"مجمع "أستريوس".. حيث يبدأ العدّ من جديد"
خلف حدود ٱركيديان المحترقة، وفي عمق بلدٍ آمن يسمى "سولاريس"، امتدت آلاف الخيام البيضاء مثل حقول من القطن تحت سماء صافية أخيراً. لم تكن الشمس هنا تخذل أحداً، بل كانت تشرق لتكشف وجوهاً جاءت من كل فجٍّ عميق، يحمل كل منها قطعة من حطام وطنه.
في زاوية هادئة من مخيم "أستريوس"، كانت آيلا تجلس أمام خيمتها. لم تعد تحمل الدلو المضيء؛ فقد انطفأ سائل الكبريت بمجرد وصولها، لكنها كانت تحتضن "سجل الأسماء" وتضع بجانبها فردة حذاء اخيها جومين. كانت تنظر إلى الأفق حين اقترب منها فتى يحمل بيده ساعة محطمة بلا عقارب.
"هل هذا الكتاب للقصص؟" سألها لوكاس بابتسامة باهتة، وهو يجلس على العشب الجاف بجانبها.
أجابت آيلا وهي تفتح له صفحة فارغة: "لا، هذا الكتاب لنكتب فيه أننا وصلنا. أنا آيلا من إريدو."
رد الفتى: "وأنا لوكاس.. هربتُ من آلات بيلا الصامتة، والآن أبحث عن صوتٍ لا يشبه طنين الموت."
لم يمضِ وقت طويل حتى مرّ بهما أوليون، وكان يمسك بيد الطفلة الصغيرة التي أنقذها من الأنفاق. كانت الطفلة تحمل "حقيبتها الحمراء"، لكنها هذه المرة لم تكن ترتجف. توقف أوليون أمام آيلا ولوكاس، وأخرج من جيبه شيئاً مذهلاً.. كانت "شتلة الورد" التي نمت قليلاً وأخرجت ورقة خضراء حقيقية.
قال أوليون بصوتٍ عميق: "تحتاج هذه الوردة لمكان لا يصله الرماد. هل تعتقدون أن تربة هذا المخيم صالحة للحياة؟"
في تلك الأثناء، كانت سيلا، الممرضة التي عبرت الجسر، تمر بين الخيام وهي تحمل الطفل الذي أنقذته من الغرق. توقفت حين رأت تجمع الأطفال. نظرت إلى الشتلة الخضراء، ثم إلى سجل آيلا، وشعرت لأول مرة أن رئتيها امتلأت بهواء نقي.
قالت سيلا وهي تمسح على رأس الطفل: "الحياة لا تحتاج لتربة مثالية، تحتاج فقط لقلوب ترفض الموت. أنا سيلا، وهذا الصغير هو صدى الغرقى الذي لم يبتلعه الموج."
أخيراً، انضم إليهم إلياس، الفتى الذي أطلق الطائرة الورقية فوق الجبال. كان ينظر للسماء ويضحك بخفة.
"أتعرفون؟" قال إلياس وهو يشير للطائرات الحقيقية التي تسقط المعونات فوق المخيم: "الطائرة الورقية كانت تحمل بذور جدي، وأعتقد أن الرياح أتت بنا جميعاً إلى هنا لنزرع أنفسنا من جديد."
اجتمع الأبطال الخمسة في دائرة واحدة؛ آيلا بكتابها، لوكاس بذكريات ساعته، أوليون بوردته الناجية، سيلا بطفلها الصامت، وإلياس بأحلامه المعلقة في السماء.
خلفهم، كان الجندي كاسبر يراقبهم من بعيد بابتسامة رضا، وهو يسند ظهره إلى شاحنة الإغاثة. لقد أدى مهمته، وجمع الأرواح المبعثرة تحت سقف واحد.
في تلك الليلة، داخل مخيم "أستريوس"، لم تكن ٱركيديان سوى جرح في الذاكرة، بينما كان المكان يضج بأصوات غريبة وجميلة؛ لم تكن أصوات
قذائف أو هدير مياه، بل كانت أصوات أطفال يتفقون على تسمية الفصل القادم من حياتهم: "المدن التي تصالحنا مع شمسها".
تمت....
بقلم / هبة نبيل
Heba Nabil