"حكاية آيلا ودلو النجوم"
اسمي آيلا، وعمري تسع سنوات. في مدينتي إريدو، لم تعد الشمس تشرق، فالغيوم الكيميائية التي خلفها الأعداء فوق سماء بلدنا ٱركيديان حلت محل الضوء. والآن، أنا لستُ طفلة فحسب، أنا "حارسة النجوم" في دلو صدئ امسكه بيدي.
كنتُ ٱسير وسط الحطام الذي كان يوماً زقاقنا الجميل. الهواء ثقيل ورائحته تشبه احتراق النحاس، لكنني لم أهتم. كنتُ أبحث عنهم. جثوتُ على ركبتي أمام كومة من الحجارة المتفحمة، هناك حيث كان بيتنا. ناديتُ بأعلى صوتي:
"ماما.. بابا.. جومين.. أنا هنا.. أين أنتم؟.
انتظرتُ قليلًا، لكن لم يأتِ رد سوى صوت ريح باردة تمر بين أعمدة الحديد المحروق. حفرتُ بيديّ الصغيرتين حتى تكسرت أظافري، فوجدتُ "فردة" حذاء صغيرة تخص أخي جومين. كانت مغطاة بغبار أبيض ناعم. نفضتُ عنها الغبار ووضعتها في جيبي بكسرة قلب وأنا اقول:
"جومين! إذا كنت تختبئ في الأسفل فهذا ليس عدلاً.. الجو بارد هنا!"
لم يرد أحد. نظرتُ إلى يميني، حيث كانت تقبع قذيفة مكسورة يسيل منها سائل متوهج؛ ضوءٌ غريب سلب الحياة من مدينتنا لكنه صار النور الوحيد هنا. غرفتُ ذلك السائل في دلوي الصدئ، فاشتعل الدلو بوهج برتقالي وسماوي. ثم سحبتُ من تحت الركام كتاباً قديماً، "سجل الأسماء" الذي كتبت فيه أمي تاريخنا.
"أنتم.. أنتم لن تخرجوا، أليس كذلك؟" همستُ للحجارة. أدركتُ حينها أنهم ناموا للأبد تحت ثقل إريدو. احتضنتُ الكتاب ورفعتُ الدلو المضيء، وقررتُ الرحيل. قلتُ للركام: "سآخذ هذا الضوء معي، لكي يعرف الجميع أنكم كنتم هنا.
مشيتُ لساعات وسط الضباب الأسود، حتى وصلتُ إلى حافلة مدرسية مقلوبة على جانبها عند أطراف المدينة. دخلتُ إليها لأحتمي من المطر الأسود بفعل الدخان الذي يملئ السماء. وضعتُ حذاء جومين بجانبي على المقعد المكسور، وفتحتُ الكتاب لأتلمس أسماء عائلتي تحت ضوء الدلو المرتعش. وضحايا الحافلة ممتدين بجانبي بلا حراك
"لا تنطفئ أرجوك.." قلتُ للدلو وأنا أغالب النوم. "ابقَ مستيقظاً من أجل جومين، ومن أجل هؤلاء الذين رحلوا."
وفجأة، اخترق صمت المكان صوتُ وقع أقدام ثقيلة. انبعث ضوء كشاف قوي، وظهر ظل رجل ضخم يرتدي خوذة وجهاز تنفس. تجمدتُ في مكاني وأنا أضم الدلو بقوة:
"لا تأخذه ارجوك، هذا نوري!"
انخفض الرجل لمستواي، وأزاح قناعه لتظهر عينان متعبتان مليئتان بالعطف. قال بصوت عميق:
"لا تخافي يا صغيرة.. أنا الجندي كاسبر، وقد جئتُ لأخرجكِ من هذا الجحيم."
نظر إلى الدلو بتعجب، ثم حملني بذراع واحدة وكأنني ريشة، وأمسك بالدلو في يده الأخرى. بينما كان يمشي بي وسط الخلاء، شعرتُ بدفء معطفه وبدأ جسدي يرتخي.
"إلى أين سنذهب؟" سألتُه بضعف.
أجاب وهو يبتعد بي عن بقايا إريدو: "إلى مكان فيه خبز لا يشبه الرماد.. إلى معسكر اللاجئين خلف الحدود. هناك يا آيلا، لن تضطري لحمل كل هذا وحدكِ بعد الآن."
أغمضتُ عيني وأنا أقبض على حذاء جومين وكتابي، بينما كان ضوء الدلو يشق عتمة ٱركيديان للمرة الأخيرة، معلناً بداية رحلة جديدة نحو شمسٍ لا تخذل أحداً.
Heba Nabil