كان الليل ساكناً… بشكل مخيف.
الأشجار العالية تتمايل ببطء تحت همسات الرياح، وكأنها تحاول تحذير من يمر بينها. لكن المرأة لم تكن تملك رفاهية التوقف أو الاستماع. كانت تركض… تتعثر… ثم تنهض مجدداً.
يدها ترتجف وهي تضغط على بطنها المنتفخ.
"اصبري… أرجوكِ… اصبري قليلاً…" همست بصوت متقطع، وكأنها تخاطب الجنين داخلها.
خلفها، كانت أصوات الأقدام تقترب.
رجالٌ لا يرحمون.
تم استئجارهم… فقط لإنهاء حياتها.
لمجرد أنها حملت.
لمجرد أنها وثقت بالشخص الخطأ.
انزلقت قدمها وسقطت على الأرض الرطبة، فصرخت ألماً. حاولت النهوض بسرعة، لكن الألم في جسدها كان يزداد. الدماء بدأت تظهر على ملابسها.
"لا… ليس الآن…"
رفعت رأسها، وعيناها امتلأتا بالخوف.
كانوا قريبين جداً.
حينها… رأت شيئاً.
كهفاً مظلماً بين الصخور.
بدون تفكير، زحفت نحوه، ودخلت بصعوبة. كان المكان بارداً، رطباً، ومظلماً بشكل يكاد يبتلع الضوء.
لكنها لم تتردد.
ببطء… جلست على الأرض.
ثم… اتخذت قرارها.
مدّت يدها المرتجفة، وجرحت كفّها بحجر حاد.
تدفّق الدم.
بدأت ترسم دائرة غريبة على الأرض، خطوط متشابكة، رموز غير مفهومة… وكأنها تعرفها منذ زمن.
بدأت تتمتم بكلمات… لغة ليست بشرية.
صوتها كان ضعيفاً في البداية… ثم أصبح أعمق… أقوى… وكأن شيئاً يتحدث من خلالها.
الهواء داخل الكهف تغيّر.
الظلام أصبح أثقل.
ثم…
ظهر.
ظلٌ ضخم، يتشكل ببطء أمامها.
عينان حمراوان تلمعان في العتمة.
صوت عميق، بارد… لكنه مليء بالقوة:
"من تجرأ على استدعائي؟"
رفعت المرأة رأسها، رغم ضعفها، ونظرت إليه مباشرة.
"أنا… أطلب صفقة…"
صمتٌ ثقيل ملأ المكان.
ثم اقترب الظل أكثر.
"وما الذي تملكين لتقدميه؟"
ابتسمت ابتسامة متعبة، ودموعها تختلط بالدماء على وجهها.
"خذ جسدي… خذ حياتي… لكن… دع ابنتي تعيش… احمِها… وربّها… وعندما تكبر… أخبرها بالحقيقة…"
ساد الصمت.
للحظة… بدت الكلمات وكأنها تذوب في الظلام.
لكن الكيان لم يرد مباشرة.
بل… ضحك.
ضحكة منخفضة، مرعبة… لكنها تحمل شيئاً مختلفاً.
"عرض مثير… لكن… ممل."
اتسعت عينا المرأة.
"م… ماذا؟"
اقترب أكثر، حتى أصبحت ملامحه أوضح… مهيبة… مخيفة… لكن جذابة بطريقة غير طبيعية.
"لدي عرض أفضل."
مد يده نحوها… دون أن يلمسها.
"كوني لي."
تجمّدت.
"زوجتي… وليس مجرد تضحية."
اتسعت عيناها أكثر.
"وسأجعل من يحاولون قتلك… يركعون أمامك."
"لن تموتي… ولن تموت ابنتك."
"بل… ستعيشان كملكات."
ترددت للحظة.
لكن صرخة ألم خرجت منها فجأة.
الوقت انتهى.
نظرت إلى الظلام أمامها… ثم إلى بطنها.
وأغلقت عينيها.
"…أوافق."
في اللحظة التالية—
انفجرت طاقة مظلمة داخل الكهف.
الرموز توهّجت باللون الأحمر.
الهواء اهتز.
وشعرت المرأة بشيء يدخل جسدها… قوة غريبة… مخيفة… لكنها دافئة بشكل غير متوقع.
صرخت…
لكن هذه المرة—
لم تكن صرخة ألم فقط.
بل… بداية تحوّل.
---
في الخارج…
وصل الرجال إلى مدخل الكهف.
توقفوا.
نظروا إلى بعضهم بتوتر.
"هل دخلت هنا؟"
"نعم…"
لكن قبل أن يتحركوا—
خرج صوت من الداخل.
خطوات بطيئة.
ثابتة.
ظهرت المرأة.
لكن…
لم تعد كما كانت.
عيناها أصبحتا مختلفتين… تحملان وهجاً غريباً.
الدماء توقفت.
وجسدها… لم يعد ضعيفاً.
خلفها… وقف ذلك الكيان.
ينظر إليهم.
ابتسم.
في لحظة—
سقط أحد الرجال على ركبتيه… دون أن يعرف لماذا.
ثم الآخر.
ثم الجميع.
الخوف سيطر عليهم بالكامل.
صوت الكيان تردّد في عقولهم:
"اركعوا… أمام ملكتكم."
---
مرت الليلة.
وجاءت لحظة الولادة.
صرخات… ألم… دموع…
ثم—
صوت بكاء طفلة.
حياة جديدة… وُلدت من الظلام.
حملتها الأم بين يديها، وعيناها مليئتان بشيء غريب…
حب.
وخوف.
وقوة.
نظر الكيان إلى الطفلة… ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
"هذه… ستكون مختلفة."
اقترب… ووضع يده فوق رأسها.
"ابنتنا."
---
بعد سنوات…
في قلب المدينة…
أكبر شركة في العالم.
رجلٌ يقف أمام ناطحة سحاب، بابتسامة هادئة، وبدلة أنيقة.
لا أحد يعلم حقيقته.
وفي الأعلى…
تقف امرأة تنظر من النافذة، وعيناها تحملان نفس الوهج القديم.
وبجانبها…
طفلة صغيرة.
هادئة.
لكن عينيها…
تحملان شيئاً أعمق من عمرها.
شيئاً… لن يبقى مخفياً طويلاً.
يتبع…