القصة الثالثة

القصة الثالثة

16 0

"لوكاس.. صدى الآلات في غابة الصمت"

اسمي لوكاس، وكنتُ دائماً أحب الساعات. أحب صوت التروس وهي تتعانق لتخبرنا أن الزمن يمضي. لكن في مدينة "بيلا"، توقف الزمن يوم أن أطلق الأعداء "الآلات الصامتة". هي طائرات صغيرة بلا طيار، لا تصدر صوتاً، لكنها تحصد كل ما يتحرك أسفلها.

أنا الآن لا أحمل ساعات، بل أحمل "صندوق الموسيقى" الخاص بجدتي، وبقايا بوصلة مكسورة. هربتُ إلى "الغابة السوداء" المحيطة بالمدينة، ظناً مني أن الأشجار العالية ستحجبني عن عيون الآلات التي لا تنام.

"اششش.. لا تتنفس بقوة يا لوكاس، إنها تسمع دقات القلب،" همستُ لنفسي وأنا أكاد ألتصق بجذع شجرة بلوط متفحمة.

كانت الغابة مرعبة؛ الأشجار فقدت أوراقها وصارت تشبه هياكل عظمية عملاقة، والضباب الكيميائي يزحف فوق الأرض مثل ثعابين رمادية. وفوقي، بين الأغصان الميتة، كنتُ أسمع أحياناً طنيناً خفيفاً.. كان ذلك صوت الموت وهو يبحث عن فريستة.

بينما كنتُ أحاول عبور ممر ضيق، رأيتُ فتاة صغيرة تجلس القرفصاء بجانب صخرة. كانت تغطي أذنيها بيديها وترتجف. اقتربتُ منها بحذر، وضعتُ يدي على كتفها فقفزت رعباً.

"أنا صديق لا تخافي.. أنا لوكاس،" قلتُ لها بصوت خفيض جداً. "لماذا أنتِ وحدكِ هنا؟"

لم تتكلم، أشارت فقط إلى السماء. نظرتُ للأعلى، فرأيتُ ثلاث آلات سوداء تحلق في دوائر منتظمة فوقنا. لقد حاصرتنا. كان لديهما مجسات حرارية، وإذا تحركنا خطوة واحدة، سينتهي كل شيء.

فجأت، خطرت لي فكرة. أخرجتُ صندوق الموسيقى من حقيبتي. كان يعمل بـ "الزمبرك" اليدوي. "إذا أحدثتُ ضجيجاً في جهة أخرى، ربما تذهب خلفه،" فكرتُ في قلبي.

ربطتُ الصندوق بخيط طويل، وقذفته بقوة نحو شجيرة بعيدة، ثم سحبتُ الخيط ليدور المفتاح وتبدأ الموسيقى في العزف. انطلقت نغمة حزينة ورقيقة وسط صمت الغابة الموحش. فوراً، انقضت الآلات الثلاث نحو مصدر الصوت، وأطلقت أشعة حمراء حرقت الشجيرة في ثوانٍ.

"الآن! اركضي!" صرختُ بالفتاة.

ركضنا بكل ما نملك من قوة، نتخطى الجذور الميتة والبرك المسمومة. لم أنظر خلفي لأرى حطام صندوق موسيقى جدتي، كنتُ أنظر فقط للأمام، حيث بدأتُ ألمح ضوءاً أبيض غريباً في نهاية الغابة.

وصلنا إلى حافة جرف صخري، وهناك رأينا شاحنة ضخمة عليها شعار "الإغاثة الدولية". كان هناك جنود يرتدون بزات خضراء فاتحة، ينادون على الناجين بمكبرات الصوت.

ارتميتُ على الأرض وأنا ألهث، والفتاة بجانبي تبكي بصمت. اقترب منا جندي، ورفعني من الأرض برفق. "لقد نجوتما.. أنتم في مأمن من الصيادين الآن."

نظرتُ إلى معصمي، حيث كانت ساعتي القديمة محطمة وتوقف عقربها عند الساعة الرابعة فجراً.. لحظة سقوط بيلا. نزعتُ الساعة ورميتها في الوادي.

"لم يعد للزمن قيمة الآن،" قلتُ للجندي. "المهم أننا ما زلنا نتنفس."

صعدنا إلى الشاحنة، وبينما كانت تبتعد بنا نحو معسكر الحدود، نظرتُ إلى الغابة السوداء وهي تصغر وتصغر، مدركاً أنني تركتُ طفولتي هناك تحت أنقاض الموسيقى والآلات، باحثاً عن فجرٍ جديد لا يحمل طنيناً في سمائه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مدن خذلتها الشمس ( مجموعة قصصية)

المؤلف Heba Nabil
2026/04/25 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة