القصة الخامسة

القصة الخامسة

17 0

"إلياس.. أشرعة الرماد في الفراغ"

أنا إلياس، وكنتُ أظن أن الجبال هي أوفى الأصدقاء، فهي التي تحمينا وتجعلنا قريبين من النجوم في مدينة "أوكس". لكن في الحرب، حتى الجبال خانت صمتها وبدأت تتفتت تحت وطأة القصف اللعين، لتتحول قممنا الشامخة إلى أكوام من الحجارة النازفة.

هربتُ وسط الزحام، أحمل فوق كتفي جرة فخارية ثقيلة، وصية جدي الأخيرة. كان يقول لي وهو يلفها بقطعة قماش قديمة: "هذه الجرة يا إلياس هي عهدنا مع الأرض. لا تفتحها إلا إذا شعرتَ أن العالم قد انتهى، ففي جوفها بذور من زمن الصفاء.. زمنٍ كانت فيه السماء تعتذر لنا بالمطر إذا غابت الشمس."

في "ممرات الملح" الوعرة، حدث انزلاق للتربة. سقطتُ في وادٍ سحيق يغطيه ضباب رمادي كثيف، وانفصلتُ عن قافلة الناجين. ناديتُ: "يا ناس! هل من أحد يسمعني؟" لكن الجبل رد عليّ بصدى صوتي الخائف، وكأنه يسخر من وحدتي.

بينما كنتُ أزحف وسط الرماد، رأيتُ شيئاً ملوناً لا ينتمي لهذا الموت. كانت طائرة ورقية ممزقة، تعلقت خيوطها بأغصان شجرة محترقة. وبجانبها، كان يجلس طفل صغير يرتدي نظارات مكسورة بجهة واحدة، يحاول لمس ورقها الممزق بأصابع مرتعشة.

"لماذا تبكي؟" سألتُه وأنا أجلس بتعب بجانبه. "إنها مجرد طائرة ورقية، والعالم ينهار من حولنا."

نظر إليّ بنظرة جعلتني أشعر بالصغر. "أمي قالت لي إن الطائرات الورقية هي رسائل الفقراء للسماء. كنتُ أحاول إرسال رسالة لوالدي الذي ذهب خلف تلك الجبال ولم يعد."

ساد صمت طويل، قطعه صوت الريح التي تصفر في الوادي. قلتُ له بحزن: "لن تطير مجدداً يا صغيري. الهواء هنا مسموم وثقيل، لا يحمل الورق بل يحمل الموت فقط."

أجابني والدمع تحرق وجنتيه: "إذا لم تطر، كيف سيعرف والدي أنني ما زلتُ أنتظر؟ كيف سيعرف العالم أننا هنا تحت هذا الركام؟"

هنا تذكرتُ جرة جدي. "ربما انتهى العالم فعلاً،" فكرتُ في نفسي. فتحتُ الجرة، وفاحت منها رائحة أرضٍ قديمة لم يمسسها البارود. كانت مليئة ببذور زهور برية وأشجار لوز.

"اسمعني جيداً،" قلتُ للطفل وأنا أمسك يده. "سنصلح هذه الطائرة معاً. لن نضع فيها ورقاً فقط، بل سنضع فيها هذه البذور. ستحمل طائرتك الحياة، وكلما سقطت بذور في مكان ما، ستخبر الأرض أننا مررنا من هنا."

استخدمتُ قطعاً من وشاحي الصوفي لأربط البذور داخل ثنايا الطائرة، وأعدنا وصل الخيوط المقطوعة. وقفنا على حافة المنحدر، والريح تلطم وجوهنا. "الآن!" صرختُ.

قذفنا الطائرة في الفضاء. بدأت تتأرجح، تصارع الضباب الرمادي، ثم فجأة.. التقطتها نسمة هواء قوية ورفعتها عالياً، لتصبح نقطة ملونة تشق بحر الظلام.

وبينما كنا نراقبها، سمعنا هديراً قوياً. لم يكن قصفاً، بل كانت مروحية إنقاذ تتبع مسار تلك النقطة الملونة الغريبة التي اخترقت الدخان. هبطت المروحية بالقرب منا، وخرج منها مسعفون يلوحون لنا.

"لقد رأينا طائرتكم!" صاح أحدهم. "لم نكن نعلم أن أحداً نجا في هذا الوادي."

حملونا لداخل المروحية. وبينما كنا نرتفع، نظرتُ من النافذة للأسفل. لم أرَ الطائرة، لكنني كنتُ أبتسم. التفتُّ للطفل وقلت له: "لقد وصلت رسالتك يا بطل، وبذور جدي ستجد بيتاً جديداً."

أمسك الطفل بيدي وقال: "إلياس.. هل تعتقد أن السماء ستصبح زرقاء مرة أخرى؟"

نظرتُ للأفق البعيد، حيث بدأ ضوء الفجر يلوح بوهجٍ خجول، وقلت: "ما دمنا نملك القدرة على الطيران وسط الرماد، فالسماء ستعود لنا حتماً، لا تقلق يا صغيري يوما ما سنعود ربما في ظروف أفضل من هذه."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مدن خذلتها الشمس ( مجموعة قصصية)

المؤلف Heba Nabil
2026/04/25 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة