أكثر شحوبًا، وعينيه أعمق، فيهما ظلّ لم أره من قبل.
مددتُ يدي ألمس السطح البارد،
فشعرتُ بحرارةٍ تلسع أصابعي.
وعلى الزجاج ظهرت كلمات، بخطٍ رفيعٍ أحمر كالدم:
"مرحبًا بكِ مجددًا، يا من لم تكملي الطقس."
تراجعتُ خطوة، فاهتزّ الضوء في الغرفة، وأصدر البيت أنينًا طويلاً كأن جدرانه تتنفس.
من خلفي، سمعتُ حفيف أقدامٍ خفيفة… كأن أحدًا يسير حافيًا على الرماد.
التفتُّ،
فرأيتُ المرايا.
لم تكن واحدة.
كل جدار كان مغطّى بمرايا قديمة مختلفة الشكل، تملؤها طبقات من الغبار والذكريات.
في كلّ واحدة منها، انعكاسٌ مختلف لي
أنا نائمة،
أنا أصرخ،
أنا أبتسم في الظلام…
وأنا أقتل.
صرختُ وأنا أركض نحو الباب، لكنه لم يكن هناك.
كل ما حولي كان مرايا فقط.
مرايا بلا نهاية.
كلّ واحدةٍ تهمس باسمي بصوتٍ مختلف، بعضها ناعم، وبعضها يقطّع الهواء كالنصل.
ثم رأيتُ وجهًا بينهم.
وجه امرأةٍ بشعرٍ أسود طويل، جلدها رماديّ، وابتسامتها ثابتة كتمثالٍ منحوتٍ من الكوابيس.
مدّت يدها من داخل الزجاج، أصابعها كانت تشبه أصابعي تمامًا.
لمستُ السطح مجددًا، فاختفى الحاجز بيننا —
ودفعة واحدة، اجتاحتني الصور.
رأيتُها في زمنٍ آخر…
تجلس وسط دائرةٍ من الرماد، تحيط بها شموعٌ مطفأة ووجوهٌ بلا ملامح.
كانت تردد كلماتٍ بلغةٍ لم أفهمها،
ثم غرست سكينًا في راحة يدها،
فسال الدم على الأرض، ورسم رمزًا يشبه تمامًا ما على جلدي الآن.
تسارعت أنفاسي.
تلك المرأة… كانت أنا.
لكن كيف؟
متى؟
ولماذا أشعر أن كل ما يحدث الآن هو عقاب على خطيئةٍ نسيت أني ارتكبتها؟
"لم تكملي الطقس، مرام…"
"اللعنة ما زالت تنتظر دمك ليكتمل الطريق."
انهارت المرايا حولي فجأة، وتناثر الزجاج في كل اتجاه.
لكنه لم يسقط على الأرض — بقي معلقًا في الهواء، يعكس وجهي ألف مرة.
وفي كل انعكاس، كنتُ أراه يقف خلفي،
ينظر إليّ بابتسامةٍ هادئة،
قبل أن يهمس بصوتٍ غائرٍ كالموت:
“لن تنجو هذه المرة.”
---
---
سطور تائهة