القصة الرابعة

القصة الرابعة

14 0

"أوليون.. حارس الأنفاق والصدى"

في مدينة "سيليون"، توقفنا عن عدّ الأيام، فالسماء لم تعد تأتي بغير "النار السائلة"؛ تلك القذائف الكيميائية التي تحرق الحجر قبل البشر. كان المهرب الوحيد هو النزول لأسفل، نحو أنفاق المترو القديمة التي تحولت إلى عروق أرضية تسكنها الأشباح الحية.

أنا أوليون، في العاشرة من عمري، لكن المرآة تخبرني أنني عجوز؛ فوجهي مغطى بسخام الأنفاق وعيناي نسيت شكل السحب. وظيفتي هي "جامع الصدى"؛ أمشي في الممرات التي لا يجرؤ أحد على دخولها لأجمع بقايا الحياة.

كنتُ أسير في نفق "محطة القنصلية" المهجور، وكشافي اليدوي يرتجف نوره مثل قلبٍ خائف. فجأة، سمعتُ صوتاً.. لم يكن صدى حجر يسقط، بل كان نشيجاً مكتوماً. وجهتُ الضوء نحو زاوية محطمة، فرأيتُ حقيبة ظهر حمراء، وبجانبها طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة، تحتضن دبدوباً محشواً صار لونه رمادياً من كثرة الغبار.

"من أنتِ؟" همستُ وأنا أقترب بحذر. "وكيف وصلتِ إلى هنا؟ هذا النفق مات منذ زمن."

لم تنظر إليّ، بل تمسكت بحقيبتها بقوة أكبر وقالت بصوت متقطع يشبه صفير الريح: "أمي قالت.. انتظري هنا. قالت إن الوحوش لا تحب الظلام، ولن تلحق بكِ للأسفل."

شعرتُ بغصة في حلقي. اقتربتُ أكثر وجثوتُ على ركبتي أمامها. "أنا أوليون. والوحوش فعلاً لا تحب الظلام، لكنها تحب الدخان، وهذا الدخان بدأ يتسلل من فتحات التهوية. يجب أن نرحل."

"إلى أين؟" سألتني وهي ترفع عينيها المليئتين بالدموع. "هل يوجد مكان ليس فيه وحوش؟"

"يوجد مكان فيه هواء حقيقي، لا يحرق الصدر عند التنفس،" أجبتها بيقين لم أكن أملكه. "اركبي فوق ظهري، وتمسكي بقميصي جيداً."

حملتُها، وكان جسدها خفيفاً كأنه مصنوع من الورق. ركضتُ بها عبر الممرات المتآكلة، بينما كانت هي تهمس في أذني: "أوليون.. هل ستضيع حقيبتي؟ فيها كنزنا الأخير."

"لن تضيع، سأحميها كما سأحميكِ،" قلتُ لها وأنا أصارع التعب.

كنتُ أتبع "خيط الصدى"، تلك الأصوات البعيدة للمسعفين الذين يطرقون على جدران الأنفاق ليخبرونا أن هناك مخرجاً. صعدتُ سلالم حديدية صدئة حتى كدتُ أفقد أنفاسي، وفجأة.. انفتحت البوابة.

خرجنا لسطح الأرض. غطيتُ عيني بيدي؛ فالضوء كان جارحاً بعد شهور من العتمة. كانت الشمس باهتة خلف سحب الدخان، لكنها كانت أعظم مشهد رأيته في حياتي. وضعتُ الطفلة في سيارة الإغاثة، وقبل أن يتحركوا، فتحت حقيبتها الحمراء.. لم يكن فيها ذهب، بل كانت تخبئ "شتلة ورد" خضراء في علبة صفيح صغيرة.

"انظر يا أوليون،" قالت بابتسامة باهتة. "لقد حافظتُ عليها من الاشباح."

نظرتُ للجندي وقلت بصوتٍ مرتجف من التأثر: "لقد جلبنا الحياة من تحت الأنقاض.. أرجوكم، لا تدعوا هذه الورود تذبل كما ذبلت مدينتنا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مدن خذلتها الشمس ( مجموعة قصصية)

المؤلف Heba Nabil
2026/04/25 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة